فتحي عبد السميع يكتب: أشباح نجيب محفوظ وأسطورة العود الأبدي

30-5-2018 | 10:47

فتحي عبد السميع

 

حين يرتبط نجيب محفوظ بعمل مسرحي جديد تتداعى في الذهن أسئلة كثيرة، منها ما يتعلق بطبيعة التفاعل مع عالم محفوظ، ومنها ما يتعلق بالمسافة بين الزمن الحالي وزمن شخصيات محفوظ في بدايات القرن الماضي، وكيفية تحقيق ذلك التفاعل من خلال لغة مسرحية، لها وسائلها وجمالياتها الخاصة.

البداية التي تثير أسئلة تمنحنا وعدا بعمل ثري، وهذا هو الحال مع العرض المسرحي "شقة عم نجيب" الذي تقدمه فرقة "مسرح الغد" من تأليف "سامح مهران" وإخراج "جلال عثمان". الوعد بالثراء يظهر من خلال لغة المؤلف، واعتمادها على الرمز والمجاز، بداية من ظهور الملابس، والتركيز على علامات موحية مثل تمزق جورب "عباس/ خضر زنون"، وعدم تناغم قميصه الضيق مع تكوينه الجسماني.

يظهر الثراء أيضا من اعتماد النص بشكل محوري على فكرة الشبح، واستخدامها بدلالات مختلف ، بعضها معتاد ومألوف وبعضها غير معتاد، واستخدامها في تكوين عالم فني غرائبي يتكون من شخصيتين تنتميان للحاضر، ومجموعة من الأشباح والمسوخ الأسطورية.

يظهر الثراء مبكرا أيضا من خلال الإخراج، وطريقة إعداد الفضاء المسرحي، حيث يغيب الشكل التقليدي المعتاد، وتتحول حوائط القاعة كلها إلى منصات عرض، بينما يجلس المتفرج على مقعد دوار، ويتحرك مع الشخصيات القريبة جدا، وقد تحول كل جانب إلى منصة مسرحية لها تصميمها المختلف، قد يتجانس مع الشكل المعتاد للخشبة، وقد يبتعد، وقد تتقشف المنصة للغاية، فلا نجد سوى حبل يتدلى من الأعالي، يتسلقه رجلٌ ذو رأسين، يقدم عالمه الجواني المعقد وهو يتأرجح على الحبل.


ورغم انتماء رؤية المخرج إلى لحظة زمنية حديثة، إلا أنها هي الأخرى تجد لها صدى أسطوريا في ذهن المتلقي، حيث تحيلنا إلى الحكايات القديمة وهي تعرض داخل المعابد من خلال تجسيدها في مناظر موزعة على الحوائط.

يبدأ المتفرج من نقطة محددة، ثم يدور بجسده دورة كاملة تستغرق زمن العرض، دورة تنتهي في المكان الذي بدأ منه، وتلك الحركة تتناغم مع الرؤية الداخلية للعرض، وتجسد فكرة العود الأبدي، لا بمعناها الفلسفي كما ظهرت عند نيتشه، ولا بمعناها الديني كما ظهرت عند إلياد، ولكن بدلالة مصرية، تتمثل في العودة الأسطورية لأحداث أو شخصيات قديمة تنتمي لعالم خارج العرض تم إبداعه بمعرفة نجيب محفوظ لا المؤلف، مثل عودة "السيد عبد الجواد" أو "الباشا" الإقطاعي الرأسمالي الذي توهمنا القضاء عليه بثورة يوليو. وقد تتجسد تلك العودة الأسطورية داخل العرض نفسه مثل عودة الثائر "على طه" إلى الحائط الرمزي الذي نزل منه أثناء العرض.


التفاعل مع عالم نجيب محفوظ، ورمزية الأشباح، واللغة المسرحية، تلك هي المحاور الثلاثة التي سوف نتوقف معها ونحن نستعرض مناظر العرض وأبرز دلالاتها وجمالياتها.

(1) رمزية الخصوبة المُهدرة
بينما يجلس المتفرج في وضعه المعتاد في انتظار رفع الستار، تحدث أول هزة فنية في ذهنه، ويبدأ العرض في الجانب الأيمن للخشبة التقليدية للمسرح، هكذا يتحرك المتفرج، ويدور بمقعده يسارا ليتابع حدثا في الزمن الحالي، سنة 2018 كما يظهر من عبارة مثل عبارة (مو صلاح).

يظهر النيل بما حوله من شوارع وبنايات عالية، وتـظهر بطلة العرض "سعدية" و زوجها "عباس"، ومع انتهاء عباس" من تناول الترمس، يقرأ في القرطاس إعلانا عن شقة خالية من ست غرف، واستعداد صاحبها لتقديم تنازلات كبيرة، وعلى نحو يذكرنا بفيلم (الأيدي الناعمة) حين أعلن البطل (أحمد مظهر) عن رغبته في قبول مستأجرين في سرايته، وإن كانت حبكة الإعلان هنا أكثر غموضا من إعلان (الأيدي الناعمة).
في المنظر الأول تنعكس ملامح البطلين، باعتبارهما رمزا للخصوبة المصرية المُهدرة، فهما زوجان مع وقف التنفيذ بسبب مشكلة "المكان"، ولا يعبران عن فردين، بل عن الغالبية العظمى، أو عن الطبقة المتوسطة التي تدهورت، وتداخلت مع الطبقة الفقيرة، وصارت أكثر انحطاطا وفجاجة من مثيلتها في عالم محفوظ.

(2) المكان المجازي وميزان الصراع
تقودنا الإضاءة إلى جنوب القاعة، فيدور المتفرج بمقعده المتحرك، ليجد ديكورا يعبر عن شقة حديثة، الشقة التي كان يقيم فيها نجيب محفوظ، ورغم أن المكان في العمل الفني يبقى متخيلا، إلا أن صفات الشقة وتحديد مكانها في العجوزة بالقرب من النيل، يتطابق مع محل إقامة نجيب محفوظ فعليا، لكننا لا نجد في الديكور الداخلي أو الأحداث ما يؤكد تطابقها الفعلي مع شقة محفوظ، إنها شقة مجازية توازي عالم محفوظ الفني.
في الشقة يلتقي الزوجان بـ "الباشا /شريف عواد"، ويخبرهما بأن الشقة مسكونة بالأشباح، وأنه سوف يسمح لهما بالسكن معه في الشقة على أمل نجاحهما في طرد الأشباح، ويوافق الزوجان، ليبدأ الصراع مع الأشباح، حيث يسقط عباس مبكرا، وتنجو سعدية في نهاية المسرحية.

يجسد الباشا أول مظهر من مظاهر الشبحية، فهو شخص عادي تماما، لا نرتاب أبدا في هويته الشبحية، ولا نعرفها إلا من خلال إحدى شخصيات العرض، وهي تشير إليه باعتباره شخصية فنية من شخصيات نجيب محفوظ.

هيمنة تلك الشخصية على المكان/الشقة، والفجوة الهائلة التي تفصل بين الطبقة التي يرمز إليها والطبقة الشعبية المصرية، وامتداد دورها حتى نهاية المسرحية، مع الحضور التمثيلي الجيد والمُستحوذ لـ "شريف عواد"، جعله يمثل طرفا في الميزان الدرامي، بمواجهة الطرف الآخر " سعدية" التي لعبت "هدى توفيق" دورها باقتدار وتمكن أيضا، أي أن الشخصيتين فرضتا حضورهما باعتبارهما قطبي الصراع، وصارت كل مفردات العرض تعتبر أساسية، أو ثانوية، وفقا لمدى قربها من ذلك الصراع /الميزان.



(3) إدانة الرؤية الذكورية للعالم
يدور المنظر الثالث على نفس الخشبة الجنوبية، حيث نلتقي بالمظهر الثاني من مظاهر الشبحية، والذي يتجسد في الشخصيات المحفوظية الشهيرة (السيد عبد الجواد)، وزوجته (أمينة)، وعشيقته (زبيدة).

تخرج تلك الشخصيات من الدولاب، لتطرح رؤيتها المتخلفة للمرأة، وتنجح في فرض سيطرتها على الحاضر، لكن بالنسبة للرجل فقط، حيث يتم سحب عباس إلى الدولاب السحري، أما المرأة "سعدية" فتنجح في الهرب من المصير الأسطوري.

الشخصيات القادمة من الماضي ينطبق عليها مفهوم الشبح بالمعنى الفني، حيث تعتبر كل الشخصيات الفنية أشباح؛ لأنها شخصيات مُتخيلة، ونحن هنا لا نرتاب في طبيعتها الوهمية، بسبب شهرتها الكبيرة، وبسبب أمور فنية أخرى من أهمها تصميم الملابس، خاصة ملابس "السيد عبد الجواد" بقفطانه وحزامه القماش، وجبته، وطربوشه، والتي نقلتنا إلى الماضي بشكل حاسم، بخلاف ملابس "أمينة" و الراقصة "زبيدة"، فهي تنتمي لمنطقة شبحية بين النور والظلام، أو بين الماضي والحاضر؛ لأنها تصلح لزمن الثلاثية، وتصلح للزمن الحالي أيضا.

هذا المشهد في تقديرنا هو الأهم، ويمثل النقطة المركزية في رؤية العرض، فالماضي يهجم والبطلة تهرب، وهذا ما يتكرر بصيغ مختلفة، ويبدو أن "الثلاثية" كانت النواة الأولى في عملية بناء النص.


شخصيات محفوظ تعود بشكل كربوني، مع وجود تغييرات طفيفة للغاية، منها ما يرجع لطبيعة اللغة المسرحية، و صغر زمن حضورها على المنصة على نحو فرض اختزالها، ومنها ما يرجع لرؤية خاصة بالعرض.

"أمينة" هنا أكثر خضوعا، وقد كان حضورها في السينما مرتبطا بقدر من الشفقة على حالها، بسبب ملامحها الفطرية أو الأمومية، أما هنا فتفشل في كسب تعاطفنا، ربما لأنها تظهر متصالحة مع "زبيدة"، وهو أمر تأباه الفطرة، وربما لفجاجة الطرح وهي تتحدث عن علاقتها بزوجها.



إن العود الأبدي لا يعني عودة شخصيات الماضي كما هي، بل عودتها مع درجة أكبر من القبح والبشاعة. أو بقدر أكبر من الخفة وعدم التوازن، كما هو الحال مع شخصية "السيد عبد الجواد" الذي لم نشعر بطبيعته المتناقضة، وتوزعه بين الوقار العلني والخفة السرية، بل شعرنا بجانب واحد هو خفته وطيشه وفجوره فقط؛ لأن العرض يميل إلى إدانة الشخصيات سعيا إلى تحقيق موقف معين، وهو إدانة الرؤية الذكورية للعالم وتحميلها مسئولية الجمود والتحجر والرجوع إلى الخلف.

العود الأبدي لا يعني قيام الماضي بالتهام الحاضر بشكل مطلق؛ لأنه لا ينطلق من أساس عقائدي، بل من أساس ثقافي قابل للحوار والمراجعة والتغيير، فقد يهجم الماضي على الحاضر ويقوم بالتهامه، كما حدث مع "عباس/الرجل"، وقد يتراجع أمام الحاضر كما حدث مع "سعدية/المرأة"، التي ترفض نمط "أمينة" ونمط "زبيدة".

(4) التصور الشعبي للشبح
المنظر الرابع يدور أيضا في نفس الجهة،حيث تظهر شخصية "محجوب عبد الدايم"، القواد الذي يحاول إغواء "سعدية" ودفعها في طريق الفجور، لكنها لا تستسلم وتنجح في الهرب. هنا نعثر على تنويعة جديدة على فكرة الشبح، حيث لجأ المؤلف إلى التصورات الشعبية التي تجسد الشبح في أشكال تجمع بين الأعضاء البشرية والحيوانية في كيان واحد.

هكذا تظهر بصحبة الشخصية المحفوظية ثلاثة شخوص تدعمها فنيا عن طريق التعبيرات الجسدية، وهي ترتدي أقنعة ذات قرون، و تأخذ هيئة المسوخ من حيث التكوين غير الإنساني، وتأخذ هيئة الظلال من حيث اللون الأسود والحركة، وهي مجتمعة تجسد الوضع الداخلي للقواد الجهنمي "محجوب عبد الدايم"، والذي تتناغم دلالة الديمومة النابعة من اسمه، مع دلالة العود الأبدي. ونلاحظ هنا، أن تناغم الاسم مع المسمى، كتقنية فنية قديمة ظهرت عند محفوظ مبكرا، تعود وتظهر عند مؤلف المسرحية من خلال "عباس" و"سعدية".

إن الزمن الذي استغرقته الأحداث التي دارت فوق المنصة الجنوبية أكثر من الأحداث التي دارت على أي منصة أخرى، لقد استوعبت وحدها نصف مناظر المسرحية، الأمر الذي يعني أن الجهات الأربع لم تكن متكافئة وهي تقوم بتبادل أدوار الخشبة التقليدية، وهو ما صنع في تقديرنا خللا إيقاعيا، وربما رجع الأمر لظروف القاعة حيث تتسع طولا وتضيق عرضا، إلا أن الفكرة الجوهرية للمخرج تأثرت بذلك الإيقاع المرتبك، وخسرت بعدم التوازن في توزيع المناظر، فكادت أن تكون المنصة الجنوبية منصة تقليدية عادية.

(5) ذو الرأسين وجحيم المثقف
أخيرا نغادر المنصة الجنوبية ونتحرك باتجاه الحائط الثالث حيث تلتقي "سعدية" في رحلة هروبها، برجل مرعب، يحمل رأسين على جسده. الأول رأسه هو، والآخر رأس الرجل الذي قتله، وهو يتحرك في الهواء عن طريق حبل، ويتحدث بنبرتي صوت مختلفتين تماما، إحداهما عنيفة والأخرى لينة، ويحاول الزج بالبطلة في متاهة فلسفية مخيفة، لكن سعدية تنجح مرة أخرى في الهرب.

المشهد مثير للفرجة بحكم طبيعته الغرائبية، والمجهود التمثيلي المبذول، وهو يتناغم مع فكرة الشبح المولود من القتل كما هو شائع في التصور الشعبي للشبح، إلا أن المشهد لا ينصهر في حبكة العرض بحكم موضوعه الفلسفي وطبيعته السيكولوجية الجوانية التي تقوم على ثنائية الحرية والضرورة، وعدم وضوح الخيط الذي يربط المشهد بميزان العرض الذي يتحرك بين رمزية "الباشا" ورمزية "سعدية".

وإذا كان العرض قد لعب بالأساس على شخصيات محفوظ المعروفة جماهيريا، فقد كان ذلك المشهد غير منصهر في ذلك السياق، وهو في الحقيقة لا ينتمي إلى عالم نجيب محفوظ، قدر ما ينتمي إلى عالم يوسف شاهين؛ لأنه يتفاعل مع فيلم"الاختيار"، والذي لم يكن عن رواية لمحفوظ، لكنه اشترك في كتابة القصة مع يوسف شاهين، ولم يشارك في كتابة السيناريو، الأمر الذي يجعل الفيلم ينتمي إلى عالم يوسف شاهين.

(6) الهروب من العالم السفلي
في رحلتها للهرب من ذلك العالم السفلي، تصل " سعدية" إلى الحائط الشمالي، الحائط الذي يواجهنا عندما نجلس قبل أن تبدأ المسرحية، هنا تكتمل الدائرة، وتقوم "سعدية" بفتح النافذة، لينشق الحائط مع دخول النور، وتتحرر منه شخصية "علي طه" في "القاهرة 30"، المثقف الثوري المتناغم مع نفسه. والذي يرشدها إلى فتح الثلاجة و تحرير شخصية "ريري" زوجة "عيسى الدباغ" في "السمان والخريف".

فكرة الشبح تتطور هنا لتعبر عن قوى طيبة ونقية، لا شريرة ولا مشوهة كما رأينا بامتداد المسرحية. قوى تنتمي إلى عالم ملائكي يواجه العالم المشوه فكريا، وأخلاقيا، ونفسيا، عالم يمنحنا النور شريطة أن نمنحه ـ نحن ـ النور.

مع رفع شعار (يا أشباح العالم اتحدوا) يتبلور مفهوم الشبح، ليصبح رمزا لضحايا الرأسماليةُ المتوحشة، وهنا نفهم رغبة "الباشا" في طرد الأشباح، لا بمعنى القضاء عليها فعليا، بل بتحويلها إلى شخصيات معلبة، منزوعة الروح، لا دور لها في الحياة سوى الحفاظ على الدائرة المهيمنة كما حدث مع "شخصية" عباس الذي فقد واقعه كناية عن فقد روحه مع بقاء جسمه.

هكذا يتضح الصراع بين المنصة الشمالية، برموزها الطيبة التي تتجسد في الشخصية الواعية الطيبة، والمنصة الجنوبية بشخصياتها التي تحتوي على الجشِع والقواد والمنقسم داخليا.

الطاقة الرمزية لا تتوقف على الشخوص بل تمتد إلى السينوغرافيا، حيث تتمتع المنصة الشمالية بالنافذة رمز النور، والثلاجة رمز مقاومة الفساد، والحائط رمز الوعي الخالد. وفوق المنصة الجنوبية نجد الدولاب رمز الاستهلاك أو الجنة الزائفة، والسرير رمز الغفلة والمتع المشوهة وغير المشروعة.

الصراع هنا مفتوح، صحيح أن قوى الظلام تنجح في رد الثوري النبيل "على طه" إلى الجدار، وإعادة "ريرى" إلى الثلاجة، إلا أن "سعدية" تخرج في النهاية السعيدة، لتحمل راية الأمل في كسر دائرة العود الأبدي.

(7) حديث اللون والضوء واللحن
نحن هنا أمام رؤية تستدعي شخصيات محددة كي تدينها، وتستدعي أخرى لتحتفل بها، رؤية تضعنا في معادلة "إما /أو"، إما "عباس" والنهاية السلبية العبوس، أو "سعدية" والنهاية الإيجابية السعيدة. والأمر يتأكد من خلال استخدام الألوان، حيث لا يوجد في الرؤية التشكيلية لـ " نهاد السيد" سوى اللون الأسود والأبيض، لا توجد ألوان أخرى، هكذا يقول الديكور ليعبر عن رؤية العرض بشكل واضح، وهو ما حدث مع عناصر فنية أخرى مع اختلاف درجات نجاحها.

لقد حضرتْ ألحان وأغنيات، لكننا لم نجد لحنا جديدا خاصا بالعرض، ولا أغنية تنبع من داخله، بل وجدنا "ياسمين فراج" تقوم باستدعاء أغنيات قديمة مثل {أوعى تكلمني} أو معاصرة مثل (آه لو لعبت يا زهر)، والأغنيتان تحملان طابعا شعبيا يتناغم مع العرض.

كما حضرت آلة الأوكرديون على نحو مميز، وقد نجحت في ردنا إلى زمن محفوظ، كما نجح البيانو في تكثيف الإيحاء بعالم "الباشا" الأرستقراطي، لكن العرض كان بحاجة لصنع المزيد من الدرامية، عبر حضور آلة أخرى مثل آلة القانون، مع منح كل آلة إيحاءات مختلفة، وذلك للتعبير عبر الموسيقى عن العالمين المتصارعين في العرض.

لعبت الإضاءة عدة أدوار، حيث جسدت دور الديكور، فرأينا تكوين نافذة مفتوحة من خلال الإضاءة، كما عكست ظلال الأشباح، وعبرت في أكثر من موقف عن انتباه الشخصية لحدث معين، وكأنها تعكس النور الذي لمع في الداخل، لكن حضورها ظل تقليديا يخلو من لمسة إبداعية لافتة.

(8) هل كانت شقة نجيب محفوظ؟
يحيلنا عنوان العرض إلى المكان الذي يقيم فيه نجيب محفوظ، المكان الذي نفترض أنه كتب فيه أعماله الإبداعية، إلا أن العرض لا يتفاعل مع عالم نجيب محفوظ الأدبي، بل مع عدد محدد من الشخصيات التي اكتسبت حضورا جماهيريا من خلال الأفلام السينمائية. وهذا يعني أننا في شقة كل الذين أسهموا في تلك الأعمال السينمائية لا في شقة نجيب محفوظ وحده.

العرض نفسه يشير إلى فلان باعتباره بطلا لفيلم كذا، كما يقدم البطلين باعتبارهما لا يقرآن الجرائد، باستثناء القراطيس بعد الانتهاء من تناول ما فيها، كما نجد شخصية "علي طه" تشرح لبطلة العرض معنى شخصيات نجيب محفوظ، وعلاقتها بالواقع، وعلاقة محفوظ بنا الآن، وبقدرتنا على الفعل.

ومع تحفظنا على الطابع المباشر في ذلك الشرح، ونبرة الدعاية، أو الحفاوة غير المبررة فنيا هنا، إلا أن الموقف يكشف عن نظرة معينة للمتلقي الذي صنعته الفرجة على السينما بشكل سلبي، أو الذي لا يعرف حتى عالم محفوظ السينمائي.

التفاعل يمتد إلى العناصر الفنية التي استخدمتها السينما في رسم ملامح الشخصيات المحفوظية، كما هو الحال في المشهد الشهير لمحجوب عبد الدايم، وهو يقف أمام الساعة فيظهر كما لو كان شخصا بقرنين، هذا المشهد تحديدا تم أخذه وتحويله إلى قناع ثابت على وجوه المسوخ التي تتبع محجوب عبد الدايم، وتدعمه حركيا في العرض، أي أن التفاعل هنا مع المخرج صلاح أبو سيف.

يعني ذلك أننا أمام محاولة للاستفادة من عالم محفوظ، محاولة قوامها الافتتان لا الحوار الخلاق، وجوهرها الحفاوة لا التفاعل بنديَّة. صحيح أننا لا نجد تطابقا كاملا بين حضور الشخصيات المحفوظية في السينما وحضورها في العرض المسرحي، إلا أن التباين محدود للغاية، ويكاد يرجع إلى لغة المسرح وحدها، مع تحويرات طفيفة جدا. وهذا لا يعني التقليل من شأن العرض، فقد تعرضنا للكثير من علاماته المضيئة، وقد كانت قدرات الممثلين من أبرز تلك العلامات المضيئة، وقد لعبوا دورا في صنع خصوصية لبعض الشخصيات، وجعلوها تستقر في الذاكرة بشكل مختلف، كما هو الحال في أداء شخصية السيد عبد الجواد.

ولا ينبغي أن ننصرف في قبل الإشادة بالجهد التمثيلي الواضح لمبدعي مسرح الغد ريهام حسن، سلمى رضوان، محمد عبد الرحيم، أحمد نبيل، مروة يحي، على الظايط، هادي محمد، محمد عبد العزيز، آية إبراهيم، محمد عاشور.





 

اقرأ ايضا: