السعر العادل

29-5-2018 | 12:56

 

الخوض في ملف الوقود مغامرة محفوفة بالمخاطر والمكاره؛ لكونه من الملفات بالغة الحساسية للمواطن العادي، الذي يربط بين طرحه للنقاش العام، والاقتراب من أسعاره ـ غير العادلة بالمعايير الاقتصادية الرشيدة ـ وإثقال كاهله بأعباء إضافية مرهقة، من بينها قفزات رهيبة وصاعقة في أسعار المواد الغذائية، ووسائل المواصلات العامة، ومصاريف المدارس.. إلخ.

والمواطن له حق غير منقوص في الإحساس بالقلق مما سيلي زيادة أسعار البنزين والسولار والمازوت، وأنه سيترك بمفرده يصارع غول ارتفاع الأسعار، وسيتوجع بشدة، جراء عدم قدرته على ملاحقة الزيادات على فترات زمنية قصيرة؛ مع بقاء مرتبه كما هو بدون تحريكه، أو زيادته بصورة مناسبة، حتى يتمكن من تعويم نفسه.

وهناك جهات وشخصيات تغذي بقوة وبإلحاح هذا الإحساس لدى المواطنين؛ مستغلين منصات التواصل الاجتماعي التي تنتشر عليها حاليًا تقديرات بالزيادات الطارئة على أسعار بنزين (80 و92) والبوتاجاز والسولار.. وغيرها من المنتجات البترولية، ويعرضون وجهة نظر أحادية الجانب؛ غرضها ومحورها تحريض الناس، وتحفيز شحنات الغضب والحنق داخلهم، لصنع بؤر توتر ومصادمات بالمجتمع المصري، وتعطيل عجلة الإصلاح.

ونلتمس العذر - بل الأعذار - للجموع المتأثرة بهذه الحملات المشبوهة، التي تحركها وتوجهها الكتائب الإلكترونية الإخوانية المغرضة؛ لأنها لم تجد من يعرض عليها القضية بأبعادها وأركانها الكاملة؛ لتكوين وجهة النظر السديدة بشأنها، وبعدها يحسم قراره المبني على معلومات وحقائق لا يتطرق إليها الشك بالقبول أو الرفض.

ولكي تكون عزيزي المواطن على بينة من الأمر بتفاصيله الدقيقة الواقعية - صغيرها وكبيرها - فأنت مدعو للرد على التساؤل التالي:

هل تعلم - على سبيل المثال - حجم ما تتحمله خزينة الدولة يوميًا لدعم المنتجات البترولية؟

 300 مليون جنيه يوميًا للبنزين بنوعيه (80 و92)، ومعهما السولار، والبوتاجاز، والمازوت، ويبلغ دعم اللتر الواحد من بنزين (80 و92) والسولار في موازنة 2017 ـ 2018، 2.5 جنيه؛ أي 190 مليون جنيه يوميًا، مع العلم أننا نستهلك 75 مليون لتر من البنزين والسولار يوميًا، وإذا نظرنا لميزانية 2017 ـ 2018 فإن فاتورة دعم المواد البترولية تبلغ نحو 125 مليار جنيه.

ولاستكمال الصورة فإننا نستورد جزءًا من احتياجاتنا البترولية من الخارج، وهنا يتحكم فينا سعر البترول في التعاملات الدولية، ولمعلوماتك فإن كل دولار يزيد في سعر البترول عالميًا يرفع فاتورة الدعم بالموازنة العامة بمبلغ 4 مليارات جنيه.

لن نسترسل كثيرًا في لغة الأرقام وتشعباتها؛ وهي مخيفة عندما تطالعها في البنود المتعددة المتصلة بالمواد البترولية، والالتزامات التابعة لها من قبل الدولة ومؤسساتها؛ لكن سوف نطرح تساؤلًا منطقيًا: هل مليارات الدعم - المدفوعة من جيبي وجيبك - تصل للشرائح المستحقة من المصريين؟

 يؤسفني إبلاغك ومصارحتك بأنها تضل طريقها إليهم، حيث يستفيد منها في الأغلب الأعم من يُدرجون بفئة "الأكثر دخلًا"، وعلى سبيل المثال فإن مصانع الطوب تحصل على حصة مدعومة من المازوت تقدر بـ 18 مليار جنيه سنويًا، ولا تستخدمها؛ لكنها تبيعها بفارق سعري لمصانع الأسمنت؛ لجني أرباح أكثر تدخل جيبها من هذه التجارة، بدون مردود إيجابي على المواطن.

بخلاف أن هناك تشوهات واختلالات رهيبة في التسعير، مثلا أنبوبة البوتاجاز تباع بـ 30 جنيهًا، بينما تكلفتها الحقيقية 134 جنيهًا، بما يعني أن 78% من سعرها مدعوم، ويوجد احتياج لا مفر منه للتسعير المتوازن للمنتجات البترولية لغرضين، الأول منح موازنة الدولة مساحة أكبر؛ تتنفس من خلالها، وتوفر مخصصات مالية لتحسين الخدمات العامة المقدمة للمواطن والارتقاء بها، لا سيما وسائل المواصلات الجيدة، والغرض الثاني المحافظة قدر استطاعتنا على ثرواتنا الطبيعية للأجيال المقبلة، وفى مقدمتها البترول؛ لأننا في التوقيت الحالي نستهلكها بشكل غير رشيد، بسبب كثافة استهلاك الطاقة.

والدولة لا تخفي طبيعة أوضاعنا المالية والاقتصادية، وأننا قطعنا شوطًا كبيرًا على مسار الإصلاح الاقتصادي ، ولا تزال أمامنا أشواط أخرى علينا قطعها، وتحمل النتائج المترتبة عليه؛ بما فيها من مرارة وألم لن يطول بإذن الله.

إلى هنا ستقول عزيزي القارئ إن المواطن سيكون كبش الفداء - وكالعادة المزمنة - ستقع على عاتقه وحده توابع زيادة أسعار المنتجات البترولية ، وأنه سيكون مجردًا من أسلحة يدافع بها عن نفسه ويصمد في مواجهتها، وهو قول غير دقيق تمامًا؛ لأن الدولة المصرية تقدر وتعرف تمام المعرفة قدر ما تحمله المصريون في السنوات الماضية وصبرهم وجلدهم؛ للمضي قدمًا في الإصلاحات الاقتصادية، وإنقاذ اقتصادنا من هوة الانهيار، وانطلاقًا من ذلك؛ فإنها عازمة على مد يدها لمساعدته، وجعله صامدًا من خلال شبكة حماية اجتماعية.

وتشمل تلك الشبكة زيادة مرتبات العاملين في الجهاز الإداري للدولة، ومعهم أرباب المعاشات، وهما الفئتان الأكثر عرضة للتأثر بزيادات المواد البترولية، وإضافة سلع على بطاقات التموين، وتشديد الرقابة على الأسواق، والتصدي بحسم - وبالقانون - للتجار الجشعين الذين يستغلون أي زيادة لرفع أسعار منتجاتهم سعيًا لمكاسب عالية، فالدولة تقف في ظهر المواطن، ولن تدخر جهدًا في حمايته، فالجميع داخل مركب واحد، سيعبر لبر الأمان والاستقرار، متجاوزًا ما يعترضه من عواصف وأمواج عاتية، وهو ما يحتم وجود سعر عادل للمنتجات البترولية قبل فوات الأوان.

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مقالات اخري للكاتب

فقه الأولويات

يزدحم الفضاء العام في مصر بمواقف واتجاهات لا تعد ولا تحصى، حول كثير من القضايا الخلافية والجدلية في الدين والسياسة والتاريخ القديم والحديث .. إلخ، وظاهريًا

خطة مارشال الطبية

خطة مارشال الطبية

اختبار أمريكا الأصعب

ما تابعناه من فصول ومشاهد غريبة للفوضى الانتخابية بالولايات المتحدة بين المرشحين دونالد ترامب وجو بايدن، ليس سوى الاختبار الأصغر لأمريكا، تمهيدًا لخوضها اختبارًا أكبر وأصعب بمراحل، عقب إعلان فوز الديمقراطي بايدن بالانتخابات الرئاسية التاريخية.

نقاط الخلل

عمليا لا يوجد ـ على الأقل حتى الآن ـ ما يضمن ويحول دون تكرار حوادث الطعن والذبح المروعة في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية، التي ينفذها إرهابيون مدون

سد النهضة

رد الفعل الإثيوبي العصبي والمتشنج على التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن سد النهضة، يقدم دليلا إضافيًا على إصرار أديس أبابا على متابعة

لن ينجحوا أبدا

لن ينجحوا أبدا

كارثة بيروت

ارتدت بيروت ثوب الحزن الأسود، واختفت البسمة من وجهها الصبوح، وفجعتها مشاهد قاسية من الدماء والخراب والدموع والفزع، عقب الكارثة المروعة غير المعهودة التى تعرضت لها، إثر وقوع انفجار ضخم بمرفأ بيروت.

كلنا الجيش المصري

كل مصري يهتف من قلبه "كلنا الجيش المصري"، تعبيرًا عما يؤمن به إيمانًا لا يتزعزع ولا يتطرق إليه الشك، فحينما نقول بأعلى أصواتنا "كلنا الجيش المصري" فذاك ليس جملة مجازية، أو شعارًا أجوف يحلق في الفضاء الرحب يتردد للاستهلاك، وإنما هو واقع وحقيقة أكدتها ودللت عليها أحداث الماضي والحاضر.

7 سنوات من الإنجاز والعطاء

مرت 7 سنوات حافلة بالعمل والإنجاز والعطاء غير المحدود على ثورة الثلاثين من يونيو، التي ستبقى حاضرة وماثلة في الأذهان وملهمة لأجيال قادمة، وتزداد ألقًا وبهاءً كلما تعاقبت عليها الأعوام والسنون.

خط أحمر

من منطقة سيدي براني، على الحدود الغربية لمصر، أطلق الرئيس السيسي، رسائل قوية وواضحة وضوح الشمس وحازمة لكل من يعي ويفهم ويتدبر القول، واستندت تلك الرسائل

خطايا أردوغان العشر

بدون عناء يُذكر، تستطيع أن ترصد عددًا من الصفات والخصال الذميمة في المدعو رجب طيب أردوغان، القابض على السلطة في تركيا والمتحكم فيها، والذي وجهها صوب ما

الاختيار

سنظل لأعوام قادمة نتحدث ونستعيد بفخر واعتزاز التأثير الكبير والممتع، الذي تركه مسلسل "الاختيار" في عقل ووجدان المصريين، الذين التفوا حوله وتفاعلوا معه

مادة إعلانية

[x]