باحث تونسي يشرح تفاصيل خريطة التغيرات السياسية والاجتماعية في بلاده

27-5-2018 | 21:16

الانتخابات التونسية

 

محمود سعد دياب

قال الدكتور توفيق المديني الكاتب والباحث التونسي، إن الانتخابات البلدية التي شهدتها تونس مطلع شهر مايو الجاري، شكلت علامة فارقة في أرض القيروان الخضراء، حيث جاء العزوف الكبير من الشباب التونسي والذي يصل إلى 90% عن المشاركة، لكي يعتبر ناقوس خطر يؤكد وجود إشكالية سياسية، خصوصًا وأن الشباب شارك بفعالية في ثورة 2011 وكان فرس الرهان في معارك التغيرات السياسية، فقد شملت المقاطعة الشبابية حتى الأنشطة الحزبية أو السعي للتمثيل النيابي، ما يؤكد أن الأحزاب التونسية لم يكن لديها ما تقدمه لكي تقنع تلك الشريحة المهمة بالنزول إلى الانتخابات.


وأكد أن الانتخابات التونسية البلدية شهدت إقبالا ضعيفًا على التصويت، حيث بلغت 33.7% فقط من أصوات الناخبين من لهم حق التصويت، فيما بلغت نسب المشاركة في انتخابات مجلس النواب 2011 نسبة وصلت لـ 52%، وفي انتخابات 2014 بلغت في دورتها الأولى 69%، و64% في دورة الإعادة للرئاسية.

وبلغة الأرقام، بلغ عدد التونسيين المسجلين في هذه الانتخابات 5 ملايين و369 ألف ناخب من أصل جسم انتخابي يمثل ثماني ملايين ونصف من يحق لهم الانتخاب من أصل عدد السكان البالغ عددهم 12مليون نسمة، لم يشارك منهم في التصويت سوى مليون و800 ألف ناخب، أي أقل من مليونين، وهو ما يؤكد أنّ نسبة المقاطعة كانت كبيرة ، بدلالة أنّ ثلثي الناخبين لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع.

وشرح المديني لـ "بوابة الأهرام" تفاصيل خريطة التغيرات السياسية والاجتماعية في تونس وعلى المستوى الاقتصادي أيضًا، مؤكدًا أن هناك سؤالا لا يزال يحير علماء الاجتماع التونسيين وهو وجود تناقض بين اعتراف الدستور التونسي بأنّ الشباب هم القوة الدافعة في بناء الأمة، وبين العزوف الذي يمارسه الشباب أنفسهم في الحياة السياسية، والاستحقاقات الانتخابية منذ سنة 2011، وحتى الآن، وأن هناك أسبابا تدعو الشباب التونسي إلى العزوف الانتخابي .

وأكد أن هناك إجماعا أن الشباب «العازف» عن الانتخابات هو الحزب الأكبر في تونس، إذ قاطع الشباب التونسي بنحو 90% من النسبة الإجمالية للمقاطعين، مضيفًا أنها نتيجة يجب أن تُقلق السلطة والأحزابَ معاً، لا سيما أن الشباب يمثل الفئة الاجتماعية الكبيرة في المجتمع التونسي، وأن هذا العزوف القياسي وجه رسالة قوية إلى السلطة التونسية، وإلى الأحزاب السياسية الأخرى على حد سواء، التي أخفقت في إقناعها للاستجابة إلى المشاركة «القوية» في الانتخابات، ما مفاده أنها ليست راضية عن الأوضاع السياسية و الاقتصادية والاجتماعية في تونس.

وأضاف الباحث التونسي أن الحقيقة هي أنّ العزوف الراهن يعكس موقفا سياسيا وليس مجرّد سلوك اعتباطي مجاني، وأنه في علم الاجتماع فنحن إزاء ظاهرة كاملة ولسنا حيال شيء اعتيادي أو أمر مألوف، وفكّ هذه الألغاز مطروح على كلّ الفاعلين السياسيّين من أحزاب ومبادرات وطنية رفعت شعار الاستقلالية، فالجميع عجز عن استقطاب الناخبين وخاصة الشباب منهم وإقناعهم بأهمية الانتخاب، وأن السؤال المطروح على أحزاب الحكم وأحزاب المعارضة بنفس الدرجة فالجميع تقدّم إلى هذه الانتخابات وقام بالدعاية الانتخابية وَسَخّروا لها جميع إمكانياتهم وطاقاتهم وصرفوا لأجلها أموالا طائلة، ولكن في النهاية خاب ظَنُّهم وثبت بالدليل القاطع أنّ غالبية المعنيين بالانتخابات لم يلتفتوا إلى كلّ تلك الجهود الدعائيّة.

ولفت الباحث المتخصص في الشئون التونسية، إلى أنه منذ قيام الثورة في 2011 وإجراء أول انتخابات ديمقراطية في 23 أكتوبر بالعام نفسه، ظل الوضع الاقتصادي في ظل الديمقراطية الناشئة التي ولدت بعد سقوط النظام السابق هشًا، لأنّ النمو الاقتصادي ليس مرتفعًا بالقدر الكافي لإحداث تغيير ملموس في مستوى البطالة، ولا سيما بين الشباب التونسي ، الذي واجه مجموعة من التحديات، مضيفًا أن البطالة تعد أخطر هذه التحديات الاقتصادية وما تفرضه من تداعيات اجتماعية سلبية ، حيث تزايدت معدلات الفقر في المحافظات الداخلية، وتدهورت الخدمات الصحية، وسادت الصراعات الاجتماعية.

وأوضح أن عزوف الشباب التونسي نتيجة طبيعية لما جرى في الثورة التي كان الشباب محركها الرئيسي، لكنه لم يجن منها سوى أزماتها، بينما الذي جني ثمارها أحزاب الإسلام السياسي واليمين الليبرالي، التي اتسم خطابها السياسي في مختلف المحطات الانتخابية التي شهدتها تونس في خريف 2011، وخريف 2014، بالشعبوية المليئة بالوعود الزائفة السابقة بشأن خلق مواطن شغل ومجانية النقل العام وغيرها.

وأرجع الدكتور توفيق المديني إلى أن عزوف الشباب عن الشأن السياسي بشكل عام، إلى أن الحزبين الحاكمين (النهضة والنداء) اللذين هيمنا على السوق الانتخابية، كرّسا نوعًا من الاستقطاب السياسي والأيديولوجي داخل المجتمع التونسي، بين "مشروع الدولة الوطنية" لحزب نداء تونس، و"مشروع الإسلام السياسي" لحركة النهضة، رغم أنّ هذه المعيارية الأيديولوجية ، لا تعكس صراعًا فعليًا بين مشروعين مجتمعيين.

وأضاف أن تنامي ثقافة اليأس والإحباط والفشل التي فرضها غياب الآليات في تكريس الأمل في غد أفضل كانت سببًا أخر في العزوف الانتخابي لتلك الشريحة المهمة التي خذلتها الطبقة السياسية الحاكمة، وتحديدا الأحزاب المنتخبة تباعا في 2011 و2014 لمطالب الشباب وتطلعاتهم بعد ثورة الحرية والكرامة، مضيفًا أن حركة النهضة قد استفادت من قاعدتها الاجتماعية الكلاسيكية –التي تربطها صلات عقائدية بالحركة- مُضافًا إلى ذلك تزويدها بخطاب سياسي دعائي يزعم الانفتاح على بقية الشرائح الاجتماعية، مشيرًا إلى أن نداء تونس عمل على تفعيل الروابط بالقاعدة النشيطة المُبعثرة لحزب التجمع المنحل واستمالة جزء منها عبر استقدام قيادات من نظام بن علي وتكليفهم بمهام حزبية أو حكومية.

وأكد الدكتور توفيق المديني –في تصريحاته لـ "بوابة الأهرام"، أن مصادر الإحباط تتمثل في ظروف سوق العمل، ورداءة التعليم، بجانب الفوارق بين المحافظات التونسية الداخلية المهمشة تاريخيا والفقيرة، والمفتقدة للمشاريع التنموية، والمحافظات الساحلية ، والتفرقة بين الجنسين، مشيرًا إلى أن بناء مستقبل جديد للشباب ، يحتاج إلى جهود ضخمة لجمع "أصحاب المصلحة"، من أجل تحسين واقع الشباب في تونس، والذي يجب أن يشمل المؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع العام، وصانعي السياسات، ومستثمري القطاع الخاص، والمنظمات غير الهادفة للربح التي تهتم بقضايا الشباب، والحكومات المحلية، وفوق كل هذا الشباب أنفسهم.