العاشر من رمضان

27-5-2018 | 01:50

 

تمتاز الحرب الرائعة التي خضناها في عام 1973، بأننا نحتفل بها أو بذكراها مرتين في العام الواحد، في تاريخها الميلادي في 6 أكتوبر، وفي نسختها الهجرية في 10 رمضان.. وهو ما لا نفعله في أي احتفال آخر لأي مناسبة أخرى.. وهذه المسألة ربما تكون في حاجة إلى تحليل يشرح لنا كيف نعبر بين تاريخين لحرب واحدة، ونعيش نفس الإحساس مرتين، وعما إذا كنا بالفعل إزاء حرب واحدة..

وربما تلفتنا هذه الإشارة إلى عظمة هذه الحرب، وإلي إحساس المصريين بها، وقدرتهم على الإمساك بخيوطها المضيئة، حتى لا تنطفئ منا الذكرى الجميلة، تحت وقع الأزمات والإحباطات التي وقعت لنا منذ ذلك التاريخ وحتى الآن.. ومنذ ارتباط حرب 73 بالتاريخين الميلادي والهجري معًا، فإن أحدا لم يفكر في فصلهما؛ حيث اختلطت على ضفاف القناة، الروح الوطنية بالشعور الديني الذي يواكب شهر رمضان والصيام، مع عدم إغفال مشاركة كل المصريين من مسلمين ومسيحيين في هذه الحرب إعدادًا وتنفيذًا، نصرًا وشهادة..

تلك الحرب أو ذلك النصر العسكري يمتاز بأنه يعلن لنا قبل غيرنا بقدرتنا على النهوض وعبور أي كبوة مهما بدت كبيرة أو مستعصية.. ربما حقق المصريون انتصارات تاريخية قديمة طوال التاريخ، لكن هذه الذكرى قريبة برغم السنوات الـ 45 التي مرت، فضلا عن أنها كانت انتصارًا في صراع أو معركة، كل الحسابات المرتبطة بها، لم تكن في صالحنا.. لكن كانت لدينا إرادة النصر والرغبة الطاحنة في رد الهزيمة وأيضًا كان لدينا قادة سياسيون وعسكريون على مستوى اللحظة..

لقد كانت السنوات الست السابقة لحرب أكتوبر سنوات غليان حقيقي، ولكنها أيضًا كانت سنوات وعي وتصميم، ولم يكن أي شيء بقادر على إيقاف التوجه نحو هذه الحرب بكل ما نملك.. لذلك كانت هذه الفترة متخمة بسياسات وأفكار عسكرية وثقافة رفيعة وفن راقٍ.. فالهدف كبير، وربما يفسر المسألة المستوى الذي وصل إليه التخطيط السياسي والعسكري المصري في تلك السنوات، وهو مستوى لم نصل إليه من قبل.. وربما يفسر أيضًا المستوى الرائع الذي وصلت إليه الرواية والشعر والأغاني، مما قد يجيب عن أسئلة كثيرة ألقاها البعض من دون قدرة على الإجابة، أو بتقديم إجابات ناقصة.. وكانت الأسئلة تدور حول لماذا كانت الأغاني والقصص عظيمة في مرحلة ما بعد النكسة، ولم تكن كذلك في مرحلة ما بعد النصر..

إن مرحلة ما بعد النكسة في عام 67 كانت مرحلة كفاح وبحث ونقد للذات، ومحاولة إعادة بناء، كانت مرحلة من ست سنوات مرت كالدهر، حاول فيها المصريون معرفة لماذا تمت هزيمتهم وهزيمة العرب معهم بهذا الشكل المهين.. وحاولوا استنهاض الهمم وطرح الأفكار وانتفضوا لمصريتهم وعروبتهم ولتاريخهم العريق.. فكان التعبير بالفن راقيًا، والتعبير بالتخطيط السياسي والعسكري رفيعًا، والحماس لا نظير له..

وعندما بدأت الحرب وأثناءها وجدت العسكرية والسياسة والثقافة منافذ عبرت بها عما حدث، ولكن الشحنة الهائلة التي استهلكناها في سنوات الإعداد للحرب كانت وكأنها لم تترك لنا فائضًا للسنوات المقبلة.. فكانت الحصيلة أو الإنجاز الإبداعي بعد حرب رمضان أقل مما شهدناه قبلها.. ثم أيضًا، كان الخلاف حول إدارة النصر سياسيًا واقتصاديًا قد انعكس بشدة على تراجع الإبداع حول النصر الذي تحقق، واعتبارًا من منتصف السبعينيات لم نر إنجازًا إبداعيا له قيمة لتخليد حرب العاشر من رمضان..

أما آخر إنجاز تسجيلي للحرب فكانت الندوة الدولية لحرب أكتوبر 73، والتي عقدت في جامعة القاهرة في نهاية شهر أكتوبر 75، وشارك في الندوة - التي استمرت لخمسة أيام - مجموعة من نجوم الحرب المصريين وجنرالات وخبراء من 50 دولة، واللافت للنظر أن أكثر المشاركين كانوا من الولايات المتحدة الأمريكية (28 مشاركًا)، ثم فرنسا (15 مشاركًا) فإيطاليا (12 مشاركًا) ثم بريطانيا (7 مشاركين)، كان قادة الغرب العسكريون يريدون أن يعرفوا كيف انتصر المصريون على إسرائيل، بعكس كل التوقعات، وكذلك معرفة النقاط المستخلصة من الحرب لمراجعة المبادئ والخطط العسكرية الأوروبية في مجالات الدفاع الجوي، والدفاع المضاد للدبابات، ونظم القيادة والسيطرة الآلية، وأيضًا العناصر المعنوية، وعلى رأسها المفاجأة.

هم قطعًا كانوا ومازلوا لديهم الأسلحة المتطورة والعقول والخبرات الرفيعة، ولكنهم أرادوا استخلاص الدروس المستفادة من هذه الحرب.

وقد اتفق الخبراء في تلك الندوة على أن حرب أكتوبر كانت حدثًا فريدًا يعتبر نقطة تحول جذري في مسار الصراع العربي - الإسرائيلي غيرت من الأوضاع السياسية والإستراتيجية في المنطقة، وأثرت على مسار العلاقات الدولية المعاصرة، وأن الوفاق الدولي وما أسفر عنه من اتفاق على الاسترخاء العسكري في المنطقة لم يكن من شأنه أن يحول دون توافر إرادة مصرية حرة لاتخاذ قرار الحرب، وأن حرب أكتوبر قد أعطت الثقة للعرب، فيما العامل البشري ركيزة أساسية من ركائز النصر في المعركة الحديثة.

أسمع أن هناك تسجيلات في أماكن ومؤسسات إعلامية عدة من أبطال الحرب، وأود لو تتاح في كتب وبرامج وأفلام وثائقية؛ لتقرأها وتشاهدها الأجيال الحالية..

مقالات اخري للكاتب

مصر لا تجمد أحلامها

من الضروري أن يفهم المصريون على اختلاف درجات وعيهم، أن التوقف عن العمل والإنجاز، ليس فقط تجميدًا للحظة الراهنة، وإبقاءً للحال كما هو عليه، ولكن التوقف هو تأخر وتخلف عن الآخرين، وإضاعة للفرص، خصوصًا فرص تحقيق الحلم بالوصول إلى بلد قوي متقدم مرفوع الرأس يتسع للمصريين جميعًا.

أردوغان يعيد استخدام فزاعة اللاجئين السوريين

هدد رئيس تركيا رجب طيب أردوغان أوروبا بفتح أبواب بلاده أمام اللاجئين السوريين نحو مدنهم "في حال لم يقدم الاتحاد الأوروبي المساعدة الضرورية لأنقرة".

يبني قصرا ويهدم مصر

في عمارات وسط البلد في القاهرة، تتجلى القيمة الفعلية للجمال والذوق الفني والأصول المعمارية، وإذا كان المهندسون الأوروبيون هم من شيدوها بأوامر الحاكم، فإن

العاصمة الجديدة

يحكى أنه بعد أن استقر جوهر الصقلي على موقع العاصمة الجديدة, قرر استدعاء علماء الفلك ليحددوا اللحظة المناسبة لبدء العمل, وبالتحديد حين يظهر في السماء كوكب ذو فأل حسن..

القاهرة التي عرفتها

القاهرة من العواصم القديمة في العالم، ليست الأقدم، سبقتها أثينا وروما ودمشق وغيرها، لكنها وبعد ألف سنة، وربما العام المقيل، ستتخلى عن كونها عاصمة، عن وظيفتها

رحيل العاشق المتيم بمصر وتونس

أكتب عن الباجي قايد السبسي، رجل الدولة التونسي العظيم، والذي أحزنني غيابه بقدر ما كان يفرحني وجوده وبهاءه رغم التسعينية التي عاشها.. الرجل لم يرحل شابًا