"مدن آمنة للفتيات".. هل تنجح فى وقف العنف ضد المرأة؟

22-5-2018 | 22:01

العنف ضد المرأة

 

داليا عطية

فى محاولة للتصدى لظاهرة العنف ضد المرأة ، جاء مشروع "مدينة آمنة للمرأة" ليفتح أبواب الأمل فى إيجاد حلول عملية تتصدى لهذه الظاهرة، وتضع حدًا لتجاوزات وانتهاكات دخيلة على المجتمع المصرى وحضارته، التى تؤكد احترامها للمراة المصرية، ودورها الفاعل على مر التاريخ.. التجربة الجديدة شهدتها قبل أسبوع منطقة إمبابة بالجيزة، تمهيدا لتعميمها فى المحافظات فى رسالة حب للمراة المصرية، حيث تم تدشين أول مدينة آمنة للفتيات برنامج مدن آمنة في مصر، الذى أطلقته الأمم المتحدة  الذي يستهدف خلق مناخ خال من العنف ضد المرأة و التحرش الجنسي، وينفذ هذا البرنامج في أكثر من 20 دولة على مستوى العالم.

إلا أن التساؤلات المطروحة، هل هذه التجربة الجديدة ستحد من العنف ضد المرأة .. وما هى فلسفة وجود مدن آمنة للفتيات؟ وهل تنجح فى نشر ثقافة التسامح؟ وماهى أسباب العنف ضد المرأة ؟ ودور الدولة فى حمايتها؟ "بوابة الأهرام" حملت هذه الأسئلة فى  القضية الأكثر خطرًا، إذ أن مصر حسب الدراسة التي أجرتها مؤسسة «تومسون رويترز» مؤخرًا لقضايا المرأة، تصدرت المركز الأول في ممارسة العنف ضد النساء، إلى أطراف جميع القضية للبحث عن إجابات فى التحقيق التالي:

تحويل "زنين" إلي سوق حضارية للسيدات 
تقول الدكتورة منال عوض، نائب محافظ الجيزة لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة في تصريحات خاصة لـ"بوابة الأهرام، إن برنامج مدن آمنة للنساء ضد العنف و التحرش يهدف إلي تمكين المرأة في المجتمع اقتصاديا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا في الأماكن العامة، وحمايتها من أشكال العنف الممارس ضدها بكافة أنواعه المادية والمعنوية من خلال خلق مناخ آمن لها، لافتة إلي الجانب الاقتصادي، فتقول، إنه يجري العمل الآن علي تطوير سوق "زنين" في منطقة بولاق من حيث الكهرباء والمياه والإضاءة والصرف الصحي وكافة الخدمات المطلوبة لتحقيق بيئة آمنة ومناسبة للعمل، إضافة إلي توفير "باكيات" لعرض المنتجات ليتحول بذلك هذا السوق إلي سوق حضاري، موضحة أنه تم اختيار سوق "زنين" لأنه يعتبر السوق الوحيدة الذي تتعدي فيه نسبة النساء العاملات 90%، لذا تم التوجه إلي تطويره لتمكين المرأة اقتصاديا وحمايتها من أعمال العنف و التحرش أثناء العمل، مؤكدة سعي المحافظة لإحداث هذا التطور في مناطق أخري قائلة: "نبحث عن أماكن أخري عشوائية لتطويرها من أجل توفير الأمان للنساء".


القومي للمرأة: مكافحة العنف ضد المرأة إسترتيجية الدولة 
تقول الدكتوره نجلاء العادلي، مدير عام الاتصالات الخارجية والتعاون الدولي ب المجلس القومي للمرأة ، إن هناك إستراتيجية لمكافحة الظاهرة تعمل عليها الحكومة والجمعيات الأهلية بمشاركة المجلس القومي للمرأة إلا أن الظاهرة بحاجة إلي تضافر جهود كافة مؤسسات الدولة.
تحديات المجلس
تشير "العادلي" إلي ثقافة المجتمع تجاه الظاهرة، فتقول، إنه ينكر وجودها بنسبة كبيرة، إذ أن الزواج المبكر لازال يحدث في القري والنجوع، و التحرش بالفتيات لازال يحدث في شوارع المدينة ليس فقط في الريف، والشاب يدافع عن ذلك بالإشارة إلي ملابس الفتاة، وهذا تطاول علي حريتها، أيضا لازال الرجل يستخدم الضرب كوسيلة لعقاب الزوجة أو الابنة، مؤكدة، أن كافة الجهات الحكومية تعمل حاليا علي نشر مفهوم العنف، منها وزارة الثقافة والداخلية والصحة والسياحة والنيابة العامة كبرامج توعية قائلة: "ظاهرة العنف أصبحت إستراتيجية تعمل عليها الدولة هذا العام" لافتة إلي برنامج "مدن آمنة" قائلة "البرنامج هيقلل من الظاهرة بنسبة كبيرة ولدينا نتائج ملموسة".
خبراء اجتماع.. الفن الحالي آفة ضارة بالمجتمع
تقول الدكتورة سامية الخضر، أستاذ علم الاجتماع في تصريحات خاصة لـ"بوابة الأهرام"، إن الفن هو المسئول الأول عن انتشار ظاهرة العنف ضد المرأة و التحرش بها، مما يعرضه خلال مشاهد عنف وبلطجة واعتداء جسدي ولفظي وجنسي تحت شعار "الفن مرآة المجتمع"، لافتة إلي الفارق بين الفن في الستينات، ودخولنا الألفية الثانية، وخاصة بعد ثورة يناير، قائلة: "الفن الحالي آفة تضر بالمجتمع ويحرض علي المرأة" متابعة "هذا إرهاب من نوع آخر، وعلي الرئيس أن يهتم ببناء الثقافة، إلي جانب اهتمامه ببناء الاقتصاد والإنسان، لأن الثقافة هي الأساس لبقاء كافة الإصلاحات الأخري التي يجريها الرئيس للدولة".

الدراما تهين المرأة

وتطالب أستاذ علم الاجتماع بتفعيل دور الرقابة علي الفن والإعلام وعودة الصوتيات والمرئيات لدورها كما كانت قبل الألفينات قائلة: "الفن قديما كان يزرع القيم والمبادئ والثقافة بين أفراد الأسرة، أما الآن فأصبح سببا في  تفكك العلاقات ومحرضا علي التمرد والانحلال وسبب أساسي في خلق بيئة متدنية لما يعرضه من ابتذال وألفاظ خارجة خادشه للحياء".
خالد يوسف : الفن لا يخلق ظاهرة
في هذا السياق، يقول خالد يوسف ، المخرج السينمائي، في تصريحات خاصة لـ"بوابة الأهرام"، إن الفن لا يخلق ظاهرة، وإنه قد يساعد في الترويج لها أو تراجعها، لكنه لا يمكن أن يخلقها، لافتا إلي المعالجة الدرامية لبعض القضايا، فيقول، إن أغلب الأعمال التي يقدمها الفن حاليا هي قضايا حقيقية من الواقع تقوم الدراما بمعالجتها، إلا أنه في بعض الأوقات تكون هذه المعالجة غير رشيدة بالفعل، ويكون المؤلف غير موفق في عرضه للقضية قائلا: "المعالجة نفسها وطريقة تصوير العنف أو التحرش ممكن تحبب الشخص في السلوك أو تنفره "متابعا"، للأسف هناك عرض خاطئ يحبب الجمهور في السلوك ويعتقد المؤلف أو المخرج أن عقاب البطل في نهاية العمل هو العلاج، وهذا غير صحيح".
الحل.. معالجات درامية رشيدة وتفعيل ضمير المبدع
بعد أن أقر المخرج السينمائي بتقديم الفن لظواهر اجتماعية بطريقة خاطئة تساهم في انتشارها، يقول، إن الحل للحد من هذه الظاهرة يتمثل في معالجات درامية رشيدة لذلك، وإن السيناريست والمخرج يجب أن يكونوا أكثر وعيا وإدراكا لكيفية طرح القضية، وأيضا تفعيل ضمير المبدع ودراسته للمشهد قبل عرضه قائلا: "قانون الرقابة علي المصنفات الفنية يمنع عرض المشهد إذا وجد أنه يعرض قضيه كـ تعاطي المخدرات، مثلا بطريقة تحبب الشباب في ذلك "متابعا" انا رأيي.. يجب أن يكون ضمير المبدع هو الرقيب وعلي المؤلف دراسة المشهد وتقديمه بطريقه منفره لهذا السلوك السيئ".


مشكلات قانونية
تقول انتصار السعيد، رئيس مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون في تصريحات خاصة لـ"بوابة الأهرام"، لدينا مشكلة في العرف حيث العادات والتقاليد أقوي من القانون والمرأة التي تتعرض إلي العنف لا تلجأ إلي القانون إلا بعد وقوقع سلسلة من المآسي، ووصولها إلي الحد الأدني من الأذي قائلة: "المرأة لا تلجأ إلي تقديم الشكاوي والبلاغات إلا في حالة تفاقم الأزمة".
تضيف "السعيد" هناك نصوص متفرقة في قانون العقوبات تجرم العنف الجنسي تحديدا، ولا يوجد باب لتجميع الجرائم، إذ أن العنف تتعدد أشكاله ولا يمكن اقتصاره علي العنف الجنسي فقط قائلة: "محتاجين قانون يجرم العنف ضد النساء".
القانون يبيح ضرب الزوجة
هناك عنف مادي ملموس مثل الضرب تقول عنه "السعيد"، إنه بحكم المادة 60 يبيح القانون للزوج ضرب الزوجة بما لا يخالف الشريعة، ولا توجد نصوص تفيد بتجريم ضرب الزوجة، وإنما النصوص الموجودة تجرم الضرب بشكل عام وهنا يضيع حق المرأة.
قوانين العنف الجسدي
تشير رئيس مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون إلي مشكلة في قضايا العنف الجنسي، إذ أنها تعاني التناقض بين عدد نصوص القوانين، فتقول، إن نصوص جريمة التحرش الجنسي المادة 306 أوالمادة 306 ب يقابها تناقض مع مجموعة النصوص الموجودة من قبل ذلك، وهي هتك العرض والتعرض لأنثي والفعل الفاضح، وبالتالي توجد مشكلة في التطبيق قائلة: "القاضي بيحتار في تصنيف الواقعة "متابعة" هيطبق عليها أي نص ؟".

عوائق عقوبة المتحرش
تضيف "السعيد" في تصريحاتها، أن هناك عوائق تمنع عقوبة المتحرش في أوقات كثيرة، منها عدم وجود شهود عيان علي الواقعة، أو رفض الضحية الإدلاء علي المتحرش بها بسبب تخوفها منه، أو امتناعها عن ذكر تفاصيل الواقعة بسبب الخجل، ما يمثل عائقا في إقامة الدعوي القضائية، إضافة إلي أن المتحرش في حال صدور حكم ضده يكون في الغالب حكم غيابي.
الحل
وتطالب بوجود قانون يجرم العنف ضد النساء، وضرورة تفعيل دور مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني في شن حملات توعية لمناهضة العنف ضد النساء، ووضع قيم المساواة بين الجنسين في المناهج التعليمية لعدم وجود نظرة دونية تجاه المرأة.
البرلمان: مشروع قانون جديد
وعن تشريع قانون يجرم العنف ضد النساء، يقول بهاء أبوشقة، رئيس اللجنة الدستورية والتشريعية في البرلمان، في تصريحات خاصة لـ"بوابة الأهرام"، إن تشريع قانون جديد يأتي في حالتين، إما أن نكون أمام وقائع لا تستطيع النصوص الحالية أن تغطيها، في هذه الحالة يتم تعديل النص الموجود، وإما أن نكون أمام وقائع جديدة أفرزها الواقع، ولا توجد نصوص لمواجهتها، وهنا يتم إيجاد نصوص لها.

ويضيف أن مشروع القانون الجديد، يجب أن يكون مقدمًا من الحكومة، أو رئيس الجمهورية، أو أحد أعضاء البرلمان، بشرط أن يوافق عليه عشر النواب قائلا: "من لديه مشروع لقانون يجرم العنف ضد المرأة فليتقدم به ويسلك الطريق" مؤكدا الترحيب بذلك.
دراسات: المرأة تستغيث
حسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لعام 2017، فإن 9 من كل 10 نساء يتعرضن لعملية الختان، و11% من النساء أجبرن علي الزواج الحالي، أو الزواج الأخير، و 25% من النساء تزوجن قبل بلوغهن،

و46% من النساء السابق لهن الزواج تعرضن لشكل من أشكال العنف من قبل الزواج، و43% منهن تعرضن لعنف نفسي، و32% تعرضن لعنف بدني، و12% تعرضن لعنف جنسي.
طبيب نفسي: نحن في مجتمع ذكوري
يقول الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي في تصريحات لـ"بوابة الأهرام"، إن أي عنف يُقابَل بإحباط، واكتئاب، وتوتر، وفي حالة نفي المريض لتعرضه للعنف يدخل في حالة "اكتئاب مستتر"، وهذه الحالة يؤكد الطبيب ارتفاع نسبتها بين النساء بالنسبة للمترددين عليه في عيادته، مشيرا إلي أعراضها، وهي آلام في الرقبة أو الحوض أو البطن أو أسفل الظهر أو في الركبتين غير محتملة، إضافة إلي الصداع النصفي ويلجأ حينها الي طلب إشاعات مقطعية ورنين، ولا يتوصل لأية نتيجة لوجود هذه الآلام بسبب امتناع المريضة من الحديث عن العنف التي تعرضت له قائلا: "في النهاية وبعد عذاب بتتكلم السيدة وبصرفلها علاج نفسي وبتستجيب فورا وتتحسن"، مشددا علي خطورة الآثار النفسية الناتجة عن تعنيف المرأة، حيث تؤدي إلي جلطة أو نزيف في المخ أو جلطة في القلب، فضلا عن أن آلام الصداع النصفي قد تضغط علي آلام العصب الخامس، مؤكدًا أن المرأة الريفية أكثر تعرضًا للعنف من سكان المدينة قائلا: "نحن في مجتمع ذكوري".


عيادة نفسية تكشف أسباب تعنيف المرأة
بناء علي مرضي استشاري الطب النفسي، وما استقبله من حالات لنساء معنفات، يقول، إن أسباب ممارسة العنف ضد المرأة كالتالي:
تعاطي المخدرات سبب في ضرب الرجل للمرأة، سواء زوجته أو ابنته قائلا: "جاتلي ناس واخده علقة موت"
استخدام الضرب كعقاب فهم خاطئ لقول الله تعالي "اضربوهن" قائلا: "واحده جاتلي جوزها بيضربها هي وأولادها باسم الدين".
استخدام الضرب كثقافة ذكورية، فهناك رجال يستشعرن الرجولة في ضربهم للمرأة، خاصة إذا كانت هذه المرأة تسكن بيت العائلة للزوج، مؤكدًا زيادة العنف الجسدي في الفترة الأخيرة.
توصية
بناء علي حالات شهدها "فرويز"، وتكشفت له أسباب حدوثها، يقول في تصريحاته لبوابة الأهرام، إن البداية لحل الظاهرة عند المرأة، فعليها أن تحسن اختيار الرجل قبل اختيار فستان الزفاف، مشددا علي ضرورة وجود تفاهم بين الطرفين، وتوافق فكري ونفسي وثقافي، قائلا: "هذا لا ينفي وقوع مشاكل ولكنه يقلل حدوثها".
الأزهر: مجتمعنا ذكوري
يقول الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، في تصريحات خاصة لـ"بوابة الأهرام"، إننا نعاني من مجتمع ذكوري، وثقافة ذكورية حادة، ومن الطبيعي أن يشهد هذا المجتمع عنفا ضد المرأة، سواء جسدي أو معنوي.
ويرجع السبب في وجود هذا العنف إلي الفهم المغلوط في القوامة والولاية، إذ أن ولاية الأب علي ابنته أثناء زواجها تجعله يقرر زواجها من الشخص الذي يراه هو مناسبا غير ملتفت لرؤيتها ورغبتها، وهذا عنف بعض الآباء ضد بناتهن، مضيفا إلي ذلك، ضعف العلم بفقه الأسرة قائلا: "هناك تعسف من بعض الآباء ضد بناتهن وأيضا الأخوة مع الأخوات والزوج مع الزوجة والأب مع البنت".
يجب أن تثار القضية إعلاميا
ويري أستاذ الشريعة الإسلامية الحل في مواجهة أحد أخطر المشكلات التي تواجه المرأة في المجتمع، وهي العنف و التحرش ، يتمثل في التوعية الفقهية السليمة بتفعيل الترغيب والترهيب كثقافة تعليمية في المؤسسات التعليمية، وأداء دعوي في المؤسسات الدعوية للمسلمين، والرعوية للمسيحيين، إضافة إلي تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في نشر هذه التوعية متسائلا: "أين دور مؤسسات المجتمع المدني المختصة بالمرأة والطفل؟" متابعا في إشارة إلي الدور الإعلامي قائلا: "مطلوب أيضا توعية إعلامية، ويجب أن تُثار هذه القضية إعلاميا كتوعية بعيدا عن المجاذبات والمشاحنات".  

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]