تحديات إشاعة السلام تواجه الرئيس القادم في كولومبيا

21-5-2018 | 16:33

الانتخابات

 

الألمانية

في طريق ريفي محاط بالنباتات المورقة، يمر بالقرب من تيمبا في جنوب غرب كولومبيا، توقف دورية تابعة للجيش إحدى السيارات.

ثم يسأل جندي يرتدي الزي الكاكي الخاص بالجيش، وهو ينظر إلى التلال التي جاءت منها السيارة: "كيف يبدو الأمر هناك في الأعلى؟ هل رأيت أي أشخاص مشتبه بهم؟".

تتردد هذه الأسئلة وغيرها كثيرًا في الوقت الذي تستعد فيه كولومبيا لإجراء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في 27 مايو الجاري، بينما تجرى الجولة الثانية في 17 يونيو.

وتضم قائمة المرشحين للانتخابات الرئاسية همبرتو دي لاكالي مرشحًا عن الحزب الليبرالي، وهو كبير مفاوضي الحكومة الكولومبية إبان مفاوضات السلام مع حركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية "فارك".

تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الحالي خوان مانويل سانتوس سيغادر الرئاسة في أغسطس القادم بعد ولايتين رئاسيتين.

ومن المفترض أن تكون الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية في حالة من السلام - النسبي - بعد أن تخلى 7 آلاف من عناصر جبهة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، عن أسلحتهم في العام الماضي، إلا أن التواجد المتكرر للجنود على الطرق في الكثير من المناطق، يشير إلى شيء آخر.

وفي محمية "لا بايلا نايا" التي كان جنود تيمبا يقومون بتنظيم الدوريات بالقرب منها، يشعر السكان الذين ينتمون إلى جماعة "ناسا" العرقية، والبالغ عددهم 1400 شخص، بالقلق من الناحية الأمنية، حيث أبلغوا عن وصول ثلاث على الأقل من الجماعات المسلحة، منذ انسحاب قوات فارك.

ويشار إلى أن اتفاق السلام أبرمته الحكومة الكولومبية مع قوات فارك في عام 2016، بعد صراع استمر 52 عامًا - تورطت فيه العديد من الجماعات المتمردة اليسارية والجيش والجماعات شبه العسكرية اليمينية - أسفر عن مقتل 220 ألف شخص على الأقل، ونزوح 7 ملايين شخص.

تجري الحكومة حاليًا محادثات السلام مع آخر جماعة متمردة قائمة بالفعل، "جيش التحرير الوطني"، الذي يضم نحو 1500 مقاتل، والذي ما زال ينشط في الريف.

إلا أن عملية السلام لم تتسبب في تهدئة الأوضاع في محمية "لا بايلا نايا"، وهي منطقة تبلغ مساحتها 6200 هكتار مربع، ويقول السكان إنها محاطة بالجماعات المسلحة.

وتضم الجماعات المسلحة تلك في صفوفها، المنشقين عن قوات فارك، الذين لم ينضموا إلى عملية السلام، والذين يعملون إلى الغرب من المحمية.

وفي الوقت نفسها ينشط المنشقون، المعروفون بـ "لوس بيلوسوس" والذين ينتمون إلى جماعة "جيش التحرير الشعبي" المتمردة والأصغر حجمًا، الذي توقف نشاطه رسميًا منذ نحو ثلاثة عقود، في المناطق الواقعة شرق المحمية، بينما تنشط عصابة "جالف كلان" الإجرامية إلى الشمال منها.

ويعتقد أن جميع هذه الجماعات متورطة في تهريب المخدرات بالمنطقة، حيث تمتلئ سفوح التلال بشجيرات الكوكا ذات اللون الأخضر الفاتح، والتي يصنع منها الكوكايين النباتي.

ومن جانبهما، يقول القائدان المحليان، إميليو كوندا وفابريسيانو جارسيا كوندا، إن مختبرات تصنيع الكوكايين تعمل أعلى المرتفعات، وتتسبب في تلويث مياه الأنهار في محمية ناسا، مما يؤثر سلبًا على نشاط صيد الأسماك بها.

وكان الاثنان يتحدثان بقاعة الاجتماعات في الكابيلدو، الجهاز الإداري في المحمية.

ويقول جارسيا كوندا: "سمعنا أن القتال بين المنشقين عن قوات فارك ولوس بيلوسوس، قد أسفرت عن مقتل 7 أشخاص" في أبريل الماضي.

وأشار إلى اندلاع قتال أيضًا بين قوات الجيش ولوس بيلوسوس في ديسمبر، موضحًا: "نخشى أن نصبح نحن الضحية".

وتفيد تقارير أيضًا بأن عناصر لوس بيلوسوس قتلوا مدنيين في المنطقة، ومن بينهم دباغ رفض إعطاءهم المال.

ويقول جارسيا كوندا: "تتناثر الجثث بالقرب من تيمبا... لا نعرف سبب قتل الناس". وتدعم التقارير الواردة عن وسائل الإعلام المعلومات التي قدمتها ناسا بشأن وجود جماعات مسلحة وقتال في المنطقة.

ويتكرر هذا المشهد في العديد من أنحاء كولومبيا، حيث لم يؤدِ انسحاب قوات فارك إلى تحقيق السلام، بل أدى في بعض الأحيان إلى زيادة الوضع الأمني سوءًا من خلال فتح الطريق أمام الجماعات المسلحة المتعددة، التي تسعى إلى السيطرة على الأراضي، وطرق تهريب الكوكايين، وعلى التجارة.

وفي منطقة كاتاتومبو الواقعة بالقرب من الحدود الفنزويلية، أدى القتال بين عناصر لوس بيلوسوس و"جيش التحرير الوطني"، إلى نزوح نحو 9 آلاف شخص.

وكان العام الماضي قد شهد نزوح أكثر من 50 ألف كولومبي، بسبب القتال والتهديدات من جانب العصابات الإجرامية على نحو كبير، بحسب ما ورد في صحيفة "إل تيمبو" اليومية.

وفي الوقت نفسه، قُتل 106 على الأقل من النشطاء المدافعين عن حقوق الإنسان وقادة المجتمع المحلي، في كولومبيا خلال عام 2017، بزيادة 32.5% عن العام السابق، بحسب ما ذكرته منظمة "سوموس دفنسورز"، المعنية بالإبلاغ عن الانتهاكات ضد النشطاء.

ويعتقد أن الكثير من عمليات القتل تقوم بها جماعات شبه عسكرية متحالفة مع مهربي المخدرات أو أصحاب الأراضي الذين يقاومون محاولات السكان الأصليين والفلاحين النازحين، لاستعادة أراضيهم.

ويعتقد أن هذه الجماعات تربطها صلات بسياسيين، كان قد تم الحكم على العشرات منهم في وقت سابق، بسبب هذه الصلات.

وفي منطقة كاوكا التي تقع بها "لا بايلا نايا"، أفادت تقارير بمقتل العديد من النشطاء، في ظل تهديدات من جانب جماعة "بلاك إيجلز" شبه العسكرية.

كما تعود بعض حالات القتل في كولومبيا إلى المنشقين في قوات فارك، أو إلى المنشقين من جيش التحرير الشعبي أو جيش التحرير الوطني، وتعهدت الحكومة بحماية قادة المجتمع، وقامت بتوفير أفراد حرس شخصي لبعضهم.

من ناحية أخرى، فإن الجيش الذي لم يعد بحاجة إلى استخدام موارده لمحاربة قوات فارك، تقع على عاتقه حاليًا مهمة التركيز في الوقت نفسه على سحق الجماعات المسلحة الأصغر حجمًا.

ومن جانبه، تعهد الرئيس خوان مانويل سانتوس بملاحقة الجماعات المسلحة، حيث قال: "سنقوم بملاحقتهم بكل قوتنا".

إلا أنه أيًا كان من سيفوز في الانتخابات الرئاسية المقررة في 27 من مايو، فإنه سيواجه مهمة شاقة في نشر الهدوء في البلاد، وتحقيق السلام لجماعات، مثل ناسا.

وقد نشرت الجماعات شبه العسكرية - التي تقتل أشخاصا يشتبه في أنهم مسلحون- الرعب بالفعل، بالقرب من لا بايلا نايا في عام 2000، وهو ما اضطر سكانها إلى مغادرة أراضيهم لمدة شهر.

من ناحية أخرى، تقول لوز ماريا جويهيا "45 عامًا": "نريد أن نكون محايدين لتجنب المشاكل... ولكننا نخشى من النزوح مرة أخرى."

اقرأ ايضا: