"بوابة الأهرام" تكشف أسرارا منسية لـ"أمل دنقل" في مسقط رأسه بقنا | صور

21-5-2018 | 18:01

أمل دنقل

 

قنا - محمود الدسوقي

"لاشئ يثبت أني حي، ولا شئ يثبت أني ميت، الجنوبي يحفظ شعر الصعاليك عن ظهر قلب، ويشبههم في سليقتهم وابتكار المدى" هكذا رثي الشاعر الفلسطيني محمود درويش ، الشاعر الراحل أمل دنقل ، أمير شعراء الرفض، الذي تحل ذكراه اليوم، الموافق 21 مايو من كل عام.

الشاعر أمل دنقل ، تبقي له  الكثير في موطنه رأسه ب قرية القلعة التابعة لمركز قفط جنوبي قنا، منها تلك ال جبانة التي تضم رفاته، وكذلك البيت الطيني العتيق، الذي عاش فيه وتردد فيه صوت أنفاسه، وأيضا قصاصات الأوراق التي خطها بقلمه، وهو ينقل أشعار رفاقه، التي أعجب بها فوضعها في كراريس صارت صفراء، بالإضافة لعدد من الصور التذكارية بالأبيض والأسود، وهو يرتدي العمامة والجلباب، وصورته مع صديقه عبدالرحمن الأبنودي بالبدلة القديمة في إحدي ستديوهات قنا العتيقة.

ذكر أمل دنقل ، ال جبانة والموت كثيراً، بالإضافة إلى أيام طفولته في القرية: "هل أنا كنت طفلاً أم أن الذي كان طفلاً سواي"، فالأب الذي رحل وكان طفلاً صغيراً في العاشرة من عمره، كان أول الأحباب الراحلين لهذا المكان الذي اختار أمل دنقل أن يكون مثواه الأخير..

..حيث كشف أنس دنقل، الشقيق الأصغر ل أمل دنقل ، في حديثه لـ"بوابة الأهرام"، أن عبدالرحمن الأبنودي قام بتنفيذ وصية شقيقه، وهو أن يدفن في مكان بالقرب من قبر والده، وكان يتخذه الأهالي مصلى، لتأدية فروض الصلاة.

وأضاف "أنس دنقل"، أن الأبنودي هو الذي أشرف على تنفيذ الوصية، حتى استقرار جسد صديقه أمل دنقل بمثواه الأخير، مؤكداً أن الأبنودي استمر لمدة سنة متواصلة يقوم بالتردد على المستشفي الذي يقبع فيه صديق الصبا أمل دنقل ، حتى تم وصفه بأنه "صاحب واجب"، لم ينس رفيقه حيًا أو ميتًا، ولم ينس أن المحبة قدر ووراثة، فوالده الشيخ محمود الأبنودي صديق والد أمل، كان لا ينسى صديقه أيضًا.

بعد رحيل والد أمل دنقل ، رفضت الأم أن تبيع ميراث زوجها الذي كان يبلغ 15 فداناً، رغم إيجارات الإصلاح الزراعي، الذي كان لا يطعم ولايغني من جوع، كانت تفتح منزلها الطيني المكون من دورين، وهو المنزل الذي أعطاه الجد كثير الزواج، والذي أنجب أكثر من 10 أبناء، لولده الأزهري المستنير الذي كان يكتب قصائد في مناصرة الفلاح المصري وقضاياه، وهو المنزل الذي مازال متواجداً حتى الآن وإن كان مغلقاً.

السيرة الذاتية ل أمل دنقل تؤكد، أن والدته نجفة أبوالحسن صويني، والتي استقرت بالقرب من قبر ولدها وزوجها، تنتمي لأسرة من قرية العويضات القريبة من القلعة، وهي أسرة كانت ديمقراطية لأبعد الحدود، فالأخوال الذين كان منهم اليساري الذي تم اعتقاله أيام الملكية، ومنهم الديني المتشدد الذي تم اعتقاله أيام جمال عبدالناصر، ومنهم الليبرالي عضو مجلس الشيوخ، وهي أسرة تعرف معني الاختلاف، خلاف أسرة الأب التي تنتمي تاريخياً للصحابي الجليل "عمر بن الخطاب"، والتي كان من عادتها أنها تناصر الحكومة ظالمة أو مظلومة، حيث إن طبيعة تربية والدته في أسرتها، جعلتها تتقبل تمرد أمل دنقل الحاد والمعلن.

والقبر الذي تحدث عنه أمل دنقل في قصيدته الجنوبي "مات أبي نازفاً أتذكر.. هذا الطريق إلى قبره أتذكر"، كان العلامة المميزة لأم شاعر، لم تتلق تهنئة بأعياد الأم لا في حياتها المديدة كعادة الصعايدة القدامي، ولا بعد موتها، وهي التي اختزلتها الصورة فقط كأم شاعر كانت تقبع أمام قبر وليدها، وتقرأ له القرآن في صورة منتشرة بين أحباء دنقل.

كانت الأم، التي تعد الفطور لابنها أمل وصديق عمره عبدالرحمن الأبنودي، ولم تقف أمام الشعر فهي كانت تناصر الشعر للأبد، وربما المناصرة للشعر هي التي هيأت لوليدها أن يكون من أهم شعراء مصر والعالم العربي في العصر الحديث، لقد كانت الأم "نجفة" هي الوحيدة، التي تعرف عمق تدين وليدها أمل دنقل ، وكانت تسخر ممن يتهمونه أنه غير متدين، فهي الأم التي كانت تعد له لباسه الأبيض، قبل أن يتهيأ لخطبة الجمعة في مسجد القرية.

و أمل دنقل ، هو الابن الذي كان يعلن كرهه للتدين المزيف في كل جلساته في قرية القلعة ، مثل والده الأزهري المستنير، أما الأم "نجفة" فهي التي تفرغت للصلاة سنوات طويلة قبل أن ترتاح بجوار قبره، الذي كان يرتاده المحبون والرفاق والأصدقاء، قبل أن تقوم باستضافتهم حين يصممون علي مقابلتها، كالشاعر "عبدالرحمن الأبنودي"، وكانت هي الأم التي تعلم بقصة حب وليدها الأول، لفتاة من المنصورة عاشت في قنا، وكان من أجلها يحفظ عن ظهر قلب أغاني عبدالحليم حافظ، ويقوم بترديدها.

الشقيق الأصغر "أنس"، كما أكد في حديثه لــ"بوابة الأهرام"، كان سبباً مباشراً في قيام والد الشاعر عبدالرحمن الأبنودي بإعطائه علقة ساخنة بعد قيامه بفضح سره هو و أمل دنقل ، وأنهما يدخنان السجائر في سينما فريال بقنا، التي تم هدمها منذ سنوات، وإقامة محلات تجارية بدلا منها.

يوضح أنس، أن والدتي لم تعاقب أمل، رغم تأكيدي لها أنه يدخن السجائر مع صديقه الأبنودي، فقط قالت له وهي غاضبة: "ماتعملش حاجه في السر، لوكنت مقتنع بحاجه اعملها في العلن وأمام الناس"، وهو المبدأ الذي آمن به أمل دنقل طوال حياته وحتي آخر لحظة في حياته.

في الغرفة 8 التي تحولت لعلامة بارزة في مسارات الشعر العربي الحديث، كان علي الأم أن تواجه وليدها المريض وجهاً لوجه، لم تدخل عليه منهارة وهي تنوح، كانت تحدثه وتهمس له دون بكاء، لتعود بعدها للصعيد، ثم تنتظر جثمانه ليقبع في قبره، والذي كانت تذهب إليه لتلتقط كاميرا المخرجة عطيات الأبنودي صورتها علي حين غفلة منها، وهي الصورة التي تبدو محفورة في التاريخ، حتي حين تبدلت الصورة من أم تحدث الوليد وترحل، إلي أم تستقر بجوار وليدها للأبد، دون عودة لمنزل، كانت تستضيف فيه رفقاء شعره وحياته.

في ديوان العائلة المبني عام 1908م، كان الشاعر يجلس دائمًا في ديوان العائلة، حين يقوم بزيارة البلدة، حيث الديوان العتيق يحوي صورة أمل دنقل أيضًا، كما يحوي شجرة الكافور التي تمت زراعتها قديمًا، وبقيت على حالتها في الديوان..

..يقول "محمد عبدالغني"، الذي يجلس في الجهة اليمني في لقطة من الصور النادرة، التي تنشرها "بوابة الأهرام" ،"هذه الصورة تم التقاطها في ستوديو الشاذلي في وسط مدينة قنا في سبعينيات القرن الماضي"، لافتًا إلى أن عمره آنذاك كان 27 سنة، حيث كان الشاعر أمل دنقل يسير "بجلبابه الصعيدي متأبطًا عصا المرحوم والده"، ويشرح عبدالغني قصة الصورة، قائلًا: " أمل دنقل كان في زيارة لبلدته ومسقط رأسه، وكان يصر على زيارة أقاربه في منازلهم"، لافتًا إلى أن " أمل دنقل الشاعر كان لا يتحدث معنا في الشعر، حيث كان يصر على اصطحابنا معه في زيارة الأقارب".

ويقول ناصر عبدالغني دنقل، مدير عام بضرائب مبيعات قنا، عن عمه أمل دنقل ، إنه قابله مرات عدة عندما نزل القرية عام 1979، "وكم كان يحب أهله وعائلته وبلدته الصغيرة القلعة، ويجالس كل الناس، الصغير قبل الكبير، والفقير قبل الغني، والأمي قبل المتعلم، وكان يحترم كل الناس وجميع الطبقات، وكان عمري وقتها 14 سنة، ولمست فيه كل معاني الإنسان، وكيف كان يعاملني معاملة الأب لابنه، حيث كان يعاملني بكل حب، حب الكبير للصغير، وكان يستمع لي جيدًا عندما أتحدث لكي ينصحني".

ويضيف ناصر: "أما المرة الثانية، عندما زرته في معهد الأورام عام 1982، وكنت أعمل وقتها في إجازة الصيف، وبالتحديد في شهر أغسطس أثناء إنشاء مصنع أسمنت القطامية، وكان عمري وقتها 17 سنة، وجلست معه ولم أحس أنه مريض، وعندما علم أنني أعمل، شجعني ووضع يده على رأسي وقال لي: "العمل مش عيب، العيب أنك تنتظر أن يعطيك أحدهم فلوس".. قال ذلك، لأنه يعلم أنني حرمت من والدي حين كان عمري عامين، وهذه التجربة مر بها في حياته عندما فقد والده في سن العاشرة، ولهذا كان يؤازرني، وأثناء زيارتي له، كانت برفقته والدته رحمة الله عليها، وزوجته عبلة الرويني، والكاتبة عطيات الأبنودي.


من ألبوم ذكري ات أمل دنقل


نموذج من أشعار أمل دنقل بخط يده



منزل أمل دنقل في مسقط رأسه بقنا


نموذج من أشعار أمل دنقل بخط يده


منزل أمل دنقل في مسقط رأسه بقنا


منزل أمل دنقل في مسقط رأسه بقنا


منزل أمل دنقل في مسقط رأسه بقنا


من ألبوم ذكري ات أمل دنقل


نموذج من أشعار أمل دنقل بخط يده


منزل أمل دنقل في مسقط رأسه بقنا

اقرأ ايضا:

[x]