التوظيف السياسي الصهيوني للآداب والفنون..!

22-5-2018 | 02:06

 

أنهيت مقالي الماضي بالسؤال: كيف استغل الصهاينة الآداب والفنون استغلالا سياسيا وعسكريا؟.. وكيف سرقوا القدس معرفيا وثقافيا قبل أن يسرقوها سياسيًا ويحتلوها عسكريًا.. رغم كل القرارات والمؤتمرات والدراسات والبحوث والنداءات والشجب والاستنكار والإدانة.. إلى آخر مفردات هذه العائلة العربية البغيضة والممسوخة..!. التي لم يكن لها أي وجود أو أثر أو أي شيء يساوي حتى جناح بعوضة...!.


سخَّـر الكيان الصهيوني كل الأدوات المعرفية.. ورسخ (فكرة القدس يهودية) في وجدان العالم، برغم الحقيقة التاريخية والحقيقة الفنية، بممارسة الغواية الصهيونية ولعبة المال الثقافي، هناك أكثر من 40 مليارديرًا يهوديًّا حول العالم يتبرعون لتهويد القدس.. ومئات المراكز البحثية التي تعمل ليل نهار لإنارة محيط فكرة (يهودية الدولة).

ما بال القوم لدينا ينظرون شذراً إلى الإبداع خاصة الأدب والفن، ولا يخجلون إذا علموا أن غيرنا في هذا العالم- وعلى رأسهم الصهيونية العالمية - يوظفون الآداب والفنون، بمهارة ودهاء، توظيفاً سياسياً وعسكرياً واجتماعياً لخدمة إستراتيجياتهم على المدى البعيد قبل القصير؟ لذلك يحكمون العالم ويتحكمون فيه بطرف خفي وبأصابع ظاهرة وباطنة، كأن العالم بما فيه ومن فيه قطع شطرنج.

جاء في البروتوكول الثاني عشر من «بروتوكولات حكماء صهيون» ما يلي: «الأدب والصحافة هما أعظم قوتين تعليميتين خطيرتين، وصناعتهما هما أشد عوامل التهذيب، ولهذا السبب ستشتري حكومتنا العدد الأكبر من الدوريات، وبهذه الوسيلة سنعطل التأثير السيء لكل صحيفة مستقلة، ونظفر بسلطان كبير جداً على العقل الإنساني، وإذا كنا نرخص بنشر عشر صحف مستقلة فسنشرع حتى يكون لنا ثلاثون، وهكذا، ويجب ألا يرتاب الشعب أقل ريبة في هذه الإجراءات، ولذلك فإن الصحف الدورية التي ننشرها ستظهر كأنها معارضة لنظراتنا وآرائنا، فتوحي بذلك الثقة إلى القراء، وتعرض منظراً جذاباً لأعدائنا الذين لا يرتابون فينا، وسيقعون لذلك في شركنا، وسيكونون مجردين من القوة.

وتتحدث عن التوظيف الأدبي في السياق الصحفي «يجب علينا أن ننظم صحافتنا بعناية كبيرة، وباسم الهيئة المركزية للصحافة Central Commission Of the Press سننظم اجتماعات أدبية، وسيعطي فيها وكلاؤنا ـ دون أن يفطن إليهم ـ شارة للضمان countersigns وكلمات السر Passwords، وبمناقشة سياستنا ومناقضتها، ومن ناحية سطحية دائمة بالضرورة، ودون مساس في الواقع بأجزائها المهمة ـ سيستمر أعضاؤنا في مجادلات زائفة شكلية feigned مع الجرائد الرسمية، كي تعطينا حجة لتحديد خططنا بدقة أكثر مما نستطيع في إذاعتنا البرلمانية، وهذا بالضرورة لا يكون إلا لمصلحتنا فحسب.

وهذه المعارضة من جانب الصحافة ستخدم أيضاً غرضنا، إذ تجعل الناس يعتقدون أن حرية الكلام لاتزال قائمة، كما أنها ستعطي وكلاءنا Agents فرصة تظهر إن معارضينا يأتون باتهامات زائفة ضدنا، على حين أنهم عاجزون عن أن يجدوا أساسًا حقيقياً يستندون إليه لنقض سياستنا وهدمها، هذه الإجراءات التي ستختفي ملاحظتها على انتباه الجمهور ـ ستكون أنجح الوسائل في قيادة عقل الجمهور، وفي الإيحاء إليه بالثقة والاطمئنان، وبفضل هذه الإجراءات سنكون قادرين على إثارة عقل الشعب وتهدئته في المسائل السياسية، حينما يكون ضرورياً لنا أن نفعل ذلك، وسنكون قادرين على إقناعهم أو بلبلتهم بطبع أخبار صحيحة أو زائفة، حقائق أو ما يناقضها، والدخول إلى عالم الأدب يكون مشروطًا في منظورهم، كل أعضاء الصحافة مرتبطون بأسرار مهنية متبادلة على أسلوب النبوءات القديمة Ancient oreles، ولا أحد من الأعضاء سيفشي معرفته بالسر، على حين أن مثل هذا السر غير مأمور بتعميمه.

ولن تكون لناشر بمفرده الشجاعة على إفشاء السر الذي عهد به إليه، والسبب هو أنه لا أحد منهم يؤذن له بالدخول في عالم الأدب، ما لم يكن يحمل سمات Marks بعض الأعمال المخزية Shady في حياته الماضية، وليس عليه أن يظهر إلا أدنى علامات العصيان حتى تكشف فوراً سماته المخزية، وبينما تظل هذه السمات معروفة لعدد قليل تقوم كرامة الصحفي بجذب الرأي العام إليه في جميع البلاد، وسينقاد له الناس، ويعجبون به.

حاول أن تحدق قليلا لترى مطابقة التصورات للتصديقات في الهيمنة والسيطرة على عالم اليوم بسلاح "الأدب" وسلاح "الإعلام"، هل تريدون مثلاً عملياً وعلمياً؟! ممكن.. وليكن من "أحفاد صهيون" الذين لا يلعبون ولا يعبثون ولا يمزحون بأسلحة القوة الناعمة، وإنما يتعاملون معها بكل جدية وعلمية، وبكل أدواتهم المحملة بالخبث والمكر والدهاء، وصولا إلى التمكين، وقد تمكنوا.

أستذكر لحظات زمنية عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد، أن هرول النقاد والمترجمون الصهاينة لترجمة أعمال توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس وغيرهم من الكتّاب المصريين.. وكتبت أحاديث وتحقيقات في (الأخبار) عام 1979 عن تهافت الصهيونيين على ترجمة روائع كتّابنا ومبدعينا، وكان الناقد الصهيوني (ساسون سوميخ) - يعمل في جامعة تل أبيب - هو (المجنّد) من قبل الآلة الصهيونية العسكرية والسياسية والإعلامية لقيادة هذه العملية الثقافية.

وكان يجيئ إلى القاهرة ليتسكع في طرقات الدور السادس من (الأهرام)، حيث مكاتب كبار المفكرين، وكان يصر على المجيء يوم الخميس بالذات لعله يظفر بلقاء أحد أدبائنا الكبار وهم يلتقون أسبوعياً فى ذلك اليوم في مكتب توفيق الحكيم، فكانوا يتركونه وحيداً، منبوذاً، وأكثرهم كان "يوسف إدريس"، الذي كان يرفض بشدة أن يسمح له بالدخول والحوار! وأثارت هذ التحقيقات الثقافية موجة من الغضب والسخط في الأوساط الصهيونية آنذاك، وسجل الدكتور إبراهيم البحراوي هذه الأصداء عندما كان يعد صفحة "كيف تفكر إسرائيل" بجريدة (الأخبار)!.

وأضرب مثلاً بتجربة قام بها ذلك الناقد في الستينيات قبل نكسة 1967 من خلال جامعة تل أبيب، إذ استخلص هو وفريقه معطيات الهزيمة من عدة روايات، فمن خلال تحليل رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ اكتشفوا أن الشباب الجالس طوال اليوم على المقاهي هو شباب عاطل لا يقدر ولا يقبل على الحرب، ومن قصة «اللعبة» ليوسف إدريس ومن خلال أدوات الاستدراك اللغوية (لكن .. إنما .. غير أن..)، أشاروا إلى الخلخلة في بنية المجتمع المصري، ومن خلال روايتي «الأرض» و«الفلاح» لعبدالرحمن الشرقاوي استنتجوا أن بنية الفلاح المصري ضعيفة فهو لا يشرب ولا يأكل من الأنعام التي يربيها في منزله، ومن ثم لا يمكنه أن يجند عسكريا، واستقطروا من شعر الزهد والتصوف عند صلاح عبدالصبور وغيره رؤية الهروب من الواقع خوفا واستسلاما وعدم مواجهة.

إنه التهافت في الظاهر، لكنهم رفعوا هذه الإشارات إلى القيادة السياسية التي بدورها ترفعها إلى الآلة العسكرية!.

متى نفيق؟ ونكف عن لعبة الاستهزاء بالآداب والفنون ونتخذها هزواً؟، حتى اقتحمونا فى عقر دارنا؟!، أفيقوا أيها الملأ.. يا من تعيشون خارج العصر، وتغتالون التاريخ، لتظلوا ماكثين عالة على القدامى وفي حالة من الخشونة والتدني في التعامل مع القوة الناعمة.

الحرب القائمة.. هي حرب ثقافية، والمعركة القادمة هي معركة الأدب والفن وليس الدين، فالدين ثابت مكين وله رب عظيم يحفظه ويحميه.. الحرب الثقافية أشد ضراوة، وأخطر تأثيراً، ونتائجها مرعبة.

وستظل مقولة الأميرة العربية عائشة الحرة لابنها محمد الصغير، آخر ملوك الأندلس بعد السقوط المدمر: «نعم، ابكِ كالنساءِ ملكاً لم تدافع عنه كالرجال»..!!

ولا عزاء للقدس.

مقالات اخري للكاتب

سلام على أبطال أكتوبر ٧٣

ليس فقط لأن الندوة كانت عن نصر أكتوبر العظيم.. وليس فقط لأن الحالة المجتمعية صار ت أكثر احتياجًا لاستلهام الروح الأكتوبرية..

اللعبة الخفية على رقعة الشطرنج

تتجلى حكمة إنسانية بواحدة من القيم التي يجب أن تلفح وجه كل من يفكر في دمار شعب، أو إزهاق الأرواح بالحروب التي يتفننون فيها تكنولوجيًا وإلكترونيًا، ويروعون بها خلق الله الأبرياء، وحتى غير الأبرياء.

الجوهرة السمراء تصفع القبعة البيضاء

أستعيد هذه الورقة السمراء المعبأة بالحكمة والتحدي والثقافة والتجربة والكبرياء من حياة الزعيم الإفريقي الراحل (نيلسون مانديلا)، في مواجهة الرجل الأبيض، الذي لا يزال يمارس الغطرسة بصورة أو بأخرى، والذي يستند إلى تراثه البغيض في امتصاص دماء الشعوب في خدعة ما يسمى وهما بــ (العالم الثالث..).

رغم الجدل بالتي هي أحسن

أراد كاتب مغمور أن يشتهر، مع أنه لا يملك مقومًا واحدًا من مقومات النجاح، فكتب مقالاً عنيفًا - حتى حد السب والشتم - في سعد زغلول باشا، في عز عنفوانه السياسي كزعيم للأمة في مطالع القرن الماضي..

خطورة النجوم اللامعة…!

خطورة النجوم اللامعة…!

في نور هذا المشهد الكوني

في نور هذا المشهد الكوني

مادة إعلانية