ثقافة وفنون

35 عاما على رحيل الجنوبي.. أمل دنقل الذي بكى بين يدي "زرقاء اليمامة" | صور

21-5-2018 | 09:59

أمل دنقل

محمد فايز جاد

" – هل تريد قليلًا من الصبر؟


- لا، فالجنوبي يا سيدي، يشتهي أن يكون ما لم يكنه، يشتهي أن يلاقي اثنتين: الحقيقة والأوجه الغائبة".

35 عامًا مرت على رحيل الجنوبي، الشاعر الراحل أمل دنقل (1940 – 1983)، الذي لم يمتلك ذلك القدر من الصبر، وما إن طرق المرض بابه حتى فر خلفه، خلف الحقيقة التي اشتهاها، شأنه شأن رفيقه الجنوبي الآخر يحيى الطاهر عبد الله، الذي استجاب لغواية الموت سريعًا جدًا.

عام 1940 ولد أمل دنقل في قرية القلعة بمركز قفط بقنا، لأب أزهري حصل على شهادة العالمية عام ولادته. وانتقل دنقل بعد المرحلة الثانوية إلى القاهرة ليدرس الآداب، غير أنه كان يترك الدراسة ليعمل، وشغل عدة وظائف على فترات متفرقة، قضى بعضها في الإسكندرية.

عودة للتراث العربي
عندما بدأ دنقل كتابة الشعر، بحث لنفسه عن طريق صنع له صوتًا خاصًا ما زال يميزه حتى الآن، استطاع به أن يحتل مكانة خاصة بين الشعراء، وفي قلوب متابعيه.

كون دنقل مع كل من الراحلين عبد الرحمن الأبنودي ويحيى الطاهر عبد الله،  ثالوثًا جنوبيًا صعيديًا، جاؤوا حاملين ثقافة الجنوب بكل خصوصياته. غير أن دنقل لم يقدم نفسه كشاعر صعيدي ينهل من بيئته، كما يظهر في أعمال صديقيه، وبخاصة في أعمال الأبنودي، بل ظهر كما يصفه الناقد د.جابر عصفور بـ"وعي مديني".

ويرى عصفور، الذي أصدر مؤخرًا كتابه "قصيدة الرفض.. قراءة في شعر أمل دنقل"، أن أمل دنقل "أتى من قنا، ولكني أراه شاعرًا مدنيًا بكل معنى الكلمة، لأنه يعي مفهموم الوطن والتعددية العرقية والثقافية في المدينة، كما أنه كان على وعي كامل بالقومية، والإسكندرية ساهمت في جعل دنقل شاعرًا مدينيًا، فالإسكندرية قديمًا كانت فيها جنسيات متعددة وكتاب أجانب من اليونان وإيطاليا، كلها أسباب شكلت وعي أمل دنقل وجعلت منه شاعرًا مدينيًا يغلب عليه الطابع المدني مع استمرار وجود بعض الرواسب المتأصلة بداخله نتيجة نشأته الريفية".
من ناحية أخرى، كانت الميثولوجيا الإغريقية مصدرًا ينهل الشعراء منه في ذلك الوقت، بأساطيره المليئة بالبطولة والصراعات والاقتتالات العاطفية، غير أن دنقل، كما لم يقدم نفسه في صورة ابن الصعيد، لم يقدم نفسه كذلك عبر بوابة الميثولوجيا الإغريقية فعاد إلى التراث العربي، مستمدًا منه أسطورته العربية شديدة الخصوصية، التي بدت له تربة خصبة لم يسبقه إليها كثيرون، ولم يكرس لها نفسه أحد قبله.

ومن رحم التراث أنتج أمل دنقل عددًا من أعماله ذائعة الشهرة: "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، "أقوال جديدة عن حرب البسوس"، وغيرها، مستمدًا من الأساطير العربية الجاهلية، ومن التاريخ الإسلامي، قالبًا يصب فيه رؤيته التي يراها كثيرون رؤية عروبية، قومية، مرت بكل تلك الصدامات والصراعات التي عرفها الوطني العربي منذ ثورة يوليو وحتى نكسة يونيو 1967.

"أيتها العرافة المقدسة
ماذا تفيد الكلمات البائسة؟
قلت لهم ما قلت عن قوافل الغبار
فاتهموا عينيك، يا زرقاء، بالبوار
قلت لهم ما قلت عن مسيرة الأشجار
فاستضحكوا من وهمك الثرثار
وحين فوجئوا بحد السيف: قايضوا بنا
والتمسوا النجاة والفرار"
شاعر الرفض
انغمس أمل دنقل فيما يدور حوله من تقلبات سياسية، حيث صار معارضًا بارزًا للرئيس الراحل أنور السادات، بخاصة بعد معاهدة السلام مع إسرائيل، وشهد دنقل المصادمات بين قوات الأمن والمعترضين على سياسات السادات، وهو ما تمخض عن مواجهات عنيفة، وحملات من الاعتقال، كان لكل ذلك أثره على قصائد دنقل، مثل: "لا تصالح"، "أغنية الكعكة الحجرية"، "كلمات سبارتاكوس الأخيرة"، وهي إحدى القصائد التي خرج فيها عن الخط الذي اختاره لنفسه وهو العمل على التراث العربي.

"وإن رأيتم في الطريق هانيبال 
فأخبروه أنّني انتظرته مديّ على أبواب روما المجهدة
و انتظرت شيوخ روما – تحت قوس النصر – قاهر الأبطال
و نسوة الرومان بين الزينة المعربدة
ظللن ينتظرن مقدّم الجنود..
ذوي الرؤوس الأطلسيّة المجعّدة
لكن هانيبال ما جاءت جنوده المجنّدة
فأخبروه أنّني انتظرته.. انتظرته..
لكنّه لم يأت!
وأنّني انتظرته.. حتّى انتهيت في حبال الموت
وفي المدى: قرطاجة بالنار تحترق
قرطاجة كانت ضمير الشمس: قد تعلّمت
معنى الركوع"

آخر الشعراء الجاهليين
هذه القصائد الحماسية، والانشغال بالقضايا السياسية والقومية، والاتكاء على التراث العربي القديم، ولغة الفروسية، كل ذلك جعل من أعمال أمل دنقل هدفًا لهجوم عدد من الشعراء والنقاد، الذين رأوا في قصائد أمل دنقل قصائد رجعية لا تعبر عن موجة الحداثة التي حاول شعراء جيله أن يكونوا مبشرين بها، حتى إن البعض وصفه بأنه "آخر الشعراء الجاهليين".

لكن يبقى في النهاية ذلك الحكم متعجلًا، فدنقل قد رحل وعمره 43 عامًا فقط، مما يعني أن خطوات ومراحل عديدة كانت تنتظره، فضلًا عن أن الحكم على أشعاره بالرجعية أو بالاتكاء على الحماسية فقط هو أمر تفنده عشرات الأعمال النقدية التي تناولت تجربة دنقل.

في الثلاث سنوات الأخيرة من حياته أصيب الجنوبي بالسرطان، الأمر الذي جعله طريح الفراش طوال الفترة الأخيرة من حياته، وهو الأمر الذي خلفه في حالة صحية ونفسية سيئة للغاية، وهو ما انتهى بوفاته، ولكن قبل وفاته، ترك دنقل ديوانه الأخير "أوراق الغرفة 80"، الذي ترك فيه أشعارًا ذاتية تتخلص من كل أعباء القصيدة التقليدية، وتطرح عن نفسها أثقال اللغة الخطابية والحماسية.

"وجه

كان يسكن قلبي
وأسكن غرفته
نتقاسم نصف السرير،
ونصف الرغيف، ونصف اللفافة،
والكتب المستعارة،
هجرته حبيبته في الصباح، فمزق شريانه في المساء
ولكنه بعد يومين..
مزق صورتها،
واندهش"!


ديوان البكاء بين يدي زرقاء اليمامة


أمل دنقل في مرضه الأخير


أمل دنقل وعبلة الرويني زوجته


الأعمال الكاملة لأمل دنقل

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة