بعد نتائج الانتخابات.. العراق يدخل دوامة التحالفات وسط تحفز أمريكي للنوايا الإيرانية

20-5-2018 | 22:07

مقتدي الصدر مع حيدر العبادي

 

محمود سعد دياب

فتحت نتيجة العراق ية.aspx'> الانتخابات العراق ية الأخيرة، التي أعلنت عنها أمس، مفوضية الانتخابات، الباب على مصراعيه أمام تكهنات عديدة حول مستقبل العراق ، خصوصًا وأن تصدر التيار الصدري المشهد السياسي، يبرز احتمالية  وقوع صدام قريب بين قوى إقليمية مؤثرة في الملف العراق ي، حيث يستند مؤيدوا هذا التوجه إلى الانتفاضتين اللتين قادهما الزعيم الديني مقتدى الصدر ضد الوجود الأمريكي بالبلاد عقب الغزو، كما كان يمثل رقمًا صعبًا أمام النفوذ الإيراني في بلاد الرافدين.

كانت مفوضية الانتخابات قد أعلنت تصدر ائتلاف " سائرون " الذي يضم مرشحي التيار الصدري والحزب الشيوعي وعددًا من المستقلين، بإجمالي عدد مقاعد يصل إلى 54 مقعدًا، يليه ائتلاف الفتح بقيادة هادي العامري بـ 47 مقعدًا، ثم ائتلاف النصر بقيادة رئيس الوزراء الحالي، حيدر العبادي ، بـ 42 مقعدا، وائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي ، نائب رئيس الجمهورية بـ 26 مقعدا، والحزب الديمقراطي الكردستاني 29 مقعدا، وائتلاف الوطنية بزعامة نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي بـ 21 مقعدا، وتيار الحكمة الوطني بقيادة عمار الحكيم بـ 20 مقعدا.

دور المرجعية
انقلاب الموقف رأسًا على عقب، وتراجع من كانوا يسيطرون على مقاليد الحكم بموجب نتائج الانتخابات، يعود في المقام الأول لموقف المرجعية الدينية في العراق ، الذي أعلنه وكيل المرجع الشيعي الأعلي آية الله علي السيستاني ، قبل أسبوع من الانتخابات البرلمانية المقرر عقدها 12 مايو الجاري؛ لكي يكون صادمًا لبعض التحالفات الشيعية التي كانت تأمل في مساندة المرجعية لهم لنيل ثقة العراق يين، والحصول على الأغلبية بالبرلمان، ومن ثم الانفراد بتشكيل الحكومة واختيار الرئيس.

حيث طالب ممثل السيستاني العراق يين خلال خطبته الجمعة السابقة للانتخابات من منبر كربلاء، بعدم اختيار من كانوا في السلطة بسبب الإخفاقات التي رافقت تجربتهم، ومساهمتهم في نشر الفساد وإهدار المال العام بصورة غير مسبوقة، وتمييز أنفسهم برواتب ومخصصات كبيرة، وفشلهم في أداء واجباتهم في خدمة الشعب وتوفير الحياة الكريمة لأبنائه، مع عدم السماح لأي شخص أو جهة باستغلال عنوان المرجعية الدينية أو أي عنوان آخر يحظى بمكانة خاصة في نفوس العراق يين للحصول على مكاسب انتخابية.

ماسبق ذكره؛ فسره مراقبون أنه وضع كل من يتحدثوا بإسم المرجعية في موقف حرج، فضلا عن اتهام قياداتهم بالفساد كما وضع حدًا لاستخدام اسم الحشد الشعبي في الدعاية الانتخابية، خصوصًا وأن هادي العامري قائد تحالف الفتح كان يعول على انتصارات الحشد الشعبي على داعش كثيرا، نظرًا لأن الجناح العسكري لمنظمة بدر كان أحد المشاركين في تلك الحرب.

سر اكتساب الصدر أصوات العراق يين
 معروف أن القيادي السياسي والزعيم الشيعي الشعبوي، مقتدى الصدر ، البالغ من العمر 44 عامًا، ينحدر من أسرة دينية شيعية عريقة تعرضت للاضطهاد طوال مراحل تاريخ العراق ، سواء في عهد صدام حسين، أو ما بعد الغزو الأمريكي لبلاد الرافدين، وقد اكتسب والده لقب آية الله العظمى، وهو أعلى درجة دينية في المعتقد الشيعي؛ ما منحه منبراً قوياً لمخاطبة الشعب العراق ي، ولكون الرجل يملك فن الخطابة والتأثير على الناس من خلال التقرّب منهم ومن مشكلاتهم، والحديث عن أمور حساسة يعاني منها العراق ، وما زاد شعبيته إلى نسب كبيرة هو عداؤه العلني للتدخل الأمريكي في العراق ، حيث قاد الصدر أنصاره لمواجهة العدوان الأمريكي، وامتد الأمر إلى مواجهة مسلّحة معهم، لدرجة أن الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش، أعلن أن الصدر عدو رسمي لأمريكا موجّهاً قوات التحالف لاعتقاله، أو قتله، قائلاً لا يمكن أن نسمح لرجل واحد بتغيير مسار البلاد.

وبعد ذلك، قاد الصدر انتفاضتين ضد القوات الأمريكية في العراق ، وهذا ما أكسبه ثقة الشعب العراق ي لكون العراق يين يمتلكون حساسية مفرطة تجاه هذا الموضوع، فجميع العراق يين كانوا على يقين بأن أمريكا هي سبب دمار بلادهم، وتخريب بنيتها التحتية، وخلق تنظيم "داعش" الإرهابي الذي عاث فساداً في البلاد، وكلف العراق عشرات الشهداء وآلاف الجرحى.

توجهات الصدر ذات البعد العربي
وقد برز توجه مقتدى الصدر مؤخرًا لإعادة العراق إلى حضنه العربي بعيدًا عن سيطرة الدول الإقليمية والقوى الدولية، وذلك بعدما نفذ زيارة رسمية إلى السعودية، والتقى ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، قبل عدة أشهر، وأبرم عدة اتفاقيات لإعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين، وتعزيز الحركة التجارية وفتح المنافذ والمعابر الحدودية العراق ية السعودية، ما جعله يكتسب تأييد معظم القوى العربية الفاعلة في الشارع السياسي الدولي، وفي مقدمتها مصر، التي تؤيد فكرة وجود عراق موحد بعيد عن التقسيم والاعتبارات الطائفية والعرقية.

دور مقتدى في الأزمة السورية
ولم يكن خافيًا على أحد موقف مقتدى الصدر  في الأزمة السورية، حيث دافع عن الدولة السورية خلال أزمة العدوان الثلاثي الغربي ضدها والتدخلات الإسرائيلية السافرة، واستنكر تصريحات رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، بالتهديد بقصف سوريا بصواريخ ذكية، مشدداً على أنه لن يتهاون تجاه المساس بالمقدسات الإسلامية في سوريا، مشيرًا إلى أن العراق لن يسمح بتوسع الحرب مع سوريا، قائلاً "نحن نبدي للحكومة العراق ية استعدادنا لحماية الحدود الغربية لكي نبعد الشر الأمريكي بل الاحتلال الأمريكي لسوريا".

وبعد قصف واشنطن لدمشق، دعا الصدر لمظاهرات حاشدة نصرةً للسوريين، وبالأمس القريب استنكر الصدر، احتفالات نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف الأمريكي الضمني بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، ونشر مقتدى الصدر ، تغريدة له على موقع التدوين المصغر "تويتر" قال فيها "وصمة عار أخرى للاستعمار والاستكبار العالمي مع افتتاح بناية الشر الأمريكية في القدس الأقدس في فلسطين الإباء والجهاد.. وما ذلك إلا دليل آخر على تمعّنها في إضرار الشعوب وأذيتهم وميولها للكيان الإسرائيلي الغاصب ومعاداتها للأديان السماوية"، مضيفًا: "كلّي أمل بأن يأتيها الردّ السماوي الإلهي، وخصوصاً إذا كان ردّ المسلمين ردّاً حازماً يساوي فعلها الشنيع".

مقتدى لن يتولي رئاسة الحكومة
ورغم مواقفه  في محاربة الفساد، وقيادة مظاهرات غاضبة خلال العامين الماضيين ب المنطقة الخضراء ، مقر الحكم في بغداد، ضد الفساد وسياسة حكومة العبادي في عدم الإمساك بالمفسدين ومحاكمتهم، إلا أنه لن يتولى رئاسة الحكومة المقبلة، وفقًا للدستور العراق ي، لأنه لم يكن ضمن المرشحين الفائزين في الانتخابات مثل حيدر العبادي و نوري المالكي و هادي العامري .

وقد أكد الشيخ صلاح العبيدي، المتحدث باسم التيار الصدري في تصريحات سابقة لـ "بوابة الأهرام"، أن التيار وتحالف " سائرون " الفائز بالأغلبية البرلمانية، يمد يده لأي تحالف تكنوقراط عابر للطائفية، بحيث لا تكون الحكومة أو أي وزارة حكرًا على تيار طائفي أو مذهبي أو عرقي بعينه، لذا فإن المفاوضات لتشكيل الحكومة الائتلافية سوف تنتهي خلال الـ 90 يومًا المقبلة وفقًا للدستور العراق ي.

الإبقاء على العبادي في سدة مجلس الوزراء
ويبرز اتجاه داخل قيادات تحالف " سائرون " للإبقاء على حيدر العبادي في منصب رئيس مجلس الوزراء، بشرط وجود تعهدات قاطعة منه بمحاربة الفساد، واتخاذ قرارات حاسمة ضد الفاسدين، وألا يستمر نفس المشهد السابق الذي عانى منه العراق يون على مدى السنوات الأربع الماضية، بأن يتم ترك الفاسدين بدون محاسبة أو غلق أوجه الفساد ومصادره.

ويشترط التيار الصدري وتحالف " سائرون "، أن العبادي لابد أن يتعهد بألا تتم إدارة الحكومة من داخل أروقة حزب الدعوة الإسلامي الذي يشكل رئيس الوزراء قيادة مهمة فيه مع نوري المالكي ، رئيس الجمهورية الحالي، حيث إن ذلك أمر لن يقبل الصدريون تكراره مرة أخرى.

وبخلاف التحالف المرتقب بين " سائرون " و تحالف النصر بزعامة العبادي، يبرز توجه آخر مواز له بالتحالف في وقت لاحق مع ائتلاف الوطنية بزعامة إياد علاوي.

أما المسار الآخر، فيكون من تحالف محتمل بين قائمة الفتح بزعامة هادي العامري ، ودولة القانون بزعامة المالكي، وتيار الحكمة، بزعامة عمار الحكيم، وبعض القوى الصغيرة ذات التوجه المشابه.

دور أمريكي مشبوه للسيطرة على التحالفات المقبلة
وكشفت مصادر عراقية عن نشاط مؤيدي المعسكر الأمريكي، وقيامهم بجولات عديدة لكسب تحالفات جديدة، أو لإغواء الفائزين، وتقديم وعود وهمية لهم، مثل تقديم الدعم والقوة العسكرية وغيرها من الخدع التي يمارسها القائمون على السفارة الأمريكية ب المنطقة الخضراء بقيادة السفير الأمريكي دوجلاس سليمان ، فضلا عن تحركات مبعوث الرئيس الأمريكي إلى العراق ، بريت مكجورك ، اللذان يجولان على الزعماء السياسيين في العراق من بغداد إلى أربيل في تحرّك نشط لافت للأمريكيين، يهدف بشكل واضح إلى التأثير في شكل التحالفات المقبلة داخل البرلمان.

العراق يون يرفضون الدور الأمريكي
وتؤكد تقارير عراقية، أن العراق يين يرفضون وجود دور أمريكي في المستقبل القريب يكون فاعلا مرة أخرى بمجريات الأمور، خصوصًا بعد فضح تورطها في دعم داعش، وفشلها الذريع في تقديم أي شيء إيجابي للعراقيين على مدار عقد ونصف من الزمن.