"عيد الموظف الحكومي".. هل يحتاج إليه الموظفون فعلا؟

17-5-2018 | 17:48

الدكتورة هالة السعيد وزيرة التخطيط

 

داليا عطية

هل الموظف الحكومي في حاجة إلى أن نخصص له عيدًا نحتفل به؟ أم أن ما يستحقه الموظف الحكومي هو الرفع من قدراته وتطوير أواته المهنية؟ وهل تقع مسئولية جمود الروتين في المصالح الحكومية على الموظف وحده، أم أن الموظف لا يتجاوز كونه حلقة في سلسلة بحاجة إلى إصلاح؟ كلها أسئلة يثيرها "عيد الموظف"، الذي تتباين الآراء حوله، بين من يرى فيه تقديرًا لموظف يعمل رغم وجود العديد من العوائق، وبين من يراه لن يقدم جديدًا، لموظف يحتاج إلى مساعدة حقيقية في مواهة مشكلات حقيقية، ليس من بينها أنه لم يخصص له يوم للاحتفال به.


مشكلات الموظف الحكومي

يقول محمد طه، موظف بأحد السجلات المدنية، إن "الحالة النفسية للموظف في غاية السوء، مقارنة بفترة الستينيات"، لافتًا إلى الوضع الاقتصادي، قائلًا: "زمان كان الموظف بيصرف علي نفسه وبيته وولاده ويجيب الفاكهة وهو مروح ويفيض معاه من الراتب آخر الشهر"، متابعًا في مقارنه زمنية: "دلوقتي الموظف مرتبه مبيكملش معاه لنص الشهر".

أما سامح عبد العزيز، موظف بالشهر العقاري، فيقول إن "هناك ثقافة خاطئة تأصلت في أذهان الموظفين وهي: أنا موظف إذن أنا علي راسي ريشة"، مستنكرًا "ما يقوم به أغلب الموظفين من تعنت شديد مع المواطنين أثناء قضاء مصالحهم، وكأنه يتلذذ برفض الأوراق الخاصة بقضاء المصلحة، الذين أتوا لأجلها، ويستشعر في ذلك عظمة القرار".

ويتابع: الموظفون في حالة لعلاج ثقافي، لافتًا إلى دور المؤسسات في التدريب الذهني قبل المهني.


ويشير حسن كمال، موظف بأحد مكاتب البريد، إلى أن البنية التحتية المتاحة للموظف الحكومي "غير صالحة للعمل، وأن الأجهزة متهالكة، بالإضافة إلى عدم وجود الإمكانات والآليات المناسبة لجودة الإنتاج، ما يجعل الموظف يأتي إلى مكان العمل متسائلًا: كم الساعة؟، وكم تبقى لنهاية اليوم، وكأنه دخل كهفًا مظلمًا يريد الخروج منه في أسرع وقت" مضيفًا: "عايزين مكان يليق بينا كموظفين حكومة بنعكس شكل دولتنا".

بينما يقول كريم كاسب، موظف بإحدى شركات البترول، إن تخصيص الدولة يومًا للموظف الحكومي والاحتفال به "يحمل تقديرًا معنويًا له، وأنه ويُعد بمثابة رسالة بعناية الدولة بموظفيها، ما يؤثر إيجابيًا على نفسية الموظف، إلا أننا بحاجة أكثر إلى التطوير المهني والخضوع لدورات من شأنها تحسين الأداء المهني".

ويشير محمد جلال، موظف بأحد المصالح الحكومية، إلى أن الموظفين "بحاجة إلى تغيير جذري لثقافة العمل التي أصبحت متأصلة لديهم، وراسخة في الأذهان، حيث إن الموظف الحكومي اعتاد تعطيل المواطن القادم لإجراء خدمة معينة والتعنت في الإجراءات المطلوبة وتأجيلها، بسبب عدم تواجده أو انشغاله بأمور شخصية أو سوء حالته النفسية".

أما ماجدة سيد، مُعلمة بإحدى مدارس محافظة الجيزة، فتقول إن تحديد يوم عيد للموظف الحكومي وتخصيصه يعد "من الإيجابيات التي ستنعكس بحالة من الرضا على الموظف، لكن في ظل الوضع الاقتصادي الحالي، فإن الموظف بحاجة أكثر إلى دعم مادي"، مشيرة إلى "عدم مرونة الموظف في التعامل مع المواطن، واتسامه بالجمود والطابع الحاد، والسبب في ذلك بنسبة 90% يرجع إلى ضعف المقابل المادي الذي يجعله دائمًا في تشتت بسبب متطلبات الحياة والأسرة، ما يسبب له حالة من الضيق الشديد تنعكس على الآخر، الذي يتعامل معه، وهو المواطن البسيط".

الراتب والروتين

الحصول على أجر لائق مقابل العمل أمر لا يمكن تجاهله دينيًا واجتماعيًا، ولا شك أن الجميع يعمل من أجل هذا المقابل، حتى إن كان هناك هدف آخر قد يتعلق بالطموح وتحقيق الذات، إلا أن الجزء المادي هنا لا يمكن الاستغناء عنه، خاصة لو كان الموظف يعول أسرة.

في تصريح لـ"بوابة الأهرام"، يقول الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، إن أجور موظفي الحكومة، و"إن كانت أمرًا هامًا لا يمكن تجاهله أو الانتقاص، منه إلا أنها ليست السبب في وجود الجمود الروتيني داخل المصالح الحكومية، وأن التدهور الذي وصل إليه حال الموظف الحكومي تكمن أسبابه في التخلف التكنولوجي، فكل المجتمعات تعمل باستخدام التكنولوجيا كوسائل سريعه في الغنتاج وإنجاز مهام العمل، إلا نحن، ما زلنا لا نُفعّل استخدامها، وفي حالة تفعيل ذلك سنجد أنفسنا أمام مشكلة أخرى وهي عدم إجادة الموظف لاستخدام هذه التكنولوجيا الحديثه لعدم تدريبه وتأهيله لذلك".

يرى الخبير الاقتصادي الحل الأمثل في التخلص من الروتين داخل المصالح الحكومية هو "الترحيب بالعصر الحديث، والاعتراف به في كافة القطاعات والمؤسسات، وتعظيم دور الحكومة الإلكترونية، والعمل على إنهاء معظم الخدمات الحكومية باستخدام الوسائل الإلكترونية الحديثة، وتوفير إمكانات حقيقية تساعد الموظف على أداء وظيفته وزيادة إنتاجه وإعادة توزيع الرواتب بحيث يرتبط هذا التوزيع بمعايير محددة، منها حجم الإنتاج وعدد ساعات العمل"، لافتًا إلى أن إطلاق عيد للموظف الحكومي "ليس عادلًا لجميع الموظفين، فليسوا جميعهم يعملون بنفس الجهد والطاقة والإنتاج"، قائلًا: "يمكن تبديل عيد الموظف الحكومي بمكافأة تميز" متابعًا: هذا أكثر عدلًا".

الفساد الإداري

أكدت وزيرة التخطيط أن الهدف من إطلاق عيد للموظف الحكومي يتمثل في رفع كفاءة الجهاز الإداري وتعزيز انضباط أعمال الإدارة العامة، إلى جانب خلق نظام إداري مرن، مشيرة إلى أنه "تم رسم هيكل إداري للوزارات واستحداث مجموعة من الوحدات التنظيمية، تمثلت في وحدات الموارد البشرية والمراجعة الداخلية والتخطيط الإستراتيجي والمتابعة".

وعن ذلك يقول اللواء محمد أبوحسين، وكيل الرقابة الإدارية الأسبق، في تصريحات لـ"بوابة الأهرام"، إن "المصالح الحكومية تعاني الفساد الإداري بمختلف أنواعه لما يتمتع به الموظف الحكومي من صلاحيات كبيرة، نظرًا لعمله في مؤسسات الدولة، وأن هذه الصلاحيات لا تخص فقط المسئولين أو درجات معينة من الموظفين، وإنما تشمل كافة المتواجدين داخل المؤسسة، ومثال ذلك الساعي الذي بإمكاناته وعلاقاته مع الجميع يمكنه قضاء مصلحة لمواطن أو تقديم خدمة، منها ما هو شرعي ومنها ما هو غير ذلك، وكذلك يفعل بعض الموظفين الذين يتم شراء نفوسهم الضعيفه مقابل الاستيلاء على مستند أو وثيقة أو قطعة أرض أو منشأة، أو غيرها من المصالح التي يحصل عليها أفراد بدون وجه حق، مستغلين الحالة المادية التي يمر بها هذا الموظف، والتي لا تكفي متطلباته الحياتية، لذا يجب أن تنتبه الدولة لهذا الأمر، ففيه تكمن خطورة انتشار الفساد الإداري داخل قطاعاتها ومؤسساتها" قائلًا: "يجب توفير سبل عمل وحياة كريمة للموظف الحكومي، ومراعاة الدخل المادي المناسب لضمان عدم شراء أصحاب النفوس الضعيفة".

ويؤكد وكيل الرقابة الإدارية الأسبق أن" الموظف الحكومي ليس بحاجة إلى عيد للاحتفال به، بقدر ما هو بحاجة إلى مد يد العون له من خلال خدمات ملموسة تقدمها له الدولة في المجالات الأكثر تأثيرًا في حياته، كالصحة والتعليم له ولأبنائه، فإذا شعر الموظف بعناية الدوله به وأسرته عن قرب، سيؤثر ذلك بالإيجاب على الأداء والإنتاج"، مضيفًا أن "الرقابه بمفردها لن تستطيع منع الفساد الإداري داخل القطاعات، سواء العامة أو الخاصة، ويجب أن تكون هناك توعية لدور الموظف وشرح لمهامه التي يؤديها، وطبيعة الخدمة التي يقدمها، ومدة إنجازها، من خلال قنوات الدولة والإعلام للقضاء على الروتين وتأجيل الإجراءات للمواطنين والتي تُحدث احتكاكا بين الموظف والمواطن يؤدي في الغالب إلى وقوع حوادث جثيمة".

بيئة العمل

الموظف هو أساس العملية الإنتاجية في أي مجتمع يريد التقدم والتطور، لذا يجب التركيز على تطوير الموظف ومتطلباته، وفي الوقت نفسه، مراعاة الضغوط الحياتية التي يتعرض لها، سواء كانت نفسية أو اجتماعية، وهذا أمر طبيعي يمر به جميع البشر، ووفقا لدراسة أمريكية، قال باحثون من جامعة هارفارد، إن على أرباب العمل بذل المزيد من الاهتمام بالصحة النفسية، عبر تبني برامج لرصد حالات الاكتئاب بين العاملين لديهم، والمبادرة بمعالجة تلك الحالات في وقت مبكر، ليس فقط من أجل صحة العاملين وسلامتهم، بل من أجل حصول أرباب العمل على مستوي أعلى من الإنتاجية، وتحقيق مكاسب مالية أكبر لمؤسساتهم وتقليل خسائرهم التي تقدر على حد قول الباحثين بمليارات الدولارات سنويا.

يقول دكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي، في تصريحات خاصة لـ"بوابة الأهرام"، إن الحل في القضاء على جمود الروتين الذي سبب حالة من نفور المواطنين تجاه الموظف لما يقابلونه من تعنت وجمود في المعاملة، يتمثل في تطبيق الدولة لنظرية أبراهام ماسلو لمثلث الاحتياجات الخاصة بكل إنسان، ويعد هرم ماسلو نظرية فلسفية، قام بوضعها العالم أبراهام ماسلو، وتتحدث عن سلم أولويات الإنسان المختلفة، مؤكدة أن هناك العديد من الحاجات التي يسعي لإشباعها من خلال قيامه بالعديد من الأفعال والتصرفات للوصول إليها وأن الحاجات غير المشبعة تسبب إحباطًا وتوترًا وآلامًا نفسية حادة، ويشمل هذا المثلث 5 احتياجات وهي كالتالي:

احتياجات أساسية فسيولوجية " المأكل – المشرب – الملابس"، توفير وظيفة مناسبة، توفير الآمان في هذه الوظيفة، توفير الأدوات المناسبة لأداء هذه الوظيفة، الإبداع، بالإضافة إلى أن الموظفين بحاجة إلى احتواء نفسي.

ويؤكد أستاذ الطب النفسي أن "توافر احتياجات مثلث ماسلو سيصنع فردًا عاملًا منتجًا ومبدعًا لا شك، إلا أن الموظف لدينا يعاني عدة مشكلات، على رأسها ضعف الراتب وعدم توفر الآليات المناسبة لأداء مهام عمله، فضلًا عن أخطر هذه المشكلات تأثيرًا على حالته النفسيه، وهي توفير بيئة مناسبة للعمل، حيث إن أغلب القطاعات والمؤسسات تعاني افتقار الروح الجمالية في مكان العمل من خلال المظهر أو البنيه التحتية" قائلًا: "الموظف الذي يعمل في وجود مكيف هوائي حالته النفسية مختلفة تمامًا عن الموظف الذي يعمل في مكان مغلق لا يوجد به حتى المروحة".

ويشدد على ضرورة احتواء أرباب العمل للموظفين نفسيًا "فالرقابة مطلوبة، ولكن هناك طرقًا لممارستها تأتي بنتائج محمودة، ولا تؤثر على نفسية الموظف بالسلب"، مشيرًا إلى أن وجود مرونة وتوفير مناخ نفسي جيد، يستطيع الموظف من خلاله القيام بمهام عمله دون تضرر أو نفور من رئيسه"، قائلًا: "يجب أن تكون هناك معاملة حسنة بين الموظف ورئيسه"

نشر ثقافة العمل

يعد العمل واحدًا من أهم الأنشطة الإنسانية على الإطلاق، فهو أساس النهضة والتطور في العالم، ذلك لأنه قادر على استغلال المهارات التي وهبها الله للإنسان من أجل تحقيق المصالح المختلفة وتحقيق التكامل في هذه الحياة، فالإنسان فرد لا يستطيع القيام بكل الأعمال دفعة واحدة وتلبية احتياجاته الأساسية كاملة، ولهذا فهو محتاج إلى البشر من أجل تحقيق الغايات السابقة.

تقول الدكتورة سامية الخضر، أستاذ علم الاجتماع، في تصريح لـ"بوابة الأهرام" إنه "يجب على الدولة تثقيف الموظفين من خلال وسائل الإعلام المختلفة، وتدشين حملات توعية بمشاركة مؤسسات المجتمع المدني، من شأنها نشر ثقافة العمل بين الموظفين، وإعلاء قيمته ودوره في بناء الأفراد والمجتمعات، فضلًا عن دور رجال الدين في إيقاظ الضمائر، لأنها الرقيب الأول على كل إنسان".

وترى الخضر أن "إطلاق عيد للموظف الحكومي لن يأتي بجديد، ويجب أن تلتفت الدولة إلى تثقيف هذا الموظف، فهو ليس بحاجة إلى عيد، وإنما بحاجة إلى تفعيل ضميره في القيام بمهام عمله، بالقدر المطلوب وإدراك قيمة الدور الذي يقوم به في بناء المجتمع ورفعة شأنه".

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة