نبوءة "جارة القمر".. فيروز أول من قاد "مسيرات العودة" ضد إسرائيل قبل 50 عاما | فيديو

15-5-2018 | 17:23

فيروز و مسيرات العودة

 

أحمد عادل

في 15 مايو من كل عام تتجدد ذكرى "نكبة العرب" في فلسطين، لكنها اليوم جاوزت عامها السبعين، ومعها أصبحت الأرض غُصنًا لزيتون محترق، وقيدًا لأسير يرسُف في الأغلال، وحجرًا في يد طفل تعلقت أحلامه برجم من اغتصب أرضه، بينما يزأر صوت اللاجئين في مسيرات العودة "سنرجع يومًا" في نشيد يهدر يزلزل الأرض من تحت أقدام المحتل.

"سنرجع يومًا"، و"ردني إلى بلادي" وغيرها، أغنيات وأوبريتات ومسرحيات شدت بها جارة القمر فيروز، تخليدًا للقضية الفلسطينية، ونجحت في تجربتها مع الرحابنة لتحطم بسيف الإبداع حصونًا ظن المستعمر أنها ستحجب جرائمه عن أنظار العالم.

لكن أعمال فيروز بشأن القضية الفلسطينية سرعان ما تحولت إلى أدبيات نجحت في ترسيخ وجودها في نفوس العرب، فضلاً عن تحول العديد منها إلى تنبؤات تصادف التحقيق هذه الأيام بعد أن قدمتها قبل عقود من الزمان.



لقد أحيت "مسيرات العودة" التي ينظمها الفلسطينيون منذ 30 مارس الماضي بمناسبة "يوم الأرض" اعتراضًا على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة واعتبارها عاصمة لإسرائيل، نبوءة عمرها خمسون عامًا صدحت بها فيروز في أوبريت "جسر العودة" التي شدت به عام 1968 ضمن ألبومها الغنائى "عائدون" خلال الذكرى العشرين لنكبة العرب.

كاتب "الأوبريت النبوءة" هو الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد، وهو واحد من أبناء مدينة غزة التي يقود شبانها الآن مسيرات العودة التي تخرج لتقاوم جنود الاحتلال قرب السياج الحدودي اعتراضًا على القرارات الأمريكية، حيث ولد في حارة الزيتون عام 1927، وهو من شعراء الخمسينيات الذين أطلق عليهم اسم "شعراء النكبة" أو "شعراء المخيم"، ويفيض القاموس الشعري لرشيد بمصطلحات اللجوء والعودة والثورة، حتى قيل إن مجمل قصائده وأغانيه تصلح لأن تكون دستورًا لمبدأ حق العودة وتقرير المصير.

وقد عمل مديرًا لإذاعة "صوت العرب" في غزة منذ إنشائها عام 1954، وظل في منصبه عدة سنوات، والتحق بمنظمة التحرير الفلسطينية حتى أصبح مندوبًا مناوبًا لفلسطين في جامعة الدول العربية.

جاءت فكرة الأوبريت حين قررت فيروز والأخوان رحبانى "عاصي ومنصور" إحياء الذكرى العشرين لنكبة فلسطين، التي وافقت عام 1968، كان إحياء ذكرى "النكبة" آنذاك يصادف واقعًا أسود ، فلم يكن قد مضى عام على "النكسة" في يونيو 1967، حين احتلت إسرائيل الأراضي العربية في غزة والضفة وسيناء والجولان السوري ومزارع شبعا اللبنانية.

في تلك الأثناء كان الشاعر هارون هاشم رشيد قد طُرد لتوه من غزة على أيدي سلطات الاحتلال لينتقل إلى القاهرة، وبعث لفيروز بعدة قصائد تشكل منها ألبوم "عائدون".


لقد جسد رشيد في قصيدته الواقع الذي يحياه الشباب الفلسطيني هذه الأيام المنطلق في "مسيرات العودة"، وكأنه قد وعى مأساة الشاعر الطريد من غزة قبل خمسين عامًا، يقول رشيد في كلماته التي ازدانت بصوت فيروز وألحان الرحابنة :

"أحترف الحزن والانتظار.. أرتقب الآتي ولا يأتي ..تبددت زنابق الوقت ..عشرون عامًا وأنا أحترف الحزن والانتظار..عبرت من بوابة الدموع إلى صقيع الشمس والبرد.. لا أهل لي .. في خيمتي وحدي ..عشرون عاما وأنا يسكنني الحنين والرجوع .. ومن جديد...ضربتنا موجة البغض... وها أنا أستوطن الفراغ.. شردت عن أهلي مرتين.. سكنت في الغياب مرتين.. أرضي ببالي وأنا أحترف الحزن والانتظار".

وتظهر هذه الكلمات مدى الضياع الذي تعرض له رشيد وأبناء جيله، فقد تعرضوا للترحيل وأجبروا على اللجوء مرتين، واحدة في نكبة 1948، والأخرى في نكسة 1967.

ومع ذلك الواقع المرير، لم ييأس رشيد ولم يجد أفضل من صوت فيروز ليشيد من خلاله "جسر العودة"، وكأنه أراد قبل 50 عامًا أن يشيد هذا الجسر ليعبر عليه أبناء فلسطين في مسيراتهم الحالية، فكتب قائلاً:

جسر العودة ..يا جسر الأحزان
أنا سميتك جسر العودة
المأساة ارتفعت.. المأساة اتسعت
وسعت ..صدعت.. بلغت حد الصلب
من صلبوا كل نبي.. صلبوا الليلة شعبي
العاثر ينهض.. النازح يرجع
والمنتظرون يعودون.. وشريد الخيمة يرجع
و بليلة عتم أبيض كالأولى للميلاد
ملأى بغموض الآتي وبفرح الأعياد
يأتي من صمت الأشجار
طفلٌ في سن العشرين ..يحتفل اليوم بميلاده
عيده العيد برشاش.. فمضى يتصيد ويقيم
في أرض أبيه وأجداده.. يدخل آلاف الأطفال
من كبروا الليلة في الخارج.. عادوا كالبحر من الخارج
أرجع في العتمة معهم
نصمد ونقاتل لا نرحل .. ونقيم كشجر لا يرحل
تقفون كشجر الزيتون.. كجذوع الزمن تقيمون
كالزهرة.. كالصخرة.. في أرض الدار تقيمون
وسلامي لكم يا أهل الأرض المحتلة
يا منزرعين بمنازلكم.. قلبي معكم.. وسلامي لكم
والمجد لأطفال آتين
الليلة قد بلغوا العشرين
لهم الشمس.. لهم القدس.. والنصر.. وساحات فلسطين


لقد عوّل رشيد على الأجيال الجديدة التي ولدت في النكبة، وطردت وعاشت في الخيام بين دروب الشتات، ومع شدة المأساة من غاصبي الأرض وصالبى الأنبياء، إلا أن مسيرات العودة ستصمد وستثبت كشجر الزيتون الذي لن يرحل عن تلك الأرض.



أما فيروز والرحابة فقد توقعوا ما سيتعرض له العائدون من بطش وقتل من قبل الاحتلال وجنوده فور عبورهم لـ "جسر العودة"، تمامًا كما حدث بالأمس أثناء نقل السفارة الأمريكية للقدس، وأسفر عن عشرات الشهداء وآلاف الجرحى، ليثبت فظاعات الاحتلال وعجز المجتمع الدولي، فدونوا هذا العجز بأغنية نادرة الإذاعة في ألبوم "عائدون" تحمل عنوان "سافرت القضية"، وجاءت الأغنية ممهورة بتوقيع الأخوين رحبانى كلمات ولحنًا، وتقول:

سافرت القضية تَعرضُ شكواها في رُدهة المحاكمِ الدولية
وكانت الجمعية قد خصصت الجلسة للبحث في قضيّة "القضيّة"
وجاءَ مندوبون عَن سائر الأُمم جاءوا من الأُمم
من دول الشمال والجنوب والدولِ الصّغيرة والدّولِ الكبيرة
واجتمع الجميع في جلسةٍ رسمية
وكانت الجمعية قد خصصت الجلسة للبحث في قضية "القضية"
وخطبَ الأمينُ العامْ : حكي عن السلام
وبحثَ الأعضاءُ الموضوعْ .. وطُرحَ المشروعْ
"عدالةُ القضية ، حريةُ الشُعوب ، كرامةُ الإنسانْ وشُرعَةُ الحقوقْ"
"وَقفُ إطلاقِ النّار ، إنهاءِ النّزاع .. التّصويت .. التّوصيات .. البَتُّ في المشاكلِ المُعلقة"
... الإجمـــــاع
وصرّحَت مصادِرٌ موثوقة .. نقلاً عن المراجعِ المُطّلعة ..
ودرست الهيئة.. وارتأت الهيئة.. وقررت الهيئة
إرسالَ مبعوثْ ..وصرّحَ المبعوثْ .. بأنهُ مبعوثْ ، من قِبَلِ المصادرْ .
وأنّ حلاًّ مـــا في طريقِ الحلّ
وحين جاء الليــــلْ .. كانَ القُضــاةُ تَعِبــــوا..
أتعبَهُم طــــولُ النّقاش .. فأغلقوا الــدّفاتر وذهبـــوا للنـوم
وكان في الخــارج. . صوتُ شــتاءٍ وظلامْ وبائســونَ يبحثونَ عن ســلامْ..
والجوعُ في ملاجئ المشَرّدين ينامْ وكانتِ الرّياحُ ما تزالْ .. تقتَلعُ الخيــــامْ


بهذا السيناريو المتكرر في أروقة المحافل الدولية، في مجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، لن يتكون سوى الإدانات فحسب.

وهكذا مضت فيروز والرحابنة ورشيد في نبوءاتهم، وبسطوا للعائدون "جسر العودة" قبل 50 عامًا من انطلاق "مسيرات العودة"، لكنهم لم يكونوا يعلمون أننا سنشاهدها عيانًا في الذكرى السبعين لنكبة العرب.

 

فيروز و القدس