"المدينة المحرّمة" .. بقعة صينية تروي أساطير 24 إمبراطورا وأسرار علاقتهم بالسماء والكون والتنانين العملاقة

2-5-2018 | 11:37

المدينة المحرمة في الصين

 

لا يمكن الحديث عن الآثار في الصين بدون أن تكون "المدينة المحرمة" بالعاصمة بكين هي البداية، ففيها استغرقت عصورا من الأحداث، وعظماء من الرجال، ومصير العشرات من الأجيال، ففي المدينة المحرمة تتحقق تلك الأسطورة التي يعتقد فيها كل صيني بفخر، حتى ولو كان من الذين لا يعترفون بدين، أو يؤمنون بعقيدة غيبية، أنها مجموعة من القصور التي تضم 999 غرفة ونصف الغرفة.


زوار المدينة المحرمة في الصين



سر أسطورة الـ 999 غرفة
أما لماذا ليست ألف غرفة بالتمام والكمال، فهنا يكمن سر الأسطورة، حيث تقول التراث الصين ي إن "إمبراطور السماء" لديه ألف غرفة، بينما لا يمكن لإمبراطور الأرض أن يكون مساوياً له، لذلك هو يكتفي بالعدد المذكور، أي ألف غرفة ناقصة نصف غرفة، كي لا يتحدى إمبراطور الأرض.. إمبراطور السماء.

فخر ممتزج بالحذر من الصين يين حديثًا
أما غير ذلك كما يقول محمود ريا مدير موقع الصين بعيون عربية ، فليس هناك ما ينتقص من عظمة وجلال هذه القصور المهيبة التي تتجمع كلها في المدينة المحرمة الواقعة بمساحة واسعة من أرض بكين، وفي قلبها بالضبط، تلك العظمة التي يتحدث عنها "المواطن الصين ي الحديث" بفخر وبحذر في الوقت نفسه، فهو لا يملّ من ترديد الكلمات عن مظاهر الفخامة والنبل، وعن الإرث الكبير الذي تركه الأجداد لأبناء الشعب الصين ي كي يتمتعوا به ـ وللعالم كله أيضاً ـ ولكنه لا يسمّي هذه المدينة باسمها، وإنما يصرّ على تكرار القول إن هذا المكان يسمّى " قصر الإمبراطور " ولا يتردد في التعبير عن انتقاده لاستخدام الإمبراطور الصين ي قديمًا آلاف العمّال على مدى عشرات السنوات لبناء هذا المكان المخصّص لرفاهيته هو و"عائلته" على حساب حياة الناس البسطاء الذين قضوا نحبهم من أجل تحقيق هذه الغاية.

تأثير الاشتراكية
اعتقاد الصين يين ذلك نابع في الأساس من العقيدة الاشتراكية التي يتشبع بها معظم أفراد الشعب في العصر الحديث، والتي تمتلك تأثيرًا قويًا في كل زاوية من زوايا الصين ، أو لنقل إنه الحزب الشيوعي الصين ي الحاضر دائماً في خلفية الأحداث، حيث يوجّه الأفكار باتجاه الافتخار بالجماد ممثلا في مجموعة القصور، ورفض مَن بَنَوها.

إلا أنك ما تطأ قدمك العاصمة الصين ية بكين، إلا وتكون المدينة المحرمة وال قصر الإمبراطور ي داخلها، أهم المزارات التي لابد وأن تكون هدفا للزيارة، تلك المدينة التى كانت مقراً لحكم أباطرة الصين الملقبين بـ "أبناء السماء"، وذلك القصر الذي شهد أيضاً إعلان الزعيم الصين ي الشهير "ماو تسي تونج" تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949.


المدينة المحرمة في الصين



ال قصر الإمبراطور ي بـ "المدينة المحرمة" عمره 600 عام، وخلال التنزه حول القصر مترامي الأطراف، يجذبك الطراز المعماري البديع، مما جعله هدفا للسياح الشغوفين بالثقافة والفن والذين يأتون لقضاء وقت ممتع، وقد سميت المدينة المحرمة بذلك الاسم لأنه كان "محرما" دخول القصر والمنطقة المحيطة به على أي شخص عبر مئات السنين، وكان فقط يسمح للإمبراطور وأسرته والمسئولين والموظفين بالدخول، حيث يمتد على مساحة شاسعة تبلغ 72 فدانا، حيث يسير السياح الذين يخرجون فى جولة تنزه من البوابة الجنوبية إلى البوابة الشمالية لمسافة كيلومتر تقريباً .

هندسة وتصاميم تقارب الخيال
وفي المدينة المحرّمة ما يستحق أن يُفتخر به فعلاً، ففيها جمال يفوق الوصف، هندسة وتصاميم تقارب الخيال، قصر وراء قصر وراء قصر، فهنا كان الإمبراطور يستقبل الرعية والضيوف، وهناك كان يرتدي الملابس الإمبراطورية للاستقبالات، وهناك قصر الإمبراطور ة وفيه من التحف والأواني والأدوات ما يسلب اللبّ، وعلى اليمين واليسار المباني المخصصة للإدارات الحكومية، ففي الصين كانت هناك حكومة مركزية قادرة على إبقاء الخيوط الرابطة لعشرات الأقاليم في يد واحدة، هي يد الإمبراطور.

زوار المدينة المحرمة في الصين


جيش لم يغز دولة آخرى
ولا يخلو المكان من الساحات الواسعة، وفيها كان يجتمع الجند قبل الانطلاق إلى مهماتهم في إخضاع عاصٍ أو السيطرة على إقليم متمرد، ولكن لم يسجّل التاريخ أنّ جيشاً انطلق من هذا المكان لغزو دولة أخرى مجاورة، هذا إذا اعتبرنا ـ كما يعتبر صينيو اليوم ـ أن كل ما في الصين الآن من أقاليم هو ملك للصين.

الصور التي تراها في المدينة المحرمة تحرّض لديك الخيال كي تستعيد اللحظات التاريخية الكبرى التي ولدت هنا، كما تعيدك إلى تلك التفاصيل البسيطة والجميلة، حول الحياة اليومية للإمبراطور والإمبراطورة والأمراء والوزراء والحاشية والدولة، أي الحياة اليومية لآلاف البشر الذين استوطنوا هذا المكان في وقت واحد، على مدى قرون، حيث بدأ بناؤها خلال عهد أسرة "مينج" الصين ية الحاكمة، عام 1406 م ، وفقا للوثائق التاريخية، واستمر 14 عاما، وشارك فيه حوالي مليون عامل، وتم إحضار مستلزمات البناء من جميع أنحاء الصين ، وأصبحت المدينة متحفا منذ عام 1925، ويلفت النظر خلو المدينة من الأشجار، ماعدا قسم صغير يعد الحمام الخاص للإمبراطور، ويرجع سبب ذلك إلى الإجراءات الأمنية أيضا وذلك للحيلولة دون تسلل الأعداء للمدينة مختبئين خلف الأشجار.

محرمات المدينة المحرّمة
ولكن، في المدينة المحرّمة هناك محرّمات، ففي قديم الزمان كان الزائر يجد أبوابا وراء أبواب، وأسوارا داخل أسوار، وأذونات وبطاقات دخول، فهذه المدينة محرّمة على من هم في الخارج، وهي محرّمة كذلك ـ في بعض أقسامها ـ على من هم في الداخل أيضًا، ولمن لا يصدّق ذلك عليه أن يرى الحدود التي تفصل أحياء المدينة عن بعضها البعض، وأن يرى أيضاً الأسوار العالية التي تحيط بالمدينة المحرمة من الخارج، ومن بعدها الخندق الذي يطوق المدينة من جوانبها الأربعة، وهو ممتلئ بالماء، وعرضه ستون متراً بالتمام والكمال، ما يجعل إمكانية الاقتراب من المدينة المحرّمة في مصاف الخيال، على مدار عهود 24 إمبراطورا صينيا تعاقبوا على حكم الصين ، وواصلوا تنفيذ نفس الإجراءات الأمنية المشددة التي كانت تتخذ لحماية القاطنين فيه.

الأسوار المحيطة بالمدينة بناها عشرات الأباطرة على مدى القرون، تماماً كتلك الأسوار الشاهقة التي بُنيت أيضاً على مدى القرون هناك، فوق، على قمم الجبال المحيطة ببكين، والتي تمتد على آلاف الكيلومترات بعد ذلك، لتجتمع في ما يسمى الآن بـ"سور الصين العظيم".

وتستقبل "المدينة المحرمة" في العاصمة الصين ية بكين سنويا ملايين الزوار، الذين يستمتعون بالتواجد في مكان كان محرما على العامة لقرون، عندما كان مقرًا لأباطرة الصين المتعاقبين، وتعد المدينة واحدة من بين أكبر 6 قصور في العالم، كما أنها أحد أكبر الآثار التاريخية المبنية من الخشب، ويوجد بها مليون قطعة أثرية تحكي التاريخ والثقافة الصين ية، وتمثل سدس الآثار التاريخية الموجودة في جميع أنحاء الصين ، كما تحفل أرضية المدينة بكتل حجرية تمتد لعدة أمتار تحت الأرض، لتحول دون تسلل الأعداء إلى المدينة من خلال أنفاق يحفرونها تحت الأرض.


المدينة المحرمة في الصين



تأمين نوم الإمبراطور
وتمتد الإجراءات الأمنية لتشمل كيفية نوم الإمبراطور أيضا، حيث كان الإمبراطور ينام كل يوم في غرفة مختلفة، ولا يعرف سوى حرسه الخاص بالغرفة التي ينام بها، ورغم أن تحكم الإجراءات الأمنية في العديد من مناحي الحياة في المدينة قد يبدو مثيرا للضيق، إلا أن تلك الإجراءات أفلحت في النهاية في تحقيق هدفها، حيث لم يسجل التاريخ مقتل أي إمبراطور داخل المدينة المحرمة.

وتوجد أربع بوابات للمدينة في جهات الشمال والجنوب والشرق والغرب، كما توجد أبراج مراقبة في زوايا جدران المدينة الضخمة، تتيح مراقبة المنطقة المحيطة باستمرار، كما تمتلئ المدينة بتماثيل وصور لحيوانات حقيقية وأسطورية، يأتي على رأسها التنين، الحيوان الأسطوري الذي يرمز للقوة والمكانة، والذي تنتشر تماثيله ورسوماته في أنحاء المدينة لدرجة لا يعرف العدد الإجمالي لها.

التنين الصين ي بطل المدينة المحرمة
وتنتشر تماثيل ورسومات التنين حول قنوات المياه، وعلى أسقف مباني المدينة، وعلى قطع الزينة الرخامية، ويختلف عدد تماثيل التنين فوق أسقف المباني وفقا لمكانة من يقطنها، حيث تستقر 10 تنانين فوق سقف مقر إقامة الإمبراطور، ويتناقص العدد تدريجيا فوق أماكن إقامة الإمبراطورة، ورجال الدولة حسب رتبهم، ومنذ تحول المدينة التي تقع بجانب ميدان تيانانمن في العاصمة بكين، إلى متحف، يؤمها الراغبون في التعرف على أسرارها المحرمة، ويزور المدينة أكثر من 10 ملايين شخص سنويا، وزارها العام الماضي 16 مليون سائح.

وأدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، المدينة المحرمة في قائمة التراث الثقافي العالمي عام 1987، وسجلتها كأحد أكبر المباني الخشبية الأثرية الباقية في العصر الحالي، كما لا يسمح للزوار بالتجول في معظم أقسام المدينة، وإنما يتاح لهم مشاهدتها من الخارج، ويسمح فقط للزوار المهمين بدخول الصالة الكبرى ومعظم الغرف، وذلك للحفاظ على الآثار التاريخية الموجودة بها.

وتحوي المدينة المحرمة على أسرار كثيرة لا تزال غائبة عن الكثيرين، حيث تقول الأساطير أن الإمبراطور كان "إله"، وأصله "تنين"، حيث بنيت هذه المدنية على أصل رؤى في المنام للإمبراطور يونجلى.

عندما تمر عبر "بوابة جنة السلام" الواقعة في الجهة الجنوبية أسفل صورة "ماو" والتي تبدو كما لو كانت جحر فأر، وهنا يشاهد الزائر مقر حكم الـ24 إمبراطوراً الذين عاشوا في القصر منذ القرن الخامس عشر مع 2000 من الحاشية والمحظيات وحراس الحرملك، ويمتاز هذا القصر بالقاعات الضخمة والمساحات الفسيحة.


المدينة المحرمة في الصين



جدول صارم للإمبراطور خالٍ من المتعة
ورغم كل الفخامة التي عاش فيها الإمبراطور، لم يتح له سوى القليل من المتع مقارنة بقصور ملكية أخرى، فبخلاف الحاشية التي غالباً ما كانت تسكن في مقار إقامة خاصة تنعم فيها برغد العيش، قلما أتيحت للإمبراطور إمكانيات للاستجمام والاختلاء بالنفس، لأن جدول أعماله اليومي كان منظماً بشكل صارم، ومَن يرى شكل أثاث قاعات العرش ومخادع النوم، فسرعان ما يصاب بآلام في الظهر.

حديقة تشيان لونج
ويُشكل الفناء الداخلي الشمالي الجزء الثاني من المدينة المحرمة، وبدلا من الأماكن المخصصة لمراسم الاستقبال تزخر المباني بأفنية داخلية صغيرة، وهنا عاش الإمبراطور مع أسرته والأسرة الملكية، وتتمثل أبرز معالم هذا الجزء فى حديقة الإمبراطور "تشيان لونج" التى تضم بين أركانها "قصر العمر الهادئ" والتى تمت صيانتها للمرة الأولى بعد قرن كامل تقريباً، ويعود تاريخ هذه الحديقة إلى عام 1776، وهو العام الذى أعلنت فيه الولايات المتحدة الأمريكية استقلالها.

متحف الكنوز
ويجد الزائر للمدينة المحرمة متحف الكنوز، وهو عبارة عن مخزن كبير يضم أختام الأباطرة والشمعدان وأطقم الشاي وأشياء أخرى كثيرة كانت تخص جميع من حكموا الصين وعائلاتهم ممن أقاموا فى المدينة المحرمة، التى تم تصميم مبانيها من كتل حجرية منحوتة يدويا وساحات مبلطة بقطع حجرية كثيرة النقوش، ويطغى على القصور والمباني الملحقة بالمدينة المحرمة اللونان الأصفر والأحمر، اللذين يحتلان مساحة كبيرة فى الثقافة الصين ية، لأن الأصفر ارتبط بالأسر الحاكمة التى احتكرته لنفسها، وكان غير مسموح للعامة استخدامه، بينما يمثل الأحمر لونا لحسن الطالع.

سر اللون الأحمر الأرجواني
ووفقا لعلم الكونيات الصين ي، اللون الأحمر الأرجواني كان رمزا للسعادة والفرح وأيضا النجم القطبي، ومن هذا المنطلق، اعتبر الإمبراطور نفسه ابن السماء، الذى عليه أن يحافظ على الانسجام مع العالم الطبيعي، والذي يوازن بين اتساع الطبيعة مع البنيات المستطيلة، وبات هو ومدينته متصلين بقوى الكون الإلهية، ولهذا كان مكان سكن الإمبراطور مدينة أرجوانية تقع وسط العالم الزائل، ومن هنا أصبح الإمبراطور وحده يستخدم اللون الأرجواني، الذي بات أيضا لون الجداران ولون الحبر الذي يوقع به اسمه، وكان يعتقد أباطرة الصين أن السماء اختارتهم ليحكموا الأرض.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]