د.محمود الضبع يكتب.. في وداع أحد نبلاء الثقافة العربية "على المنوفي"

29-4-2018 | 21:46

علي المنوفي

 

نبيل من نبلاء الثقافة العربية، عاش في هدوء، على الرغم من إنتاجه الضخم، ورحل في هدوء، دون أن يشعر به أحد، قبل أن يعلن الموت عن رحيله، والعارفون به لا يختلفون على أنه واحد من أولئك المثقفين القلائل، الذين أمضوا حياتهم في محراب العلم دون المشاركة في صراعات الحياة الاجتماعية، وإثارة الخلافات والمعارك، مع المحافظة على سمته الهادئ، ومد يد العون لكل من يحتاجها، بترجمة نصوص أدبية أو أوراق بحثية (للمشاركة في فعاليات ثقافية) إلى العربية أو العكس، أو بالمساعدات العلمية المتنوعة التي يقر بها كثيرون.

تخصص الدكتور "علي المنوفي" في ترجمة أدب أمريكا اللاتينية، والأدب الإسباني على وجه الخصوص، منذ أن تخرج في كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر الشريف، والتي عين معيدا فيها، فجمع بذلك بين التأسيس التراثي والوعي الحداثي باللغات الأجنبية، وكان لدراسته الإسبانية - على يد فيكتور جارثيا دي لاكونشا (رئيس الأكاديمية الملكية الإسبانية) – أكبر الأثر في تكوينه العلمي، ومما أكد ذلك حصوله على درجة الدكتوراه في الشعر الإسباني المعاصر من جامعة سلامنكا (أعرق جامعات إسبانيا)، إضافة لمعايشته للثقافة الإسبانية على مدى تسع سنوات، مما جعله أحد جسور التواصل الثقافي بين الحضارة العربية وحضارة الأندلس، وامتدادها المعاصر في الثقافة الإسبانية.

ولأن أعماله هي التي تحدثت عنه، فقد حصل على عدد من الجوائز والأوسمة، منها: جائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة الشيخ حمد للترجمة، ودرع اتحاد كتاب مصر، ووسام الاستحقاق المدني من ملك إسبانيا، فيليب السادس، فكان ذلك جميعه اعترافا ببعض فضله في ربط الثقافة العربية ببعض أصولها المتمثلة في الثقافة الأندلسية وامتدادها في إسبانيا، وقد خصته رئاسة الجمهورية المصرية الحالية ليكون مترجمها الرسمي في الشئون المتعلقة بالعلاقات المصرية الإسبانية.

والمتابع لمنجزه سيلمح بداية التنوع بين التأليف والترجمة، وتاليا سيستطيع الوقوف على دقة اختياره للعناوين التي يترجمها، ولعل استعراض هذه الأعمال يشير إلى ذلك:

لعبة الحجلة، ومختارات قصصية (1947-1992)، وكيف تعد رسالة دكتوراه، وحتشبسوت من ملكة إلى فرعون مصر، وتاريخ الشعر الإسباني خلال القرن العشرين: من الحداثة حتى الوقت الحاضر، واللاعقلانية الشعرية، وإسبانيا في تاريخها: المسيحيون والمسلمون واليهود، وإسبانيا بشكل جلي، ومواطنون في العالم، ونحو نظرية للمواطنة، والأرجنتين كان يا ما كان، والترجمة ونظرياتها، والمرآة الدفينة، وشهر العسل (وقصص أخرى)، ومكتبة الإسكندرية فك طلاسم اللغز، والقصة القصيرة النظرية والتقنية، وتعليم الترجمة، وهل يمكن للحاسوب أن يكتب قصيدة غزلية؟ التقنية الرومانسية والشعر الإلكتروني، وتاريخ إسبانيا الإسلامية من الفتح إلي سقوط الخلافة القرطبية (٧١١-١٠٣١)، ورحلة إلي السودان، ومن العالم الجديد إلى العالم القديم.

ثم تأتي سلسلة كتب الفن والعمارة في الأندلس، ومنها: الفن الطليطلي الإسلامي والمدجن، والفن الإسلامي في الأندلس: الزخرفة النباتية، والفن الإسلاميفي الأندلس: الزخرفة الهندسية، والعمارة في الأندلس: عمارة المدن والحصون (في جزئين)، والعمارة الإسلامية في الأندلس، عمارة القصور (أربعة أجزاء)، وعمارة المساجد في الأندلس طليطلة وإشبيلية، وعمارة المساجد في الأندلس غرناطة، وباقي شبه الجزيرة الإيبيرية، وعمارة المساجد في الأندلس قرطبة ومساجدها، وعمارة المساجد في الأندلس مدخل عام، والعمارة المدجنة.

وعلى الرغم من كل هذا المنجز الذي ينم عن انشغالاته، فقد كان متفاعلا مع الواقع الاجتماعي، والسوشيال ميديا، ومناقشا لقضايا المجتمع، وإشكالاته الثقافية، حتى ساعات قبل وفاته، وهو ما تشير إليه صفحات التواصل الاجتماعي خاصته.

هكذا يكون المثقف، وهكذا يرحل بعد أن يترك وراءه ما يدل عليه، وما ستظل الأجيال اللاحقة تتداوله وتتعلم منه.

رحم الله عالما قلما يجود علينا الزمان بأمثاله، وجعل منجزه العلمي في ميزان حسناته.

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]