د.محمود الضبع يكتب: "في يوم الكتاب العالمي.. ماذا سيكتب المؤرخ العربي؟"

24-4-2018 | 14:04

د. محمود الضبع

 

يبدو من خلال الاستقراء الفعلي لواقع الشعوب العربية أن التاريخ لا يكتب على النحو الذى حدث بالفعل، وإنما تتم كتابته من وجهة نظر خاصة، وحتى لو كانت هناك محاولات صادقة لمؤرخين يحاولون تسجيل الوقائع من وجهة نظر الشعوب، فإن هذه المحاولات تظل بعيدة عن الضوء، ناهيا بالطبع عن غياب وتغييب الآليات الداعمة لمجال عمل حقيقي يمكن للمؤرخين أن يعملوا في سياقه، والأدلة على ذلك كثير، يعد الأقرب منها ما نعيشه في حياتنا المعاصرة بدءا من عام ٢٠١٠م واندلاع الثورات العربية تباعا، فما الذي سيكتبه المؤرخون عن التاريخ المعاصر في أي دولة عربية؟.


لم يعد المشهد المراد وصفه واحدا يمكن الإحاطة به أو الإلمام بما فيه... لم يعد التاريخ واحدا كما كان من قبل يسجل لأحداث العاصمة في أية دولة ـ القاهرة مثلا في مصر، وتونس العاصمة في تونس، وصنعاء في اليمن ـ وذلك على اعتبار أن العاصمة هي المركز وما دونها أقاليم لا يمكن لها القيام بدور في المشهد المركزي للعاصمة، بل هي التابع على الدوام، وما يقره المركز يندرج بالضرورة إلزاما على الهوامش التابعة ( بقية مدن وبلدان الدولة).

تغيرت هذه الرؤية الآن فأصبح التاريخ يبدأ من الهامش وليس من المتن، فعلي سبيل المثال ثورة الخامس والعشرين من يناير لعام ٢٠١١م في مصر فإن التاريخ الحقيقي الذي عايشته بنفسي لاندلاع أحداثها لم يكن من العاصمة المركزية القاهرة، وإنما بدأ مع مدينة السويس قبل هذا التاريخ بأسبوع كامل، وقد كنت شاهدا ولم أقرأ في كتب، فهل سيسجل التاريخ انطلاقة الهامش أم سيعتبر المتن هو الأساس، ويبدأ الثورة من ٢٥ يناير في القاهرة؟

ليس الحديث هنا عن مصداقية المؤرخ، ولكنه عن اتساع رقعة المشهد من جهة، وتحولاته الجوهرية من جهة ثانية... فالمؤرخ إنسان له مساحة من الرؤية ولديه مرتكزاته العلمية التي ينطلق منها، لكن ماذا لو كانت هذه المرتكزات هي الأخرى قد طالها التحول، وتغيرت نظريات ومنهجيات تسجيل التاريخ عالميا؟.

هل يمكن لأي سلطة حاكمة في أي دولة أن تسجل التاريخ على هذا النحو، أم أنها سترى فيه مغايرة بشكل أو بآخر لما يمس كرامتها أو كفاءتها أو قدرتها على إدارة البلاد أو أي شأن آخر مما سيجعلها تعتمد الوثائق التي ستبتعد حتما عن مساحة الاتساع التي شملها الواقع وستكتفي بالمركز الذي تتجمع فيه (مركزية الإدارة في دول الوطن العربي) عدا القليل من الدول؟.

هل سيكتب التاريخ من وجهة النظر التي تبحث عن الأسباب التي لا تدين الدولة أم أنها ستسجل الأحداث كما وقعت بكل معطياتها؟.

ومن الذي سيكتب هذا التاريخ ؟ وكيف؟ وبأية وجهة نظر؟.

هل سيكتب أن آليات الثورة في مصر –مثلا- هي غضبة الشعب بفعل ارتفاع معدل الظلم والطغيان؟، أم حادث خالد سعيد الذي كان مشابها لعشرات الحوادث التي لم تنل الإعلام الكافي وبالتالي سقطت من التاريخ؟، أم مؤامرة "الإخوان المسلمين"؟، أم المؤامرة الخارجية وبخاصة الدول التي ترغب في زحزحة مصر عن المشهد؟، أم شيخوخة النظام الحاكم وتجبره في آن؟، أم قانون الطبيعة الذي قد آن أوانه على طريقة قول الشاعر أبي البقاء الرندي: لكل شيء إذا ما تم نقصان؟.

هنا سيصطدم المؤرخ العربي بالتناقض بين الواقع وما يتداوله الإعلام، وبين الواقع وما يؤمن به في دراسته المتوارثة وما نتج عن ذلك من وجهة نظر تشكلت عبر سنوات طويلة وقراءات كثيرة، وبين الواقع وموقفه السياسي والاجتماعي والأيديولوجي، وغيرها من تناقضات ليست اختيارية، ولا تعود بالضرورة لأمانته العلمية أو المقاييس المعيارية للمؤرخ، وإنما ستعود لطبيعة المجتمع العربي التي هي في النهاية نتاج التعليم والثقافة السائدة.

الوقائع جميعها تشير إلى أن الشخصية العربية طرأت عليها متغيرات لا يمكن معها قياس حاضرها على نتائج دراسات وأبحاث تمت في الماضي وربما الماضي القريب جدا، فعلى سبيل المثال:

هل يمكن قياس السلوك السياسي للمواطن العربي الآن على ما كانت الدراسات الميدانية تعتمده من مرتكزات ونظريات سياسية تم التقعيد لها في الأدبيات السياسية سابقا؟ فقد حدثت تغيرات عديدة في سلوك هذا المواطن تحتاج للدراسة الآن، وبالتالي لكتابة تاريخها الآن، لأننا سنحتاج لذلك مستقبلا إن سلبا أو إيجابا.

هل يمكن قياس التحولات التي طرأت على بنية المجتمع العربي من انفصال جماعات واتحاد أخرى، وتغير متسارع في منظومة القيم أسفر عن تشكل ملامح مجتمع جديد يحتاج لدراسات جديدة وكتابة تاريخ جديد.

وماذا عن التاريخ الذي تتداوله الميديا (الأفلام والمسلسلات والبرامج التوثيقية المدفوعة بأغراض سياسية)، ألم يعد وعينا العربي العام يحتكم إلى هذه الميديا ويستقي منها معرفته عن التاريخ؟ تلك حقيقة لم تعد تقبل التجاهل، فالوعي العربي يحتكم إلى الدراما والإعلام بوصفها المصادر الأساسية للتاريخ، متناسيا أن الدراما في الأفلام والمسلسلات التي تتكئ على التاريخ يغلب فيها الجانب الدرامي على الجانب التاريخي، وإلا فلنستعرض الدراسات الإحصائية حول المعنيين بتتبع المصادر التاريخية من الوثائق والمدونات المرجعية؟ ناهيا بالطبع عن الأزمة الحقيقية في صياغة هذا التاريخ عبر مسيرة الأمة العربية، والتي أشرنا إليها في غير موضع من خضوع لنظرية الحكم، وتسجيل للتاريخ العسكري على حساب التاريخ الاجتماعي.

اقرأ ايضا:

[x]