العراقيون بذكرى "ليلة سقوط بغداد": الأمريكان لم يزرعوا سوى الأشواك ونافورات الدم ولغز الاجتياح لا يزال قائما

11-4-2018 | 22:36

سقوط بغداد

 

محمود سعد دياب

على الرغم من الدعاية المكثفة للمرشحين في الانتخابات البرلمانية في العراق، إلا أن الأيام الماضية لم تمر على العراقيين مرور الكرام، حيث تذكروا الفاجعة الكبرى التي وقعت منذ 15 عامًا وهي "ليلة سقوط بغداد" تحديدًا في 9 مارس 2003، والتي وقعت في ظروف غامضة لم يستطع أحد أن يحل لغزها حتى الآن.

سقوط بغداد


فقد تذكر العراقيون تلك الأيام الصعبة التي واكبت اجتياح القوات الأمريكية، بشكل متزامن مع تظاهرات حادة اندلعت الأيام الماضية تطالب بتحسين الواقع الخدمي، ومهاجمة المرشحين وبرامجهم التي تتلاشى بعد وصول قبة البرلمان.

لغز اجتياح بغداد
والمتابع للأوضاع قبل سقوط بغداد كان يجزم باستحالة دخول الأمريكان العاصمة العراقية، إلا أن شيئًا حدث لم يستطع أحد تفسيره وساعد على ذلك، استهداف الضربات الجوية فندق الرشيد ببغداد وهو مقر إقامة الصحفيين في اليوم السابق للاجتياح، مما أسفر عن قتل وإصابة مئات الصحفيين من مختلف الوكالات الأجنبية والعربية، ما تسبب في مزيد من الغموض حول عملية الاجتياح التي تمت في اليوم التالي بسهولة ويسر وسط اختفاء صدام حسين ولسانه الإعلامي محمد سعيد الصحاف وقوات جيشه، وكانت الساحة مفتوحة، في ظل وعود ومقدمات تعهد بها العراقيون المعارضون لصدام بإنهاء الاحتلال وجعل العراق نموذجًا للتنمية والإعمار والعدالة الاجتماعية، وما تلاه من إسقاط تمثال صدام حسين البرونزي الضخم في ساحة الفردوس ونهب الممتلكات العامة ومعسكرات الجيش .

تصريحات الصحاف التي كانت تناقض الواقع الذي تمر به بغداد، أصبحت ذكرى يستعيدها العراقيون كلما حلت ذكرى غزو بلادهم، وسقوط بغداد.

بتلك المشاهد بدأ تاريخ جديد في العراق وفي منطقة الشرق الأوسط بكاملها، تاريخ دموي عنيف فتحت خلاله نافورات الدم وانهالت معاول الهدم تحطم ما تبقى من معالم في هذه المنطقة التي شهدت ميلاد أبهى الحضارات وأعظم الصروح.

حيث جاء الأمريكان وحلفاؤهم بكل أدوات الفتك، وأرفقوا غزوهم بأكاذيب عن الجمرة الخبيثة، وما شابهها من أسلحة الدمار الشامل، وظلوا سنوات ينقبون العراق ويحفرون فيه بحثًا عن سراب، وحين لم يجدوا ما يحفظ ماء الوجه، لم يتأثروا كثيرا، وأعلنوا أنهم يحملون "الديمقراطية والحرية" إلى هذه البلاد التي أنهكتها "الدكتاتورية" وأذاقتها الأمرين.

سقوط بغداد


الأمريكان لم يزرعوا سوى الأشواك ونافورات الدم
مضت الأيام والشهور والسنون، وتعاقبت نافورات الدم وفورات العنف، وزاد الدمار والخراب واتسعت المأساة وامتدت إلى الجوار، حيث فقد مئات الآلاف من الأبرياء حياتهم، وأجبر أمثالهم على ترك مدنهم وقراهم ومنازلهم، بحثًا عن خيمة آمنة تأويهم وأسرهم، وكسرة خبر تقيم أودهم.

لم يهدأ العراق منذ ذلك الحين، فقد تصدعت بنيانه، واستنزف إلى أقصى الحدود حتى كاد أن يتحول إلى شبح دولة، بل وإلى شبح أكثر من دولة، ولا يزال العراقيون يحاولون، وإن بصعوبة، تغيير مسار "التاريخ الأمريكي" لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولولا ذلك لكان الحاضر ربما أشد خطرًا مما مضى.

المفارقة أن الإمبراطورية الأمريكية التي تمكنت بسهولة من تدمير تمثال صدام حسين وسط بغداد، لم تستطع بكل شعاراتها البراقة وادعاءاتها المدعومة بجبروت القوة الغاشمة، طيلة سيطرتها المباشرة على العراق من كتابة حتى مجرد سطر واحد مضيء في تاريخ بلاد الرافدين الجديد، لم يزرع الأمريكان في العراق إلا الأشواك والعواصف، ولم يحاولوا حتى التظاهر بأنهم يمهدون الأرض ليغرسوا "بذور" ديمقراطيتهم، لم يفعلوا ذلك بل حرثوا الأرض بالملح كما فعل الرومان مع قرطاجة.

اجتياح أمريكا واجتياح المغول
وإجمالي القول أن التاسع من أبريل عام 2003 يوم خلده التاريخ، مثلما خلد مآسي مرت على بغداد منذ عهود طويلة، إذ كثيرًا ما عرفت بغداد حروبًا وغزوات، أحرقتها تارة ودمرتها تارة أخرى؛ بداية من حروب الأشوريين والبابليين مع الممالك المجاورة، مرورًا باجتياح المغول بغداد ووضعهم كتب مكتبة عاصمة الخلافة العباسية كجسر مرور فوق نهر دجلة، نهاية بسقوط العاصمة العراقية بيد القوات الأمريكية.

سقوط بغداد


اختطاف السياسيين الجدد
العراقيون بعد غزو بلادهم، وإعلان القوات الغازية سيطرتها على بغداد، كان الكثيرون منهم يأملون عهدًا جديدًا؛ فالوعود التي سبقت الغزو كانت تؤملهم بتحويل البلاد إلى واحد من البلدان المتطورة؛ بفضل ما يملكه من ثروة وثراء، لا سيما أنه يملك ثاني احتياط نفطي في العالم؛ وهو ما سيجعل العراقيين شعبًا ثريًا.

لكن العراقيون بعد 15 عامًا اكتشفوا أن بلدهم مختطف من عصابات الإسلام السياسي والفاسدين الذين فرطوا بمصالح أهلهم من السنة والشيعة والأكراد والمكونات الأخر، فقد شهد العراق اغرب لحظة في تاريخه ، وأصعب موقف يواجه شعبه منذ تأسيس هذه الدولة المضطربة ، تضاربت المشاعر بين الأمر الواقع الذي دفع الولايات المتحدة إلى احتلال العراق بناء على حماقات صدام وغبائه السياسي والعسكري ، حيث فتح أبواب بلده أمام المؤامرات وأشكال الاستعمار القديمة والجديدة ، فالعراق سيصبح دولة محتلة ، والنظام الدكتاتوري الذي حكمه سيصبح في ذمة التاريخ ، ومستقبل البلاد إلى المجهول ، لكنّ آمال العراقيين ظلت معلقة بالمستقبل كما هو حالها دائمًا، موجات من الوعود والمنظمات والأحزاب التي رفعت لواء الحق والعدالة الاجتماعية وتعويض المواطن عن سنوات العذاب والحروب والقحط وإنهاء حالة التوتر والحروب والمجتمع المسلح ، ووعود بتوزيع الثروة والتنمية والنزاهة والتعليم الحديث ولحاق المجتمع والأجيال الجديدة بركب الحداثة والتطور المدني ، أسماء ومؤتمرات وبيانات واستعراض لنضالات ضد الديكتاتورية .

ولم يبخل العراقيون خلال تلك الفترة من دعم هذه الوعود فتفاعل مع خطوات القادمين المنقذين الجدد، أملاً في إنهاء حالة الاحتلال وتغيير كل شيء باتجاه بناء دولة ناجحة، انتخابات ودستور ومجالس وأحزاب ومؤسسات قائمة على نظام المحاصصة الطائفية البغيض الذي كان العائق الأكبر لأي عملية تنمية أو إصلاح والذي وضعه بطريقه خبيثة بول بريمر الحاكم الأمريكي السابق بعد الغزو.

الطائفية تسيطر على كل شيء
ولأول مرة بعد الغزو صار العراقيون يقتسمون مناطق سكناهم وفقاً للطائفة، حيث أصبحت بغداد لأول مرة مقسمة مناطقها، وصار سكانها يُهَجّرون من مناطقهم بعد نشوب الحرب الطائفية الداخلية، بين عامي 2005-2009، ليصبح سكان بغداد وللمرة الأولى يسكنون وفق تسميات مناطقية، فتحولت الأحياء إلى "سنية" و"شيعية".

آثار المرحلة الطائفية ما زالت مستمرة حتى اليوم؛ إذ تسببت أعمال خطف وقتل اعتمدها مسلحون من الطائفتين الشيعية والسنية، في ذلك الحينه، إلى كره دفين يعتمل في صدور ذوي الضحايا للطائفة الأخرى، وهو حال كلتا الطائفتين.

سقوط بغداد


أكثر البلدان فسادًا
التغيير الذي كان يعد به مناصرو غزو العراق، خاصة الأحزاب المعارضة للنظام السابق برئاسة صدام حسين، لم يُنفذ منه على أرض الواقع شيء، خاصة أن من أطلق تلك الوعود هم من يحكمون البلاد اليوم، وذلك ما يُجمع عليه العراقيون، وما تؤكده الأحداث.

فالبلاد تحولت بحسب تقارير عالمية متخصصة إلى واحدة من أكثر بلدان العالم فسادًا، وحملت العاصمة بغداد لقب أسوأ مدينة للعيش، وتؤكد تقارير محلية ودولية ارتفاع نسب الفقر والبطالة والأمية والأرامل والأيتام.

وزاد سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مناطق واسعة من البلاد في 2014 - 2017، من معاناة العراقيين، لتشهد البلاد نزوحًا لملايين السكان، فضلاً عن ارتفاع أعداد القتلى والمصابين، بسبب المعارك مع التنظيم، والتفجيرات وعمليات القتل التي كان ينفذها الأخير.

الخلاص من نظام صدام حسين كان أمل شريحة واسعة من الشعب، فقد رفعت معاناة العراقيين من الحصار الذي فرض على البلاد عقب غزو الجيش العراقي للكويت في عام 1991 من نسبة الرفض للنظام الحاكم؛ إذ عانى العراقيون من فقر وفاقة بسببه.

أما اليوم، وبعد 15 عامًا من غزو البلاد والإطاحة بحكم حزب البعث الذي كان يقوده صدام حسين، بدأ من كانوا مؤمنين بالتغيير يرون أن من حكموا العراق بعد عام 2003 هم أكثر سوءاً من نظام صدام، الذي كانوا يأملون الخلاص منه.

بين نهب الممتلكات وانتهازية السياسيين الجدد واجتياح الأمريكان .. ذكريات سوداء
وصفحات التواصل الاجتماعي في العراق، تؤكد جليًا أن العراقيين يسعون إلى تغيير آخر من جراء سخطهم من حكومتهم، حيث تناقل العراقيون وثائق مختلفة تؤكد فساد السياسيين والأحزاب الحاكمة، وكبار الشخصيات الحكومية، بينها مقاطع فيديو يعترف فيها سياسيون بقبولهم رِشاوي.

وكثيرًا ما يقارن العراقيون اليوم بين ما كان سائداً قبل 2003؛ من انعدام الفساد وارتفاع مستويات التعليم والخدمات المختلفة، لا سيما في قطاعات الصحة والكهرباء والماء، فضلاً عن الاستقرار الأمني، من جهة، وانهيار كل هذه القطاعات بعد هذا التاريخ من جهة أخرى.

حيث كتب هادي جلو مرعي رئيس المرصد العراقي للحريات الصحفية قائلا: "يوم 9 إبريل  2003 كنت عائدا من شهربان في ديالى إلى ضواحي بغداد، كان الألوف يقتحمون معسكرات الجيش وينهبون مافيها. عجوز وضعت في عباءتها عددًا من البنادق وآخرون يركضون في اتجاهات مختلفة لينهبوا أي شيء تقع عليه أيديهم. وصلت خان بني سعد وكان رتل للجيش الأمريكي يمر وسط البلدة ويغير المسار بإتجاه شارع محمد سكران.. غادرت إلى قريتي شرق بغداد فرأيت الجموع يقتحمون سايلو الحبوب وينهبون الحنطة والشعير وأكياس الرز وكل مايمكن حمله بينما عمد آخرون إلى مولدات الكهرباء الحديثة وكانت وزارة التجارة نصبتها قبل عدة أشهر واقتلعوا العقول الإلكترونية منها".

وتابع جلو مرعي قائلاً: "كان البعض يدخل مستودعات النفط ودوائر الدولة. سمعت حكايات غريبة عن سرقة مليارات الدنانير من المصارف والبنوك وتم حرق مؤسسات الدولة بدعم مخابرات دول جوار. زرت شورجة بغداد بعد أيام ووجدتها مخربة.. كان صدام توارى عن الأنظار وذاب حزب البعث كقطعة سكر. هجمت الجموع بعد ذلك لتؤسس قوى وأحزاب سياسية وديمقراطية ومشاركة إنتخابية ودستور وحينها بدأت اكبر عملية سطو على المناصب والمكاسب والأموال.. كان حال السياسيين الجدد يقول.. شكرًا صدام لأنك تركت لنا بعض البنى التحتية فليس لدينا وقت للبناء خاصة إننا سننشغل بنهب المال العام ونتصارع على القومية والطائفية والمحاصصة الحزبية".

أما حسين علي، أحد النشطاء المعروفين في مواقع التواصل بالعراق، عَبّر في منشور له على "فيسبوك" في ذكرى غزو البلاد، عن رأيه الذي يؤيده فيه شريحة واسعة من العراقيين، إذ يرى أن الأحداث التي تسبب بها من "حكموا" بعد صدام حسين لمّعت من صورة الأخير بفسادهم، وآخرون عبروا بنفس الطريقة.

الأكثر قراءة