الصراع يشتعل بين روسيا واليابان على جزر"الكوريل الجنوبية"؟.. وهذه الأسباب

6-4-2018 | 23:42

جزر الكوريل

 

محمود سعد دياب

دفعت الاحتجاجات اليابان ية على قيام روسيا و أمريكا بضخ استثمارات مشتركة في بناء محطات للطاقة في جزر الكوريل ، إلى الواجهة مرة أخرى أزمة ذلك الأرخبيل المشتعلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قبل 70 عامًا حتى الآن بين روسيا و اليابان ، حيث تعتبر الأولى المنطقة ضمن سيادتها منذ انتهاء الحرب، فيما تعتبرها الأخيرة ضمن ممتلكاتها.


أرض المعادن و الأسماك

وتعتبر جزر الكوريل من المناطق الغنية ب المعادن و الأسماك ، وتؤمن وصول الأسطول الروسي إلى المحيط الهادئ، تقع هذه الجزر الأربع في أقصى الجنوب، ولذلك فهي الأقرب إلى اليابان من سلسلة طويلة من الجزر البركانية، التي تتناثر على شكل قوس بين شبه جزيرة كامتشاكتا الروسية في الشمال، وجزيرة هوكايدو اليابان ية الكبيرة في الجنوب.

كما أن هذه الجزر غنية جدا بالمياه الحرارية و المعادن النادرة مثل الرينيوم ، الذي يستخدم في صنع محركات الطائرات الأسرع من الصوت، لكن أهم ما تتميز به هذه الجزر، حسب مراقبين، هو "الاحتياطات غير المحدودة للأسماك".

ومن وجهة نظر "استراتيجية" فإن الجزر تتحكم في الوصول الدائم إلى المحيط الهادي للسفن الحربية والغواصات الروسية المتمركزة في فلاديفوستوك، وذلك بفضل مضيق بين كوناشير وايتوروب، الذي لا يتجمد في الشتاء، وتحمي في الوقت نفسه بحر أوخوتسك من تدخل محتمل للغواصات الأجنبية.

وتشكل هذه الجزر التي تسميها روسيا "الكوريل الجنوبية"، و اليابان "الأراضي الشمالية"، جزءا في الوقت الراهن من منطقة سخالين الروسية في أقصى الشرق الروسي، وهي إيتوروب (ايتوروفو باللغة اليابان ية) وكوناشير (كوناشيري) وشيكوتان وهابوماي، لكنها ما تزال من وجهة نظر اليابان تابعة لمديرية هوكايدو ، و"تحتلها روسيا بصورة غير شرعية"، ويحول احتلالها دون توقيع معاهدة سلام بين البلدين.

وكان محافظ إقليم ساخالين الروسي قد كشف في مارس الماضي عن خطط لبناء محطتين لتوليد الطاقة تعملان بالديزل في "كوريل الجنوبية"، مبينا أن شركة استثمار أمريكية ستقوم ببناء إحدى المحطتين، الأمر الذي أثار احتجاج الحكومة اليابان ية، التي علقت على هذه التصريحات مبدية اعتراضها على قيام الجانب الروسي بجذب مستثمرين من دول أخرى لتنفيذ مشاريع في جزر كوريل الجنوبية.

وتفاوضت موسكو وطوكيو لعقود طويلة في أعقاب الحرب العالمية الثانية لتوقيع معاهدة سلام بينهما، إلا أن مشكلة جزر الكوريل الجنوبية شكلت العائق الأكبر أمام توقيع هذه المعاهدة.

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية تم ضم كامل أرخبيل كوريل إلى أراضي الاتحاد السوفييتي السابق، قبل أن تعود اليابان لتطالب بجزر كوناشير، إيتوروب، شيتوكان ومجموعة جزر هامبوماي مدعية أحقيتها بها، وأكدت وزارة الخارجية الروسية قد صرحت مرارا وتكرارا بأن هذه الجزر تخضع للسيادة الروسية، مؤكدة أن سيادتها تستند دون أدنى شك إلى قواعد القانون الدولي.

كما أعلن رئيس الوزراء اليابان ي شينزو آبي، في وقت سابق أنه يسعى إلى حل سريع "للنزاع مع روسيا حول جزر جنوب الكوريل الواقعة تحت السيادة الروسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقال آبي أمام الاجتماع السنوي للمؤتمر الوطني لاستعادة "الأراضي الشمالية" -وهي التسمية التي يطلقها اليابان يون على جزر الكوريل الجنوبية: "سكان الجزر السابقون يتقدمون في العمر، ونحن ننطلق من ضرورة الحل العاجل لمشكلة الأراضي الشمالية".

وتعهد رئيس الحكومة اليابان ية بأنه سيبذل كل جهد ممكن لدفع المفاوضات مع الرئيس الروسي وحل مشكلة هذه الأراضي، مضيفًا: "مضت الذكرى الـ70 لانتهاء الحرب العالمية الثانية، وعدم وجود اتفاق سلام بين اليابان و روسيا لا يمكن القول عنه إلا أنه خارج عن المألوف".


تاريخ حكاية "الكوريل – الأراضي الشمالية"
 

ويجري الاحتفال في اليابان بـ"عيد الأراضي الشمالية” في ذكرى التوقيع على معاهدة "شيمودا" مع روسيا القيصرية عام 1855، والتي انتقلت بموجبها الجزر الأربع إلى اليابان ، وتدفع طوكيو بأحقية ملكيتها لهذه الجزر استنادًا إلى هذه المعاهدة، وجعلت من مسألة استعادتها شرطا لعقد معاهدة سلام مع روسيا ، وهو الأمر الذي لم يتحقق منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وتقع جزر الكوريل فى منطقة سخالين اوبلاست، وهى أرخبيل بركاني يمتد تقريبًا بطول 1300 كم من شمال شرق هوكايدو إلى كامتشاتكا فى روسيا ، وتخضع جميع جزر الأرخبيل وعددها 56 لولاية روسيا ، غير أن اليابان تعتبر الجزر الأربع الواقعة في أقصى الجنوب جزءًا من أراضيها، ما أدى إلى نزاع جزر الكوريل الحالي.

نزاع تاريخي
 

ظهر الروس في جزر الكوريل في النصف الأول من القرن الثامن عشر، وبعد مرور 100 عام فرضت روسيا في واقع الأمر سيطرتها عليها، وكانت الخرائط الروسية والأوروبية الغربية حينذاك تصف سلسلة جزر الكوريل كلها بأنها جزء لا يتجزأ من الإمبراطورية القيصرية الروسية.

وفي عام 1786، حين وصل اليابان يون الأوائل إلى جزيرة ايتوروب وجدوا بعض أهلها الأصليين "أين" يجيدون اللغة الروسية، وفي 28 يوليو عام 1798 جاء اليابان يون ليزيلوا الشواخص الروسية وينصبوا أعمدة لهم تنص على أن هذه الأرض تعد ملكية لليابان الكبرى.

وقد أنشئت في جزيرة هوكايدو اليابان ية في عام 1802 الهيئة الخاصة باستيطان جزر الكوريل ، ومنذ ذلك الحين اكتسبت عملية التوسع اليابان ية طابعًا منتظمًا، وتقدم المبعوث الروسي نيقولاي ريازانوف الذي وصل إلى طوكيو عام 1805 باحتجاج للحكومة اليابان ية؛ بسبب أن كل الأراضي الواقعة شمالي ماتسماي أو هوكايدو تعد ملكية للإمبراطور الروسي.

لكن في عام 1855، وعندما كانت روسيا تخوض حرب القرم، والتي تسببت في إضعافها وجعلها توقع قسرًا على اتفاقية "سيمود"، التي تنازلت بموجبها لصالح اليابان عن جزر الكوريل الجنوبية "هابوماي وشيكوتان وكوناشير وايتوروب"، مقابل إحلال السلام الأبدي والصداقة الدائمة، وفي عام 1875 تم عقد اتفاقية بطرسبورج التي تنازلت روسيا بموجبها عن سلسلة جزر الكوريل كلها مقابل اعتراف اليابان بحق الملكية الروسية على جزيرة ساخالين ، أو تعهد اليابان بعدم الادعاء بأراضي لم تكن تملكها أبدًا.


بعد الحرب العالمية الثانية
 

تمكن الاتحاد السوفيتي في أثناء الحرب العالمية الثانية من إقناع حليفتيه بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية في الائتلاف المضاد لهتلر، بالموافقة على إعادة الاتحاد السوفيتي لأراضيه التي احتلتها اليابان ، وفي فبراير عام 1945 عقد في مدينة يالتا المؤتمر الذي توصل إلى اتفاق حول موعد دخول الاتحاد السوفيتي الحرب مع اليابان ، وذلك مع شرط أن يعاد إلى موسكو بعد انتهاء الحرب القسم الجنوبي من جزيرة ساخالين و جزر الكوريل .

وعقد في عام 1951 مؤتمر السلام في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية بهدف عقد معاهدة للسلام مع اليابان ، ورفض الوفد السوفيتي توقيع المعاهدة التي طرحت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا مشروعًا لها، فاقترحت موسكو تعديلاتها للمعاهدة، ولكن لم يتم أخذها بالحسبان.

وفي عام 1956 توجهت اليابان بطلب انضمامها إلى هيئة الأمم المتحدة، فتم توقيع البيان المشترك بين البلدين حول تطبيع العلاقات بينهما، وتشير بعض التقييمات إلى أن هذه الوثيقة كان من شأنها أن تضعف مواقف الاتحاد السوفيتي فيما يتعلق بمسألة حدودها، وكانت المادة التاسعة للبيان تنص على أن الاتحاد السوفيتي يوافق على "أن تسلم إلى اليابان جزيرتا هابوماي وشيكوتان، مع شرط ألا يتم ذلك إلا بعد توقيع معاهدة السلام بين الاتحاد السوفيتي و اليابان ".

كانت الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة تؤيد موقف اليابان في النزاع حول جزر الكوريل الجنوبية، وتبذل كل ما في وسعها للحيلولة دون تخفيف الموقف، فأعادت اليابان النظر في موقفها من بيان عام 1956 تحت ضغط الولايات المتحدة، وصارت تطالب بإعادة جميع الأراضي المتنازع عليها، واشترط الاتحاد السوفيتي لتوقيع معاهدة الأمن اليابان ية الأمريكية الجديدة إعادة جزيرتي هابوماي وشيكوتان إلى اليابان ، وانسحاب جميع القوات الأجنبية من أراضيها.

وردًا على ذلك، تقدمت اليابان باعتراض مفاده أنه لا يمكن أن يغير من جانب واحد مضمون البيان المشترك بين الاتحاد السوفيتي و اليابان ، والذي يعد معاهدة صادق عليها برلمان كلا البلدين، فوردت بعد فترة تصريحات من الجانب السوفيتي مفادها أن مسألة الأراضي في العلاقات بين الاتحاد السوفيتي و اليابان قد تم حلها في أيام الحرب العالمية الثانية، ولذلك فقد انتهت بحد ذاتها.

وكان البيانان المشتركان – السوفيتي و اليابان ي – اللذان تم اتخاذهما في عامي 1973 و1991، ينصان على أهمية توقيع معاهدة سلام بين البلدين وحل ما تبقى من مسائل النزاع التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، واعترفت طوكيو بأن روسيا هي الوريث الشرعي للاتحاد السوفيتي، وما تزال المباحثات التي كانت تجرى بين الاتحاد السوفيتي و اليابان في موضوع عقد معاهدة السلام مستمرة بين اليابان و روسيا الاتحادية.

في عهد فلاديمير بوتين
 

في عهد فلاديمير بوتين وكويدزوميو، أعرب الرئيس بوتين في عام 2005 عن استعداده لحل نزاع الأراضي طبقًا لبيان عام 1956، أو بالأحرى تسليم جزيرتي هابوماي وشيكوتان إلى اليابان ، لكن الجانب اليابان ي لم يوافق على الحل الوسط.

في يوليو عام 2007، قبِل سيرجي ناريشكين نائب رئيس الوزراء الروسي، اقتراحًا تقدم به ياسوهيسا شيوزاكي سكرتير مجلس الوزراء اليابان ي، بتقديم المساعدة في تطوير منطقة الشرق الاقصى الروسية، وذلك بغية تخفيف التوتر بين البلدين.

وكان الحديث يدور حول تطوير الطاقة الذرية ومد كابل الإنترنت عبر الأراضي الروسية؛ للاتصال بين أوروبا وآسيا وتطوير البنية التحتية، وكذلك التعاون في مجال السياحة وحماية البيئة والأمن، وكان قد نظر في الاقتراح في يونيو عام 2007 خلال قمة الثماني الكبار بين شينزو آبي رئيس الوزراء اليابان ي، وفلاديمير بوتين رئيس روسيا .

وقد جرى في 1 يوليو، اللقاء بين رئيس روسيا السابق ورئيس وزرائها الحالي دميتري مدفيديف، ورئيس الوزراء اليابان ي تارو أسو، ولم يسفر اللقاء عن حدوث أي تحريك في مسألة الأراضي.

ووسط أجواء وصفت بالحميمية، جرت زيارة الرئيس فلاديمير بوتين لليابان التى ورغم أنها أسفرت عن توقيع ما يقرب من 65 وثيقة منذ عام تقريبا، فإنها لم تفِ بما كانت تعقده عليها اليابان من آمال تحدوها منذ ما يزيد على السبعين عاما، بشأن استعادة جزر الكوريل .

مخاوف روسية من إقامة قواعد عسكرية أمريكية

وفى ختام زيارته لليابان أعلن الرئيس بوتين عن ضرورة التوقف عما وصفه بـ"البنج ــ بونج التاريخى" بين اليابان و روسيا فى إشارة إلى مشكلة جزر الكوريل العالقة بين البلدين، مشددًا على ضرورة إدراك أن المصالح الأساسية للبلدين تتطلب إيجاد تسوية نهائية لهذه المشكلة، وأماط في الوقت نفسه اللثام تجاه بعض مخاوفه تجاه ضرورات ومتطلبات الأمن القومي والمصالح الوطنية لبلاده، فى إشارة إلى احتمالات ظهور قواعد أمريكية فى منطقة جزر كوريل، قد تغدو قريبة من القواعد العسكرية ل روسيا فى فلاديفوستوك.

كما رفض بوتين مبادرة رئيس الوزراء اليابان ي، وخطته ذات الثماني نقاط لحل القضية "الأزلية" باستعادة اليابان للجزر الأربع، مقابل "مشروعات واستثمارات اقتصادية مشتركة هائلة" ، مؤكدًا أنه لن يفرط في حق بلاده نظير "اقتراحات أو عطايا" .

وقال بوتين في مؤتمر صحفي خلال زيارته اليابان سالفة الذكر: "إن الأدميرال بوتياتين (ولد أيضا في لينينجراد - المدينة الأم للرئيس الروسي بوتين) ابلغ اليابان في عام 1855 بموافقة الحكومة الروسية والإمبراطور، على تسليم جزر أرخبيل الكوريل التي كانت مملوكة ل روسيا لأنها هي التي اكتشفتها، إلى اليابان مقابل توقيع معاهدة سلام بين البلدين.

ومضى بوتين ليؤكد "إن اليابان لم تكتف فقط بهذه الجزر، حيث قامت بعد انتصارها على روسيا فى حرب 1905، بالاستيلاء على نصف جزيرة سخالين المجاورة، بل حصلت بموجب اتفاقية بورتسموث على حق إجلاء السكان الروس من هذه الأراضي .. ولم يمض من الزمن أكثر من 40 عاما حتى عاد الاتحاد السوفييتي، ليس فقط ليستعيد سخالين، بل وأيضا جزر الكوريل ".

وتقول الشواهد إن ما طرحه بوتين من اقتراحات تتضمن ملامح خطته بشأن حل قضية جزر الكوريل ، يحمل في طياته ما يمكن أن يدحض به أية محاولات لاحقة تستهدف المساس بحدود ما بعد الحرب العالمية الثانية التي كانت موسكو وكل البلدان الأوروبية قد وقعتها فى هلسنكى عام 1975 لوضع حد للنزاعات القائمة بهذا الشأن.

قضايا مشابهة أعقبت الحرب العالمية
 

ويذكر المؤرخون الكثير من القضايا الخلافية التى احتدمت بين البلدان الأوروبية بهذا الشأن، بما فى ذلك ما يتعلق بالأراضى التى استولى عليها الاتحاد السوفيتي فى المناطق الحدودية المتاخمة لفنلندا وتحديدا فى فيبورج وكاريليا، إلى جانب مقاطعة مثل لينينجراد التى لا ترتبط اليوم بأية حدود برية مع روسيا ، والمتاخمة لبولندا وليتوانيا، وكانت حتى الأمس القريب أراضى ألمانية تحمل اسم "كونبيجسبيرج" على ضفاف بحر البلطيق.

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]