المُبدع أحمد خالد توفيق.. وداعا!!

4-4-2018 | 23:08

 

في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وخلال رحلة شبه يومية في مترو مصر الجديدة الذي لا أنسى مقاعده ذات الشكل المنحرف وتأرجحه المتواصل، وكأنه يسير على أرضيه تهتز بفعل زلزال على مقياس 3 ريختر، لم يكن يسلي الركاب في رحلتهم سوى تصفح شعارات تعلو جدران طريق المترو مذيلة بتوقيع "محمود عبدالرازق عفيفي أديب الشباب"!
هكذا خلع الرجل على نفسه اللقب، ويبدو أن مقره الرئيسي كان عند محطة مترو مصر الجديدة، حيث يتواجد دائمًا مع فرشاة وعلب "البويات" لكتابة شعارات وجمل "خارجة" كلها تشكو التجاهل والتهميش وعدم تقدير المسئولين لمواهبه "الفذة"..

وانتهى به الحال بعد رحلة بحث شاقة بذلها الزميل العزيز وليد فاروق محمد في مجلة الشباب عام 2013 إلى التواجد في "مقرأة" يومية مسجد الإمام الشافعي، وقد فرض على نفسه عزلة شديدة؛ خاصة بعدما تعرض للسجن سنة بتهمة سب وقذف وزير داخلية أسبق!

تذكرت هذه القصة وأنا أتابع حالة الشجن التي صاحبت خبر وفاة الدكتور أحمد خالد توفيق، خاصة بين جيل التسعينيات، الذين اعتبروه أديبهم بحق، وتابعوا سلسلة كتاباته منذ "ما وراء الطبيعة" التي استمرت من عام 1993 حتى 2014، مثلما تابعوا وتربوا على سلسلة "رجل المستحيل" للدكتور نبيل فاروق.

وقد سعدت برغبته في مواصلة الكتابة في مجلة الشباب وقت أن تشرفت برئاسة تحريرها، وقد كان من بين جوقة كبيرة من الكُتاب الذين يدينون بفضل الانتشار لمجلة "الشباب" منذ عهد الأستاذ الكبير عبدالوهاب مطاوع حتى اليوم، لذا أتمنى لو أعادت مجلة "الشباب" نشر مقالاته فيها في كتاب منفصل.

وفاته دفعتني لإعادة الاستمتاع بقراءة عدد كبير من مقالاته الرائعة في مجلة "الشباب" ومراجعة ملخصات بعض كتبه، وكأنني أقرأ مقالاته لأول مرة، وهو بحق يستحق لقب أول كاتب عربي في مجال أدب الرعب والأشهر في مجال أدب الشباب والفانتازيا والسفاري والخيال العلمي.

وكونه طبيبًا ساعده على ترك بصمة واضحة في عالم الأدب، لا تقل أهمية عن غيره من الأطباء الذين احترفوا الأدب.. فأهم أستاذ في مجال تخصصه "طب المناطق الحارة" هو د. أحمد علي الجارم، وهو عالم جليل، وفى الوقت نفسه شاعر وعضو في المجمع اللغوي، وبالطبع من يلاحظ الاسم يعرف من هو أبوه، وعلاء الأسواني طبيب الأسنان، ومحمد المخزنجي الطبيب النفسي، ود. نجيب الكيلاني صاحب الروايات الإسلامية الشهيرة، وبالطبع يوسف إدريس، ومصطفى محمود.. ومن قبلهم إبراهيم ناجي الذي قال في كتابه (أدركني يا دكتور) "لعل أعرف الناس بالناس هم الأطباء، ولعل أقل الناس تحدثًا عن الناس هم الأطباء؛ ذلك لأن قلوبهم من فرط ما وعت ضاقت عن الإفضاء".

أثرت دراسته للطب على طريقة كتاباته وشخصياته، فأول شخصية له هو العجوز رفعت إسماعيل كان طبيبًا لأمراض الدم، وكذلك ناقش فترة التكليف للطبيب في المناطق الريفية في كتابه الساخر "الطريف في طب الريف"، كما أنه جعل أحمد عبدالعظيم - بطل سلسلة سافاري - طبيبًا يعمل في الكاميرون، حيث يسيطر طب المناطق الحارة والعديد من الأمراض.

أحمد خالد توفيق أمتع الأدب بالعديد من المقالات التي تتنوع بين السخرية والجدية عن الطب والعلم ومدعي العلم والأساطير الطبية، والعديد من المعلومات عن الأمراض وشركات الأدوية وغيرها من المعلومات التي تحتاج عبقريًا مثله لصياغتها بطريقة ساحرة تبهرك ولا تجعلك تشمئز لمجرد أن لها علاقة بالطب أو الأمراض.

ومن يتابع كتاباته عن كثب يجد أن ولعه بالطب والأدب معًا ساعده على الاحتفاظ بتوازنه النفسي، فعندما يتلقى ضربات في معرفته الطبية "وكان يحمل درجة الدكتوراه في طب المناطق الحارة" يتذكر أنه أديب، وعندما يحقق فشلاً جديدًا في عالم الأدب يعزي نفسي بأنه طبيب!

أقر الرجل واعترف بأنه لو لم يحصل على مجموع كاف في الثانوية العامة ودخل كلية أخرى، ربما دخل كلية الآداب كما كان يتمنى أصلاً.. كان يحلم بأن يكون أستاذًا للأدب الإنجليزي لكن أهله أرغموه على دخول الطب بسبب المجموع العالي، مثل كثير من الشباب الذين كان مجموعهم المرتفع وبالاً على هواياتهم التي ربما اندثرت مع دراسة الطب أو الهندسة.

تنبأ الكاتب الراحل، بموعد وفاته ودفنه بالضبط في روايته قهوة باليورانيوم، ففي الصفحة 62 من الرواية، بدأها قائلاً: "اليوم، كان من الوارد جدًا أن يكون موعد دفني هو الأحد 3 أبريل بعد صلاة الظهر.. إذن كان هذا هو الموت، بدا لى بسيطًا ومختصرًا وسريعًا، بهذه البساطة أنت هنا، أنت لم تعد هنا، والأقرب أنني لم أر أي شيء من تجربة الدنو من الموت التي كتبت عنها مرارًا وتكرارًا، تذكرت مقولة ساخرة قديمة، هي أن عزاءك الوحيد إذا مت بعد الخامسة والأربعين هو أنك لم تمت شابًا".

‏أحمد خالد توفيق لم يكن مجرد كاتب "زومبي" كما يقال، لكنه استطاع أن يرسخ لأدب الخيال العلمي بثقافة نادرة..

ففي دول العالم المهتمة بالأدب، كُتاب كبار تخصصوا في أدب الناشئة، علموا الفتيات والفتيان كيف يُمسكون بكتاب، فيقرأونه بشغف دفعة واحدة، ويطلبون المزيد، ليتدرجوا في الوعي مع كل كتاب، ولتصبح القراءة عندهم عادة.

‎وهكذا فعل أحمد خالد توفيق، لذا فهو ليس أقل من چ.ك.رولينج مؤلفة هاري پوتر..

يبدو أننا لا نعرف حقيقة ما نملك إلا بعد أن يفارقنا.

المُبدع أحمد خالد توفيق.. وداعًا!!

مقالات اخري للكاتب

وصفة الموت!

وصفة الموت!

غزو البطون وتأميم العقول!

غزو البطون وتأميم العقول!

زمن أولاد "صوفيا"!

الحديث عن عالم الروبوتات، لا ينبغي أن نحسبه كله شرًا مستطيرًا، بل فيه من الخير الكثير، صحيح أن البشرية ستدفع كثيرًا من إنسانيتها نظير إفساح المجال للاستعانة بها في شتى مجالات الحياة، ولا جدال أن الفاتورة ستكون أكثر كلفة في حال انحرفت هذه الروبوتات عن أهدافها السلمية..

يا ليتني كنت "روبوت"!!

فى عالم الغد، ربما يصل الإنسان إلى مرحلة تمنى أنه لو كان "روبوت"!!

من مفاجآت المستقبل؟!

بعيدًا عن كل الأخبار المأساوية التي تتصدر غالبًا نشرات الأخبار في كل دول العالم، من قتل ودمار، هناك عالم تكنولوجي متسارع لا تكاد تلتقط أنفاسك من كثرة عجائبه وغرائبه ومفاجآته..

آفة هذا الزمان؟!

قديمًا قال أمير الشعراء أحمد شوقي، يوم افتتاح نقابة الصحفيين في مصر في مارس من عام 1941: لكل زمان مضى آية .. وآية هذا الزمان الصحف .. لسان البلاد ونبض العباد.