قصة نبي الله سليمان عليه السلام (1-3)

5-4-2018 | 16:10

قصة النبي سليمان عليه السلام

 

علي شفيق الشيمي

قال مجاهد: ملك الدنيا أربعة: مؤمنان وكافران، فأما المؤمنان: "سليمان ابن داود" و"ذو القرنين"، وأما الكافران: "النمرود بن كنعان"، و" بُختنصر " والكل يعرف الحوار الذي دار بين النمرود، ونبي الله إبراهيم عليه السلام.

أما بُختنصر : وهو أحد أقوى الملوك الكلدانيين الذين حكموا بابل، قتل الكثير من بني إسرائيل وأحرق ما وقع تحت يديه من التوراة، وأبقى على النساء والأطفال ليكنوا عبيداً لأهل بابل حتى بلغ عدد الأطفال تسعين ألف طفل.

من هوسليمان بن داود عليهما السلام؟

هوسليمان بن داود بن أبشا بن عوير ويعود نسبه إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهما السلام.

وقال كعب الأحعلي بار: كان سليمان عليه السلام أبيض جسيماً ومضيئا جميلاً يلبس من الثياب البيض، وكان خاشعاً متواضعاً، يخالط المساكين ويجالسهم، ويقول مسكين يجالس مسكيناً، أختصه الله تعالى بنعم عظيمة منها: معرفة منطق الطير، قال تعالي: "وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ"(النمل16)، قال الإمام القرطبي: أي تفضل الله علينا على ما ورثنا من "داود" العلم والنبوة والخلافة في الأرض أن فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها، "وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ" أي: كل شيء تدعو إليه الحاجة؛ كالعلم والنبوة والحكمة والمال وتسخير الجن، وكل ما بين السموات والأرض، ومنها تسخير الريح: قال تعالى: "وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ" (الأنبياء81 )، وقال ابن كثير: إنه كان له بساط من خشب يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة من: الخيل، والجمال، الخيام، والجُند ثم يأمر الريح أن تحمله، فتدخل تحته ثم تحمله وترفعه وتسير به، وتظله الطير وتقيه الحر إلى حيث يشاء من الأرض، ومنها: أن الله أجرى له عيناً من نُحاس: قال تعالي: " وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ" قال ابن عباس وغيره: القطر النحاس المذاب، قال ذو القرنين: " قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا" قال المفسرون: أجريت له عين القطر ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، قال قتادة: أسال الله له عيناً يستعملها فيما يريد.

ومنها تسخيرالجن و الشياطين: قال تعالى: "وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ"( الأنبياء28) يعني: أن منهم من قد سخره في البناء ومنهم من يأمر بالغوص في الماء لاستخراج ما هنالك من الجواهر واللآليء وغير ذلك مما لا يوجد إلا هنالك.

وقال تعالى: "وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ" أي سخر الله له الجن والشياطين يعملون له ما يشاء ولا يخرجون عن طاعته، ومن يخرج عن طاعته منهم عذبه ونكل به، ومن يعصاه فقُيدوا مقرنين اثنين اثنين في الأصفاد وهي قيود، وهذا كله من جملة ما هيأه الله تعالى وسخره من الأشياء التي هي من تمام الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، ولم يكن أيضاً لمن كان قبله.

قلت: كان سليمان عليه السلام قد دعا ربه قال تعالى: " قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ" ( سورة ص 35).

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك" ثم قال: "ألعنك بلعنة الله" ثلاثاً، وبسط يده كأنه يتناول شيئاً فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله من قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك قال: "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث، ثم أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة"رواه مسلم والنسائي.

قصة نبي الله سليمان مع النملة:

قال تعالى: "وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ" (النمل 19، 18، 17).

وقوله: "وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ"أي الحشر: الجمع.

جُمع له جنوده من هذه الأجناس، وقد بالغ كثير من المفسرين مبالغة تستبعدها العقول ولا تصح من جهة النقل، ولو صحت لكان في القدرة الربانية ما هو أعظم من ذلك وأكثر. فكانوا في أعلى درجة من التنظيم، والتلاحم، والانقياد، تحرك نبي الله سليمان بجنوده "حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَايَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ"، فأمرت، وحذرت، واعتذرت عن نبي الله سليمان وجنوده بعدم الشعور، وفي هذا السياق دليل على أنه كان في موكبه راكباً في خيوله وفرسانه، لا كما زعم بعضهم من أنه كان على البساط بل كان يمشي على الأرض وجنوده.

ولما فهم خاطب تلك النملة إلى أمتها من القول السديد والرأي الرشيد، تبسم من ذلك على وجه الاستبشار والفرح والسرور بما أطلعه الله تعالى عليه دون غيره، ولهذا قال: "رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ" فطلب من الله تعالى أن يُقايضهُ للشكرعلى ما أنعم به عليه وعلى ما خصه به من الميزة على غيره.

**إلى هنا ينتهي الجزء الأول من القصة**

المصدر:  قصص القرآن وتفسير ابن كثير

[x]