"ألماطى".. جنة التفاح في الأرض وملتقى سحر آسيا وحضارة أوروبا | صور

25-3-2018 | 13:09

ألماطي

 

محمود سعد دياب

علي أرض " ألماطي " مدينة التفاح والعاصمة الثقافية لدولة كازاخستان بمنطقة آسيا الوسطى، يلتقي الشرق والغرب في منتصف طريق الحرير القديم المزمع، إعادة الحياة إليه في المستقبل القريب، فهي العاصمة القديمة لجمهورية كازاخستان تاسع أكبر دولة في العالم، التي تجمع ما بين سحر آسيا وجمال أوروبا، والتي تحتفل هذه الأيام بمرور 550 سنة على إنشائها في القرن السادس عشر، وهناك من يؤكد أن تاريخ إنشائها يعود لأقدم من ذلك.

وفي التقرير التالي، ترصد "بوابة الأهرام" في رحلة بجوانب " ألماطي " التي تقع وسط منطقة جبلية جنوب كازاخستان ، بالقرب من الحدود مع قرغيزستان ، ويفصل بينها وبين الأراضي الصينية جبال شو-ايلي التي تحوي وادي تامجالي وهو من مواقع التراث العالمي، وكانت العاصمة القديمة ل كازاخستان حتى عام 1998، عندما أنشأ نور سلطان نزارباييف مدينة "أستانا" كعاصمة إدارية جديدة لتصبح مركزا للحكم.

تعني كلمة " ألماطي "، التفاح باللغة التركية، والمجرية، والمنغولية"، و"ألما تا" هو اسمها القديم، وتعني "التفاح الأب"، وفي المناطق المحيطة تتمتع بتنوع جيني لايضاهى في الأوساط البرية، كما تضم مناطق جبلية تحيط بالمدينة وتشكل أسوارًا طبيعية، وبحيرات وسهول رسمت صورة خلابة ل مدينة التفاح ، وحكت قصصاً مشوقة عن التناغم ما بين الشعوب والحضارات القريبة، والسكان من 120 جنسية حول العالم.


البداية

مدينة التفاح .. مدينة الورود..مدينة الطبيعة الساحرة.. مدينة الشعلة الخالدة.. مدينة الألف لون ولون، مدينة الألف عام إنها آلماطي أكبر مدن كازاخستان وأعرقها.

يقول الدكتور أبو الفتوح صبري الباحث المصري المتخصص في الشئون الكازاخية، إن هناك اختلافًا حول تاريخ نشأة المدينة وتباينت أراء المؤرخون فهناك من ذهبوا إلى أن عمرها 160 عامًا فقط، مضيفًا، أن نورلان ايتيغيف نائب مدير معهد التاريخ والإثنولوجيا كشف له، أن تاريخ " ألماطي " ضارب في عمق التاريخ، وأن الباحثين الكازاخ منذ عام 2006 درسوا تلك القضية بشكل منتظم، مؤكدًا أن عمرها لا يقل عن 1000عام، حيث نشأت في القرن العاشر الميلادي، وكانت مركزا للحرف والتجارة.


مدينة المالطي

وأضاف، أنه تم اكتشاف بضعة عملات معدنية على أرض pogranuchilischa، وهي مدينة من القرون الوسطى، وقد وجدوا مكتوبا على العملات "وسكت في مدينة ألماطي "، موضحًا أن تاريخ هذه المدينة العريقة يعود إلى أزمنة بداية طريق الحرير القديم وكانت ولا زالت حافلة بالنشاطات على مر العصور وهي المركز المالي للبلاد حاليا.

وعزا الباحث المصري في الشئون الكازاخية، سبب الخلط في عمر المدينة، إلى اعتبار البعض أن " ألماطي " هي المدينة التي بنيت عام 1854 بعد تدمير حصن الحدود الروسية فيرني بسبب حروب شرسة، وكما سبق، فقد استخدم الاسم قبل ذلك في القرن السادس عشر، مضيفًا أنه في سجلات أويرات (Dzhungar) في القرن السابع عشر ذكر اسم " ألماطي "، عندما كانت هذه المنطقة قطعة من كازاخستان تحت الحكم اليوناني (Alimatay) والتي تعني باللغة الكازاخية (أبو التفاح)، ويقصد بها "المسالك حيث تنمو ثلاثة أشجار التفاح"، وسبب تسميتها ب مدينة التفاح ؛ لأن جميع أنواع التفاح في العالم يمكن أن تجدها تنمو هنا، كما تنمو أشجار التفاح البرية خارج المدينة.


مدينة المالطي

الموقع

تقع المدينة عند سفح جبال زايليسكي الاتاو على ارتفاع 1520-1750 مترا فوق مستوى سطح البحر، في أقصى الجنوب الشرقي للجمهورية..

والمناخ في المدينة قاري بشكل حاد مع تقلبات كبيرة في درجة الحرارة ليس فقط بين المواسم، ولكن أيضا بين أوقات النهار، كما ترتفع جبال تران إيلي ألاتاو، كجدار على طول الحافة الجنوبية للعاصمة وتخلق خلفية ممتازة عندما يكون الطقس صافيا.

" ألماطي " العاصمة..

أضاف الدكتور صبري، أنه خلال الفترة من 1927 إلى 1991 كانت ألماطي ثاني عاصمة لجمهورية كازاخستان الاشتراكية السوفيتية ذاتية الحكم، ومن 1991 إلى 1997 أصبحت أول عاصمة لجمهورية كازاخستان المستقلة، إلى أن تم نقل العاصمة عام 1997 تم نقل العاصمة إلى أكمولا ثم في 6 مايو 1998 إلى أستانا.

وأوضح أنه، وبالرغم من فقدان " ألماطي " قوتها السياسية والإدارية، إلا أنها لا زالت المركز الثقافي والمالي والاقتصادي للجمهورية الكازاخية، وأنه كثيرا ما يتم استخدام لقب "عاصمة كازاخستان الجنوبية" في الصحافة ويقصد بها " ألماطي ".


مدينة المالطي

الخضرة والثلوج معا

ولفت الباحث، إلى أن كل من يزور " ألماطي " يستمتع بمشاهدة المظاهر الخلابة الفريدة، حيث ينتشر اللون الأخضر والنباتات المختلفة في جميع أرجاء المدينة بجبالها وسفوحها، فضلا عن الثلوج البيضاء التي تكسو الجبال خلال فصل الشتاء وتستمر طوال فصل الصيف، مع شلالات النافورات في كل الشوارع الواسعة المستقيمة، ذات المباني والهياكل الفريدة ذات الطابع المنخفض.

ولفت إلى، أن المدينة تضم عددًا كبيرًا من المنتزهات والكثير من المساحات والنباتات النادرة، كما أن بها العديد من مباني الحقبة السوفيتية المتناغمة بشكل مذهل، وأن هناك الكثير من المسارح والمتاحف والمتنزهات الترفيهية والمطاعم والنوادي الليلية والكازينوهات.


مدينة المالطي

وألمح إلى أنه، لا يخلو ميدان في " ألماطي " من تمثال لشخصية كازاخية مميزة، حيث تضم العديد من المتاحف والمكتبات ومراكز البحوث، وأنه من أهم المتاحف المتحف الوطني للفنون الزاخر بالمعروضات الفنية، والذي تم إنشاؤه بمساعدة اليونيسكو ويستمع فيه الزائر بمشاهدة مجموعة متنوعة من الفنون الروسية وال كازاخستان ية من التحف القديمة والقطع الفنية الحديثة، فضلا عن المتحف الوطني المركزي والذي يتضمن معروضات وكنوزاً ذهبية فائقة الروعة من الحفريات، والآثار، التي تمثل حضارات مختلف الأعراق البشرية.

أضافة إلي تاريخ كازاخستان القديم حتى يومنا هذا، بالإضافة إلى النسخة الدقيقة المصغرة من "الرجل الذهبي" وهو الكنز الأثري الرئيسي للبلاد، ويتمثل في زي محارب مصنوع من 4000 قطعة ذهبية مزينة بزخارف حيوانية.

متناقضات مدهشة

وأضاف د. صبري، أن المدينة تشتهر بتناقضاتها الباعثة على البحث والدهشة والبهجة معاً، إذ ترى في بعض أجزائها الجاذبية التي جلبتها بيوت الموضة العالمية نتيجة لازدهار المدينة، في حين يحتفظ بعض أجزائها الأخرى بأصالته وسحره بما تتضمنه من دفء الماضي وعبقه.

ولفت إلى، أن من أهم المتنزهات منتزه "بانفيلوف"، وهو منتزه نباتي عظيم الشأن تتخلله تماثيل للمشاركين في الحربين العالميتين الأولى والثانية مع رموز تذكارية عديدة منتشرة على مساحة واسعة للغاية، تقع في وسط المدينة، لذلك يعد من أكبر المتنزهات وأكثرها تشويقا وإثارة للمشاعر والفخر بالماضي التليد، مضيفًا أن ساحة "بانفيلوف"، عرفت بالشعلة الخالدة؛ لأن نارها ما زالت موقدة منذ عقود، تكريما للجنود الكازاخ الذين استشهدوا في الحرب العالمية الثانية، حيث يزورها السكان من مختلف المناطق، يضعون الزهور، تحديدا في نهاية كل عام دراسي.


مدينة المالطي

أعلي مبني بلا مسامير

ويضم المنتزه، كاتدرائية زينكوفسكي المشرقة أو القيامة، وقد صممت بشكل جعلها تحافظ على حالتها الرائعة بعد مضي 111 سنة، وتم بناؤها من الخشب، دون استخدام المسامير، وما يميز هذا الهيكل الخشبي أنه مبني بواسطة تقنية قديمة فريدة عمليا بدون مسامير، وقد دخلت الكاتدرائية ذات القبة الخمسة والثالثة مع برج الجرس، المرفقة قائمة أطول مباني العالم المبنية بالكامل من الخشب.

وأضاف، أنه في الجزء الغربي من الحديقة تقع حمامات Arasan الممتازة، حيث توجد حمامات تركية وروسية وفنلندية، وعادة ما تنتشر الحمامات (السونا) في المدنية وفي كل المدن الكازاخية، بل هناك من يحرص على بناء حمام السونا داخل بيته في القرى، أو على أطراف المدن.

طبيعة خلابة

وفي الضواحي الشرقيَّة لمدينة " ألماطي "، يقع منتجع "شيمبولاك" في وادي "ميديو" وهي الوجهة السياحيَّة الأبرز في المدينةِ إذ تقع على ارتفاعِ 3200 متر عن سطح البحر.

والوصول إلي المدينة هو ضرب من المستحيل، دون الاستعانة ب التلفريك ، الذي يمتدُ على مسافة خمسة كيلو مترات ويتوقف على ثلاث محطات، ليتمكنَ السائح من اختبار درجات متعددة من الطقسِ البارد، أولها أعلى حلبة تزلج في العالم، ومنتجع شيمبولاك والقمة التي تكتسي باللون الأبيض طوالَ فترةِ الشتاء، وتتعاقب عليها ألوان الطبيعة الساحرة على مدى العام.

وجمعت مدينةُ التفاح، ما بينَ التاريخِ والتطور العمراني، ومختلف التضاريس الطبيعيَّة، التي يمكن رؤيتها على ارتفاع 1200 متر عن سطح البحر، على تل "كوك توبي"، بمعنى التل الأخضر، إذ يجمعُ التل ما بين الطبيعة الخلابة لحقول التفاح المفتوحة، والمزارع الصغيرة، وما بين الجزأين القديم، الذي تأثر بالطابع العمراني السوفييتي، والجديد بأبراج شاهقة ومراكز تجاريَّة فخمة.

البحيرة الكبرى

ومن بين الـ7 آلاف بحيرة التي تشتهرُ بها كازاخستان ، تتربع بحيرة " ألماطي " الكبرى، التي تبعد عن المدينةِ مسافة 30 كيلو متراً، على عرشها، الجنة وسط جبال "ألاتاو" الشاهقة الارتفاع، ومحاطة بثلاث قمم جبليَّة هي: "سوفيتوف" على ارتفاع (4317 م) إلى الجنوب الشرقي، "أوزيورني" وهو على ارتفاع (4110 م) إلى الجنوب، ومنحدرات الغابات "توريست" على ارتفاع (3954 م) إلى الجنوب الغربي.

وتقعُ على علو يصل إلى 4 آلاف متر فوق سطح البحر، وما يميز البحيرة التي تزودُ المدينة بـ50% من مياهها، اختلاف لون المياه فيها، حيث تكون ناصعة البياض في الشتاء، وتتحول إلى الزمردِ في الربيعِ، أما في الصيف، فتستوحي لونها من السماءِ ليصبح أزرق فيروزياً.

تاريخ عريق

وهذهِ الطبيعة، لا تغني عن التعرفِ على تاريخ أرضِ الأحرار أو كازاخستان ، التي تتشارك مع دولِ الخليج في كونها موطن البدو الرحل، والصيد بالصقور العملاقة، والعيش في الخيمِ المستديرة أو مايطلف عليها اسم الـ"يورت".

وكرمت المدينة تاريخها خلالَ الحربين العالميتين الأولى والثانيَّة في متنزهٍ "بانفيلوف"، بإنشاء صرح للأبطال الذين قضوا دفاعاً عن المدينة، إذ يتعرفُ السائح على الشعلةِ الخالدة التي تتوسطُ ساحة "بنافيلوفستيف" الموقدة نارها منذ عقود، تكريماً للجنود ال كازاخستان يين، الذينَ استشهدوا دفاعاً عن وطنهم.

المطبخ التقليدي

ويكشف الدكتور أبو الفتوح صبري ، أنه لا يفوت على  أي سائح أن يتذوق الأطباق العديدة والشهيَّة من المطبخ الكازاخي، ولم تبخل المدينة بتقديمه في عدد المطاعم التقليديَّة والعصريَّة على حد سواء، ويأتي في مقدمتها وجبة الـ" بيشبارماك " المكونة في الأساس من لحم الخيول، وهي كفيلة بإشعارك بالترحاب والاحتفاء، وهي الوجبة الأساسيَّة في الاحتفالات بأنواعها. الحلويات ضروريَّة في المطبخ الكازاخي.

وأضاف الباحث في الشأن الكازاخي، أنه بعد تناول وجبة دسمة من الـ" بيشبارماك "، إذ لابد من اختيار الحلوى التقليديَّة "تشاك تشاك"، وهي حلوى باردة تمزج ما بين حلاوة العسل الأصلي، ودفء الحليب، وهنا لا بد من الاختيار ما بين الحليب البقري، أو حليب الحصان، فضلا عن الشاي الساخن، سلاح ال كازاخستان يين ضد البرد والإرهاق، الذي يحوي الليمون والبرتقال والعسل الطبيعي.

ووسط جميع المعالم السياحية، يقع فندق فخم في موقع إستراتيجي ممتاز، يقارب طوله طول برج خليفة الإماراتي تقريبا ويعتبر أعلى مبنى في " ألماطي " بارتفاع 38 طابقاً، في برج إسنتاي، ويعتبر قبلة السياح؛ لأنه يبعد عن الجبال مسافة 15 دقيقة بالحافلة، أو السيارة الخاصة، في حين يبعد عن وسطِ المدينة نحو 20 دقيقة، فضلا عن عدد فنادق أخرى لعلامات تجارية فندقية عالمية.

وينتشر السائحون في المدينة، خلال الفترة من شهري مايو وأكتوبر تحديداً للاستمتاع بالمناظر الطبيعيَّة الخلابة، وهي تكتسي باللون الأخضر، لكن هذا لا يمنع أن يتجه السائح، إلى المدينة للتمتع بالطقس البارد خلال فصل الشتاء واختبار درجات الحرارة التي تصل حتى 20 درجة تحت الصفر، والاستمتاع بالثلوج تحت أشعة الشمس التي لا تتوارى عن الأنظار طوال 300 يوم في السنة.

ويمكن لـ63 جنسيَّة حول العالم الدخول إلى كازاخستان دون الحصول علي تأشيرة زيارة، من بينهم مواطنو دولة الإمارات، إذ تسعى الحكومة الكازاخية إلى تقليل الإجراءات الحكوميَّة على السياح لتزدهر السياحة، مع زيادة الأمن والاستقرار، وخصوصاً في مدينة " ألماطي " التي تحتضن أكثر من 120 جنسيَّة من بين مليوني شخص، يعيشون في تناغم وسلام.

الأكثر قراءة

[x]