الشركة العربية لإنقاذ أراضي فلسطين

25-3-2018 | 15:12

 

بدأ التفكير العربي في إنقاذ فلسطين اقتصاديًا في وقت مبكر من القرن الماضي، ففي العشرينيات طرحت فكرة تجميع أموال من العرب والمسلمين لتأسيس جامعة القدس العربية على غرار الجامعة العبرية في القدس التي أنشأتها الحركة الصهيونية عام 1918، وتم افتتاحها عام 1925، ولم يحدث..

ومنذ منتصف العشرينيات، قام المجلس الإسلامي الأعلى بمحاولات شراء أراض ووقفها إسلاميًا للحد من انتقالها بطرق ملتوية وبدعم بريطاني إلى اليهود، ولكن ضيق ذات اليد جعل المحاولات ضعيفة ومحدودة.

وفي بداية الثلاثينيات تأسست شركة تعاون عمال العرب الفلسطينيين المحدودة برأسمال ألف جنيه فلسطيني موزعة على ألف سهم وذلك لمواجهة البطالة وتوفير فرص عمل، كما تم إنشاء البنك الزراعي عام 1933.

محاولة أخرى بدأها الفلسطيني أحمد حلمي باشا الذي أنشأ عام 1931 صندوق الأمة العربية (شركة محدودة الضمان) لإنقاذ فلسطين، وبرأس مال بسيط يعتمد على الهبات، وهو الصندوق الذي أنقذ عشرة آلاف دونم وأفسد مساعي سماسرة الأراضي، وتضامن مع الفلاحين في المحاكم.

أما المحاولة المعروفة بالشركة العقارية العربية فقد قرأت بحثًا عنها للمؤرخ الدكتور خلف عبدالعظيم الميري، في مجلة كلية الآداب جامعة الزقازيق فرع بنها..

فقد بات لدينا اعتبارًا من 22 مارس سنة 1945 جامعة دول عربية (7 دول فقط)، وتضم لجنة اقتصادية ومالية، وفي الجلسة الثانية لمجلس الجامعة في 5 نوفمبر 1945 قال أمين عام الجامعة عبدالرحمن عزام إن اللجنة الاقتصادية اجتمعت في الإسكندرية في الصيف الماضي، ورأت أن يخصص في الحال نصف مليون جنيه مصري تزاد إلى مليون لإنشاء مؤسسة في فلسطين تعمل على إنقاذ الأراضي، ورأى الحاضرون من رؤساء الوفود أن على العرب محاربة اليهود بنفس السلاح، وهو جمع الأموال لإنقاذ أراضي فلسطين، مثلما تجمع الحركة الصهيونية الأموال لشراء أراضي فلسطين.

وقرر مجلس الجامعة تشكيل لجنة لبحث الموضوع اجتمعت في 8 نوفمبر في دار المفوضية العراقية في القاهرة ثم في مكتب رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي وعرضت مشروع قرار في نفس اليوم على مجلس الجامعة، يتضمن تشكيل لجنة من خمسة خبراء عرب تتقدم بتقرير عاجل.

ولكن مجلس الجامعة تلقى تقريرين، مصري وفلسطيني، فيهما الكثير من التفاصيل، لكن في النهاية أقر المشروع المصري في 28 مارس 1946، الذي يذهب إلى أن تدفع الدول حصصًا في المشروع بقدر نصابها المالي في الجامعة، وبذلك دفعت مصر 42% كنسبة مساهمتها في موازنة الجامعة حينذاك، والمشروع أصبح منشأة مالية على شكل شركة مساهمة محدودة، من بين أغراضها التسليف العقاري والزراعي والاستغلال الزراعي والتعليمي وعمل مزارع نموذجية.

وأخذت الإجراءات التحضيرية نحو عامين، في وقت كانت الوكالة اليهودية تجمع ملايين الدولارات في يوم واحد، كانت المسافة شاسعة بين عمل اليهود وعمل العرب، كانت دول عربية وإسلامية عدة محتلة، ولم تكن إمكانات دول الخليج البترولية قد ظهرت، ولم تكن الأسلحة الجيدة في يد أي جيش عربي، سواء فاسدة أو قديمة، كما أن الجامعة العربية كانت ومازالت ليست لها أي سلطة فوق وطنية، لا في التعاون الاقتصادي ولا في غيره.

وقررت الجامعة في أبريل سنة 1946 أن تكون القاهرة المقر الرئيسي للشركة العقارية لإنقاذ أراضي فلسطين باعتبارها شركة مساهمة مصرية، برأس مال مليون جنيه مصري، ويترأسها حافظ عفيفي باشا، وصدر المرسوم الملكي بإشهار التأسيس في 15 أغسطس 1947.

واستأجرت الشركة مقرًا في إحدى العمارات الكبرى في القاهرة، ومقرًا في المركز التجاري في القدس، وجاءت أحداث 1948، فبدأت الشركة تعاني تحت ضغط احتياجات الأهالي، واتساع مجال العمل، وبالتالي لم يعد رأسمالها يفي بالمطلوب منها، برغم القروض التي قدمتها للأهالي في الضفة وغزة، لتعينهم على البقاء.

حققت الشركة في السنة المالية الأولي خسائر، لكنها حققت أرباحًا في العامين التاليين، لكن النكبة ألقت بظلالها، فعاش العالم العربي حالة من فقدان التوازن، ما أثر على مساهمات الدول الأعضاء في الشركة، وارتفاع صوت بعض الدول بإغلاقها.

وشكلت الجامعة لجنة لبحث أحوال الشركة.. وجاء تقرير اللجنة بأهمية استمرار عمل الشركة ودعمها بكل الوسائل لمواجهة طوفان عمل المؤسسات اليهودية المشابهة.. ويلاحظ الدكتور خلف بأن المطلوب من الدول الأعضاء لم يكن كبيرًا لدرجة تعجز معها الدول الأعضاء، لكنها تداعيات ما بعد النكبة وانكفاء الدول العربية لبعض الوقت على ذواتها والانقسام المعتاد في ساحة العمل العربي المشترك.

وفي أبريل 1953 شرع مجلس الجامعة في تصفية الشركة، وتحويلها إلى مؤسسة مالية اندمجت سنة 1955 في بنك الأمة العربية ، ليظهر عنهما كيان جديد هو البنك العقاري العربي..

وإذا كان المال العربي لم يكن جاهزًا في تلك الأيام، أو لم يكن مثمرًا بما فيه الكفاية في القضية الفلسطينية، فإن المسألة مختلفة حاليًا، فإقامة مستشفى أو تجمع سكني أو مدرسة، أو جامعة، أو زراعة أرض خربة، وتعمير طريق مهترئ، أمر في منتهى الأهمية لفلسطين.. وعندما قال دونالد ترامب إنه سينقل السفارة إلى القدس، فإن الملياردير اليهودي شيلدون أديلسون تبرع بالتكاليف..

مقالات اخري للكاتب

لائحة بايدن

هناك أكثر من رأي يتناول الموقف المنتظر من الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، من مصر ودول عربية أخرى، فور دخوله إلى مكتبه في البيت الأبيض، بعد حسم الأزمة الحالية..

الحقيقة المطلقة

فجأة ومن دون مقدمات تأتي من الخلف سيارة تكاد تعمي من هم أمامها بأنوارها ومسرعة بشكل جنوني وغالبا تأتي عن يمينك مع أنه من المفترض أن من يريد الإسراع يستخدم الحارة الشمال، وتمرق، وكثيرًا ما تستخدم صوت الكلاكس الزاعق، ثم تلجأ إلي المقصات... إلى آخر ما نعرفه عن القيادة الرديئة..

الواقعية الجديدة في الخرطوم

الواقعية الجديدة في الخرطوم

لمسات الرئيس وحزبه

يبدو أن كثيرين مع اقتراب انتخابات الرئاسة الأمريكية باتوا يفضلون طرح السؤال عن تأثير فوز أحد المرشحين على العلاقات مع مصر..

التوسع التركي إلى أين؟

من حق الرئيس التركي أردوغان - بل من واجبه - أن يمد ذراعيه لتطال أوسع دائرة ممكنة في الإقليم، وهو لم يخفِ الغايات، وهي أنه لا ينبغي تجاهل تركيا، كما لم يحرص على مداراة الوسائل، وإن كانت لا تكترث بأي أحد أو أي تصورات عند البعض..

في ذكرى يوم العبور

اتخذ النصر في 6 أكتوبر 1973 مسميات كثيرة على لسان المصريين ولكن ظل "يوم العبور" واحدًا من أهمها معنى ومبنى، وصفًا وتجسيدًا، ودقة واتساعًا وشمولاً.. وبات

ضيقة الأزقة مرتفعة البناء

"ضيقة الأزقة مرتفعة البناء"، من كتاب "الفسطاط وضاحيتاها العسكر والقطائع" لعبدالرحمن زكي نقرأ: وقد قال روفس (طبيب إغريقي مشهور نشأ في أفسوس وازدهر اسمه في الإسكندرية في أثناء القرن الأول الميلادي): إذا ما دخلت مدينة فرأيتها ضيقة الأزقة مرتفعة البناء فاهرب منها لأنها وبيئة.

حدائق الفيس بوك

في جلسة خاصة جمعتني بالأستاذ السيد ياسين في معرض القاهرة الدولي للكتاب سألته: كيف يرى استعاضة المصريين عن اللقاء المباشر الحميم بإرسال التهاني والتعازي

القاهرة ـ الخرطوم رايح جاي

أن تستقل قطارًا من محطة مصر في القاهرة يحملك إلى الخرطوم هو حلم صعب ولكنه ليس مستحيلاً.. وهذا الحلم قديم، كما أنه فوق كل مائدة مباحثات بين الحكومتين المصرية والسودانية، حتى تلك الأخيرة في 15 أغسطس الماضي.

سيرة حمدي أحمد .. الفنان والسياسي

حياة الفنان حمدي أحمد تعد نموذجًا لشخصية أسطورية انطبعت على الأيام التي عاشها، ولم تتخل أبدًا عن سماتها المميزة، فهي مزيج من الشخصية المصرية التي تتراوح

أيام مع نجيب محفوظ (26) والأخيرة

لم يكن الأستاذ نجيب محفوظ يجيب أبدًا على سؤال يتعلق بما يكتب، ربما في مرات نادرة قديما وحديثا، ومن بين تلك المرات عندما سألته في مطلع العام 1994، وقبل

أيام مع نجيب محفوظ (25)

في ربيع عام 1992 وفي كازينو قصر النيل، حيث الندوة الأسبوعية لنجيب محفوظ، استغربت وجود شاب أمريكي يتحدث العربية ويدعى ريموند ستوك، وفي جلسات متتالية، وعرفني بنفسه بأنه باحث أمريكي يخطط لإصدار مؤلف عن الكاتب الكبير.

[x]