أحمد فضل شبلول يكتب: فنون الإبداع من التشكيل إلى السينما

22-3-2018 | 17:22

أحمد فضل شبلول

 

تعددت الأعمال التشكيلية المصرية، وتعدد مبدعوها، وأصبح لدينا تراث فني هائل في مجال اللوحة والصورة والنحت والحفر والخزف، وكل أشكال الإبداع الفني البصري الذي واكب في نهضته الحديثة ظهور فن آخر مرئي هو السينما الذي يعتمد أيضًا على الصورة البصرية.


وباتت السينما عامل جذب مهم، بخاصة للفنانين التشكيليين، مما خلق نوعًا من أنواع التفاعل بين اللوحة والمشهد السينمائي. واختير بعض الفنانين التشكيليين ليتولوا جوانب فنية في عالم السينما مثل الديكور والإضاءة والملابس والزخرفة، إلخ. بل دعا بعض المخرجين، ومنهم المخرج السينمائي محمد كريم، إلى الاستعانة ببعض ال لوحات الفنية لتزين حوائط المنازل أو الفلل أو الأستوديوهات التي يتم فيها التصوير السينمائي، وبذلك يتم الترويج لهذه ال لوحات من ناحية، ومن ناحية أخرى تضفي هذه ال لوحات منظرًا جماليًا للأماكن التي يتم فيها التصوير.

غير أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد في مجال التعاون بين عالم التشكيل وعالم السينما، بل وصل إلى إعداد أفلام وثائقية وتسجيلية عن الفنانين التشكيليين أنفسهم وعن أعمالهم الفنية سواء لوحات أو تماثيل.

وقد توقف المخرج السينمائي الفنان أحمد فؤاد درويش عند هذه الظاهرة الإبداعية، وقدم لنا إصدارًا مهما حمل عنوان "الإبداع من التشكيل إلى السينما.. تأملات في السينما الوثائقية المصرية"، وصدر عن سلسلة "ذاكرة الفنون" التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب ويرأس تحريرها الفنان عز الدين نجيب ، الذي أشار في مقدمة الكتاب إلى أن الأفلام التي تعرضت للفنانين التشكيليين وسجلت سيرهم وأعمالهم الفنية لم تظهر – إلا نادرًا جدًا – قبل منتصف القرن العشرين، ولم تتبوأ مكانتها الجديرة بها كفن قائم بذاته لتوثيق الفنون التشكيلية وروادها إلا بعد ثورة يوليو 1952 بخاصة بعد إنشاء المركز القومي للأفلام التسجيلية 1967 برئاسة الفنان التشكيلي حسن فؤاد.

ويشير نجيب إلى فيلم كان قد سبق إنشاء المركز عن الفنان الرائد محمد ناجي عام 1957 قام بإخراجه إحسان فرغلي بتكليف من الأديب يحيى حقي رئيس مصلحة الفنون آنذاك.

وقد عكف الفنان أحمد فؤاد درويش على تقصي وتتبع الأفلام التسجيلية أو الوثائقية التي عنيت بأعمال الفنون التشكيلية، بما فيها أفلامه هو، فجاءت مادة هذا الكتاب الذي بين أيدينا، والذي لم يكن مجرد سرد للتطور التاريخي للأفلام التي أنتجت عن الفنون التشكيلية فحسب، بل تطرق درويش إلى عرض الرؤى النظرية لجماليات الصورة السينمائية التي تتماس مع الرؤى التشكيلية، انطلاقًا من أن الشريط السينمائي ليس مجرد أداة لنقل المعلومة وتوثيق الأعمال التشكيلية كصور ثابتة، بل هو عمل فني مستقل يحمل البصمة الذاتية لمبدعه.

ويشير عز الدين نجيب – في مقدمته - إلى أن مصر تفتقر إلى أرشيف متكامل للأفلام الوثائقية عن الفنون التشكيلية، ويدعو وزارة الثقافة إلى تبني مشروع قومي لإنتاج سلسلة من الأفلام الوثائقية عن شتى المتاحف والمعارض والمراسم وأعمال الفنانين بأجيالهم المتلاحقة.

ويرى درويش أن هناك فرقًا بين الفيلم التسجيلي والفيلم الوثائقي، ويوضح أن الفيلم الوثائقي هو الفيلم الذي يختار من الواقع حدثًا أو مناسبة أو من الفنون التشكيلية، بحيث يحول هذا الحدث الواقع المعاش حاليًا أو واقعًا ماضيًا أو متخيلًا أو مستقبليًا، إلى سينما ليست خيالية بالكامل، وليست واقعية تمامًا، لأن المخرج وكاتب السيناريو والمونتير ومؤلف الموسيقى التصويرية ومهندس مزج الأصوات، يتدخلون بفكرهم وخيالهم للوصول لعمل اسمه الفيلم الوثائقي.

في حين يرى الكاتب جون هيوارد لوسن، صاحب كتاب "الفيلم في معركة الأفكار"، أن الفيلم التسجيلي يغطي المساحة التي من الصعب تحديدها، ويتعامل مع كل شيء على الأرض أو في أعماق الحياة. إن موضوعاته الممكنة تمتد مع كل تقدم في معارف الإنسان، فيما يرى المفكر بازل رايت أن الفيلم التسجيلي هو طريقة لتناول فرع من فروع المعرفة وطريقة للاقتراب من الإعلام الجماهيري مع تمسكه بأن الواقع بداية انطلاق وأساس جوهري للفيلم التسجيلي.

ويتوقف أحمد فؤاد درويش عند أولى المحاولات التي قام بها الفنان سعد نديم (رائد الجيل الأول) عام 1947، فكان فيلم "الأجنحة الملونة"، أعقبها في عام 1963 بفيلم "حكاية من النوبة" الذي يعتمد – كما أشار الناقد السينمائي كمال رمزي – على لوحات رسمتها كتيبة من أفضل التشكيليين المصريين ذهبت إلى النوبة لتسجل جوانب حياة النوبيين كافة قبل أن ينتقلوا إلى مساكنهم الجديدة في كوم أمبو أثناء وبسبب بناء السد العالي حوالي العام 1960.

وعلى ذلك، يعد فيلم "حكاية من النوبة" – من الناحية التاريخية - هو أول فيلم مصري يعتمد على لوحات .

وقد أعجب درويش أيما إعجاب بفكرة تحويل لوحات تشكيلية إلى فيلم سينمائي، حيث كانت الفكرة في حد ذاتها مبهرة لشاب عمره 16 عامًا فقط. وهو ما أثمر بعد ذلك فيلم درويش الأول "وجوه من القدس" عام 1969.
ونعود إلى عام 1960، حيث كانت أول تجربة للسينما الوثائقية المصرية مع "تطبيقات" الفنون التشكيلية الشعبية المصرية تحت اسم "أفلام عن بلادنا"، وهي عشرة أفلام وثائقية (فنية) كتب لها السيناريو وأخرجها وأنتجها لحساب التلفزيون العربي (المصري) الفنان سعد نديم، وهي الأفلام: التطعيم بالصدف، العاج، الأبنوس، في الأخشاب، الكليم والسجاد، مشغولات الذهب، الخيام والأعلام، الحصير والغاب، الفخار، الزجاج البلدي، الجلود، النحاس، النجارة البلدي، العربي كالأرابيسك والمشربيات.

ثم أنتج نديم بعد ذلك فيلمًا عن الفنان التشكيلي راغب عياد عبر تقديمه السينمائي ل لوحات أوضحت ميل عياد لرسم الحياة الشعبية المصرية بحيويتها وما بها من طاقة تعبيرية درامية في الموالد والمقاهي والأفراح والفلاحين وفي أسواق الزراعة.

ويوضح درويش أن نديم قدم بعد ذلك موضوعًا سياسيًا هو "طريق السلام"، ثم قدم فيلمه "الفن المصري المعاصر"، وفيه يمزج بين ال لوحات والفنان الذي رسمها. وفي عام 1970 قدم نديم فيلمه المهم "الفنون في خمسين عامًا".

ويتابع أحمد فؤاد درويش سلسلة من الأفلام الوثائقية التي اتخذت من الفن التشكيلي والفنانين عالمًا من الإبداع، ومنها فيلم لأحمد خورشيد "من أعماق الطين"، ثم أفلام عائلة التلمساني ومن بينها: حسن التلمساني (والد مدير التصوير طارق التلمساني) وعبد القادر التلمساني، وقد قدم الأخوان التلمساني فيلم "14 قرنًا على نزول القرآن الكريم" ويقول درويش: "قد يرى البعض أن هذا الفيلم ليس من أفلام الفنون التشكيلية إلا أنني أراه في جوهره عملًا تشكيليًا من حيث استعراض الفيلم لفن الخط العربي القرآني والنوعيات المختلفة للمخطوطات التي تحوي آيات القرآن الكريم، ومن حيث تقديمه لفنون التذهيب والتجليد".

ثم قدم حسن التلمساني بعد ذلك فيلم "فن الفلاحين" عن تجربة رمسيس ويصا مع فلاحي وفلاحات قرية الحرّانية.

ويتوقف درويش عند تجربة أحمد كامل مرسي في فيلميه عن الفنانين محمود سعيد ويوسف كامل، وهو يرى أن ما قدمه مرسي مجرد تسجيل سينمائي لبعض لوحات مدهشة للمصور العظيم محمود سعيد وللمصور البارع يوسف كامل.

كما يتوقف عند ولي الدين سامح وفيلمه عن المثّال محمود مختار، وإحسان فرغل وفيلمه عن الفنان محمد ناجي، وعند المخرج خليل شوقي وفيلمه "تطور النحت في مصر"، وفيلم توفيق صالح عن فن العرائس والقُلة، وواصف عزيز وفيلمه عن رمسيس يونان، وتجربة مختار العطار في أفلامه التليفزيونية، ليغلق بذلك ملف الجيل الأول.

ويفتتح ملف الجيل الثاني بشادي عبد السلام وأفلام "آفاق" و"كرسي توت عنخ آمون"، و"الأهرام وما قبلها"، و"عن رمسيس الثاني"، ثم يتحدث درويش عن دليل شادي عبد السلام إلى فيلم "المومياء" وكانت مناسبة أن يتحدث عن الفنان صلاح مرعي (توأم إبداعي شادي) وفيلمه "آفاق 96"، ثم ممدوح شكري وفيلم "دنشواي"، وناجي رياض وفيلمي "كا" (قرين الروح والجسد للمتوفي في مصر الفرعونية) و"شنق زهران"، ومنى مجاهد وفيلمي "المرأة في رسوم الفنانين" و"جمال كامل".

وبالنسبة لفيلم "المرأة" فمدته 15 دقيقة عام 1971، حيث عرضت المخرجة منى مجاهد ل لوحات جورج البهجوري ويوسف فرنسيس وسيف وانلي وغيرهم، وقد لاحظتُ – من خلال عرض درويش – أن مجاهد لم تتعرض للمرأة في أعمال محمود سعيد وما أكثر لوحات ه عن المرأة المصرية، ويكفيه في ذلك "بنات بحري".


ثم يتعرض درويش إلى الجيل الثالث، ذاكرًا أنه يأتي (هو) في طليعة ذلك الجيل، متحدثًا عن فيلمه – الذي سبق الإشارة إليه - "وجوه من القدس"، وفيلم "امرأة وديك وسمكة" وهو عن الفنان حامد ندا، موضحًا أن الفيلم دون كلمة تعليق واحدة، حيث يستمع المشاهد لصوت البيانو فقط بأداء مارسيل متى.

أيضًا قدم درويش فيلمًا عن الفنان عبد الهادي الجزار، وعن "مراكب الشمس" التي اكتشفها كمال الملاخ.

ثم يتحدث عن لطفي الطنبولي وفيلم "من الإسكندرية إلى النوبة"، وعلي دسوقي وفيلم "بنات الغورية"، وزينب عبدالعزيز وفيلم "أوغندا منابع النيل"، لينهي حديثه عن أعماله بفيلم "عبد الناصر.. أمس واليوم وغدًا" الذي قدمه عام 2008.

ولا يفوت درويش أن يشير إلى عدد من أفلام الجيل الثالث من أمثال المخرج داود عبد السيد وبخاصة فيلمه "العمل في الحقل" عن الفنان حسن سليمان، وفيلمه عن "الناس والأنبياء والفنانين" في بعض لوحات راتب صديق. وخيري بشارة وفيلم "حديث الحجر" عن منحوتات عبد البديع عبد الحي، وسمير عوف وفيلم "القاهرة 1830"، وفيلم محمد شعبان عن الفنانة إنجي أفلاطون، ونادية زكي وفيلم "فنان الخردة" وهو عن إبداعات الفنان صلاح عبد الكريم، وعواد شكري وفيلم "القرية الفرعونية".

ومن الجيل الرابع يقدم لنا أحمد فؤاد درويش المخرج جمال قاسم الذي قدم موديلات عارية في لقطات فوتوغرافية (فقط) للسيدة حميدة الموديل المفضل لعبقري التصوير محمود سعيد بالإسكندرية. ويوضح درويش أن هذا الفيلم يمثل طموحًا ثقافيًا لقاسم. كما يتحدث عن أحمد راشد وفيلمي "300 فنان" و"فن الباتيك". كما يتحدث عن هاشم النحاس وأشرطة تشكيلية ومنها شريط "ألوان" عبارة عن رؤية للمخرج في عام 1998 في لوحات الفنان فاروق حسني التجريدية دون تعليق، وشريط "نداء أحمد نوار" وهو تجربة لعرض أعمال أحمد نوار دون صوت ودون أية حركة للكاميرا، وشريط "صيحة أحمد شيحا"، وشريط احتفالية ذكرى محمود سعيد بالإسكندرية، وشريط "عروس البحر.. أزميرالد" عن الفنانة أزميرالدا حداد في بيتها ومرسمها ومعرضها. وشريط "قوارير محمد مندور" عن فنان الخزف الموهوب بالفطرة محمد مندور.

ويختم أحمد فؤاد درويش كتابه - المزين بالصور وال لوحات التي ورد ذكرها في ثنايا حديثه - بالحديث عن الجيل السادس الذي يخضع حاليًا لعلم الإلكترونيات وتطبيقاته على معدات فنون المرئيات، وهو يتمنى أن تصبح تلك الإلكترونيات في أياديهم، ومنها الموبايل، أداة إبداع وليست أداة لهو وعبث فقط، حتى يكمل هذا الجيل، ومن بعده، إبداعات أجيال سابقة، زرعت ولم تحصد، ولولا إحساسها العميق بالمسئولية، لما كانت هذه الثروة الهائلة من الفنون التشكيلية في السينما المصرية.

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]