آخر حرب بينهما منذ قرنين .. أوكرانيا وسوريا تشعلان أزمة حرب الجواسيس بين روسيا وبريطانيا

17-3-2018 | 13:32

سيرجي سكريبال

 

محمود سعد دياب

تصاعدت حدة التوتر بين روسيا و بريطانيا على خلفية أزمة سياسية حادة بين البلدين فجرتها لندن بعد ما وصفته بهجوم كيميائي استهدف تسميم العقيد السابق سيرجي سكريبال وابنته يوليا في مدينة سلزبوري جنوبي بريطانيا مطلع الشهر الحالي، ذلك الصراع الذي تم إقحام اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واتهامه بالتورط في الأمر، وهي المرة الأولى التي يوجه فيها اتهام لرئيس روسي على لسان مسئول بريطاني رفيع المستوى.


ويتمحور مشهد العلاقات المتأزمة بين لندن وموسكو في تهديدات بريطانية شديدة يواجهها غضب روسي وإنكار لتورطها في القضية، ووسط هذه الحرب الكلامية المستعرة بين البريطانيين والروس، أعلنت كل من الولايات المتحدة ودول من الاتحاد الأوروبي دعمها للموقف البريطاني وهاجمت روسيا ، وأسفر هذا التصعيد البريطانى تجاه روسيا ، عن عقد مجلس الأمن الدولي، اجتماعا طارئا، مساء الأربعاء، حول هذه القضية، حسبما أعلنت الرئاسة الهولندية الحالية للمجلس.

قمة الصراع
الصراع وصل قمته صباح اليوم، بإعلان موسكو طرد 23 دبلوماسيًا بريطانيًا ومنحتهم مهلة أسبوع للمغادرة، واستدعت السفير البريطاني لديها لوري بريستو ، وأبلغته ردها على العقوبات التي فرضتها لندن إثر قضية تسميم ضابط الاستخبارات الروسي السابق في بريطانيا ، كما أعلنت سحب موافقتها على فتح قنصلية بريطانية في مدينة بطرسبورج شمال غربي روسيا ، ووقف نشاط المجلس الثقافي البريطاني في روسيا .

العقوبات البريطانية
العقوبات المفروضة من بريطانيا على موسكو، تتضمن ترحيل 23 دبلوماسيا روسيا في الأيام المقبلة، وهو الأمر الذي رفضته موسكو، ووصفت الاتهامات بأنها باطلة ولا تستند إلى أي دليل.

وقالت تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية، الأربعاء الماضي، إن بريطانيا ستخفض مستوى تمثيل الوفد البريطاني في فعاليات بطولة العالم لكرة القدم في العام الجاري في روسيا ، ولن يزورها مسئولون رفيعو المستوى أو ممثلون عن العائلة الملكية، وأن بلادها منحت 23 دبلوماسيا روسيا مهلة أسبوع واحد لمغادرة البلاد، وقالت ماي خلال كلمة أمام البرلمان البريطاني:" لن يذهب كبار مسئولينا وأعضاء العائلة الملكية إلى كأس العالم في روسيا ."

وأكدت ماي أن بريطانيا ستوقف جميع الاتصالات الثنائية مع روسيا معلنة أنها سحبت الدعوة الموجهة لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف لزيارة لندن، وقالت ماي في كلمتها: "بعد هذه الحادثة المشينة، لا يمكننا إبقاء العلاقات على نفس المستوى السابق… لذا نحن نوقف الاتصالات الثنائية، بما في ذلك نسحب دعوة وزير الخارجية سيرجي لافروف "، منوهة إلى أن لندن على خلفية قضية سكريبال ستشدد من التفتيش الجمركي وتفتيش الطائرات الخاصة.

الرد الروسي 
فيما أكد سيرجي لافروف ، وزير الخارجية الروسي، أن بريطانيا لم تقدم أي دليل على ضلوع روسيا في تسميم الضابط السابق في الاستخبارات الروسية سيرجي سكريبال ، وقال لافروف في تصريح لوسائل الإعلام الفيتنامية واليابانية، إن "كل كلمة من الاتهامات البريطانية تتطلب تأكيدا. ولكن لا يقدم أحد شيئا. وعندما تم بحث هذه المسألة في البرلمان البريطاني، طلب زعيم حزب العمال جيريمي كوربين إطلاع البرلمان على نتائج التحقيق. ولكنهم رفضوا طلبه".

وأضاف لافروف أن روسيا لا تزال تنتظر طلبا رسميا من بريطانيا ، واللجوء إلى الإجراءات التي تنص عليها اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، مشيرا إلى أن إعلان رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي واستدعاء السفير الروسي لا يعتبر طلبا رسميا.

اتهامات روسية: نوفيتشوك ملك الأمريكان
وأشار إلى أن رفض الجانب البريطاني توجيه الطلب الرسمي وقيامه بتأجيج الخطاب المعادي ل روسيا ، يدل على أنهم يدركون أنه ليس لديهم أي أساس للقيام بخطوات قانونية.

وأضاف أن روسيا قدمت العديد من الوقائع، التي تدل على أن الأبحاث المتعلقة بالمواد السامة المستخدمة لإنتاج غاز الأعصاب " نوفيتشوك "، لا تزال مستمرة في العديد من الدول، بينها الولايات المتحدة و بريطانيا وتشيكيا والسويد، وأن بعض المواد السامة من نفس النوع بقيت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي لدى مختلف جمهورياته السابقة، بما فيها دول البلطيق و أوزبكستان ، مشيرا إلى أن المختبر الكيميائي في أوزبكستان قام بتفكيكه خبراء أمريكيون.

وتابع أن رفض الجانب البريطاني مناقشة تلك الوقائع التي تم تقديمها من الجانب الروسي يثير تساؤلات، معربًا عن أمله بشفاء سكريبال وابنته لكي يتمكنا من تسليط الضوء على ما حدث، مشيرا إلى أن بريطانيا لا تريد ذلك، وقد سارعت باستخلاص الاستنتاجات.

واعتبر الاتهامات البريطانية التي تقول إنه "من المرجح" أن تكون روسيا وراء حادثة سكريبال، غير جدية، و"غير كافية لمثل هذه الأعمال الاستفزازية، مثل طرد دبلوماسيين والتهديد بتوتير العلاقات لاحقا".

وجدد لافروف التأكيد على أنه لا توجد لدى روسيا أي دوافع للقيام بما تتحدث عنه بريطانيا ، خاصة في هذا التوقيت، أي قبيل الانتخابات الرئاسية واستضافة روسيا لكأس العالم لكرة القدم.

واعتبر أن لندن تحاول صرف الانتباه عن القضايا الداخلية المتعلقة بـ " بريكست " والمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي.

في الوقت نفسه، أكد الكرملين، أن إقحام وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون اسم الرئيس فلاديمير بوتين في القضية، أمر صادم ولا يمكن التسامح معه، وقال الناطق الصحفي باسم الكرملين دميتري بيسكوف أمس: "لقد قلنا على مختلف المستويات، وبمختلف المناسبات، إن روسيا لا علاقة لها بهذه القصة. وأي ذكر لاسم رئيسنا في هذا الصدد ليس إلا تصرفا مثيرا للصدمة لا يمكن التسامح معه من الناحية الدبلوماسية".

وقال جونسون في تصريحاته: "ليس لدينا أي شيء ضد الروس أنفسهم. ولن تكون هناك أي روسوفوبيا (رهاب من الروس) نتيجة لما يحدث الآن"... "إن خلافنا مع الكرملين بقيادة بوتين وقراره، ونحن نرجح أن هذا كان قراره، التوجيه باستخدام غاز الأعصاب في شوارع بريطانيا وشوارع أوروبا لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية".

خبراء: قضية سكريبال حجة
ووفقا لخبراء في العلاقات الدولية، فإن حادث تسميم الجاسوس الروسي ليس سوى فتيل يجدد إشعال أزمات وخلافات أخرى بين الطرفين، إذ كشفت حدة اللهجة الحادة المتبادلة بين لندن وموسكو العلاقات المأزومة بين الجانبين منذ فترة.

وأشار مراقبون إلى تزايد عمليات اقتراب الطائرات والسفن الروسية من المياه الإقليمية البريطانية، ما دفع بلندن إلى تصعيد اللهجة حيال الكرملين، مؤكدة أن البحرية الملكية متيقظة ومستعدة لضمان أمن بريطانيا ، وبادرت بريطانيا عام 2017 إلى تعزيز قواتها الجوية المنتشرة في قاعدة لحلف الأطلسي في استونيا الجنوبية المتنازع عليه في جمهورية جورجيا في إحدى أكبر عمليات الانتشار للقوات البريطانية في أوروبا الشرقية.

وشهد عام 2016 توتراً كبيرا في العلاقات على خلفية ما اعتبره نواب بريطانيون تدخلاً روسيا ً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في حملة الاستفتاء حول ال بريكست ، كما سبق واتهمت رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، روسيا بإطلاق حملات «للتجسس المعلوماتي»، والتأثير على الانتخابات من خلال نشر معلومات خاطئة على الإنترنت.

أوكرانيا و سوريا أقوى أسباب الخلاف
ويعتبر الملف الأوكراني من نقاط الخلاف الكبرى بين لندن وموسكو ، فمنذ بدء المواجهات في أوكرانيا أواخر 2013 نددت بريطانيا بشدة بالسياسة التي ينتهجها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، لدرجة أنها أصبحت من الأصوات الأكثر انتقادا لضم روسيا ل شبه جزيرة القرم .

وبالإضافة إلى أوكرانيا ، تعارض لندن التواجد الروسي في سوريا ، ففي مطلع مارس الجاري اتهم البريطانيون، مجددا، الجيش الروسي بالمشاركة في عمليات القصف إلى جانب الجيش السوري رغم التصويت على وقف لإطلاق النار في الأمم المتحدة.

وحمل وزير الخارجية البريطاني روسيا مسئولية وقف إطلاق النار طالبا منها «وقف أعمالها العدائية فورا»، في حين أجهضت موسكو باستعمال حق الفيتو مشروعي قرار من بريطانيا بشأن سوريا ، الأمر الذي ولد غضبا في بريطانيا وانتقادات حادة للروس.

حقيقة قضية سكريبال
و« سيرجى سكريبال» هو عقيد سابق فى الاستخبارات العسكرية الروسية جندته المخابرات البريطانية «إم آى 6» عام 1990، وانكشف أمره وقبض عليه عام 2006 وقال جهاز المخابرات الروسية «إف إس بى» إن سكريبال سلم المخابرات البريطانية أسرارا ومعلومات مقابل مال، وتمت محاكمته عسكريا وأدين بالخيانة العظمى، وتم تجريده من الأوسمة والألقاب التى منحت له خلال خدمته فى المخابرات العسكرية الروسية، وحكم عليه بالسجن 13 سنة، حتى أطلق سراحه ضمن صفقة تبادل جواسيس بين الغرب و روسيا عام 2010. حيث أطلقت المحكمة الأمريكية سراح المتهمين العشرة في شبكة التجسس وتم تبادلهم مع الأربعة ومنهم سكريبال.

وأطلق سراح «سكريبال» في إطار أكبر صفقة تبادل جواسيس بين الغرب و روسيا منذ نهاية الحرب الباردة عام 2010، حيث أنه فى 9 يوليو 2010، استقبلت فيينا عاصمة النمسا عشرة جواسيس أدينوا في الولايات المتحدة بتكوين شبكة تجسس، لصالح روسيا تمهيدا لنقلهم إلى موسكو، ضمن صفقة لتبادل الجواسيس مقابل أربعة جواسيس روس أدينوا بالتجسس لصالح الغرب، وحكم عليهم بالسجن، وأصدر الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف عفوا عن الأربعة ضمن صفقة التسليم، بعد أن أدانتهم المحكمة الروسية وقضى كل منهم فترة في السجن.

جواسيس آخرون
وضمت القائمة وقتها عميل الاستخبارات الخارجية الروسية ألكسندر زابوروزيسكى، والمحامى الكسندر سيباتشيف، والخبير في المجال النووى إيجور سوتياجين، ومنهم عقيد الاستخبارات العسكرية الروسية السابق سيرجى سكريبال، الذي تعرض لمحاولة تسميم مؤخرًا.

ومن بين الجواسيس العشرة المضبوطين فى أمريكا الذين تمت مبادلتهم مع سكريبال، كانت آنا تشابمان الجاسوسة الروسية، التى تحمل الجنسيتين البريطانية والروسية، ولكن الحكومة البريطانية جردتها من جنسيتها البريطانية بعد إدانتها فى شبكة التجسس الروسية بالولايات المتحدة. وتصف وسائل الإعلام تشابمان بأنها «الجاسوسة الأكثر سحرا»، حيث عملت عارضة أزياء وقدمت برنامجا على شاشة التليفزيون الروسى وتولت رئاسة مجلس الشباب، وتردد اسمها بعد عملية سكريبال، لكنها حسب تقارير مختلفة لم تكن بالقرب من الحادث فضلا عن أنها جردت من جنسيتها البريطانية.

روسيا نفت لكن بريطانيا قالت إن غاز الأعصاب المستخدم يتم إنتاجه فى روسيا ، وطلبت توضيحا عما إذا كانت المحاولة روسية أم أنها تمت بغاز تم تسريبه من روسيا ، لكن قصة الجاسوس المنسي جددت حربا سياسية هى الأكبر منذ انتهاء الحرب الباردة، ولا أحد يعرف إلى أين تنتهي.

وإجمالي القول فإن قضية «سكريبال» تدفع العلاقات بين لندن وموسكو إلى حافة الهاوية، لكنها لن تنزلق إلى مواجهة عسكرية بين البلدين، وربما تمهد لحرب باردة بين موسكو ولندن، خاصة أنها تُعيد إلى الأذهان قضية شبيهة تعود لسنة 2006 عندما مات العميل السابق في أجهزة الاستخبارات الروسية الكسندر ليتفينينكو متسمما بمادة البولونيوم 210، ووقتها أيضا وجهت لندن اتهامات شديدة اللهجة لموسكو.

آخر حرب روسية إنجليزية قبل قرنين من الزمان
اندلعت الحرب الإنجليزية الروسية بين أعوام "1807-1812" بين المملكة المتحدة و روسيا خلال الحروب النابوليونية، والتي اندلعت بسبب إغلاق روسيا التجارة البحرية مع بريطانيا العظمي كجزء من شروط معاهدة تلسيت، وذلك في إطار جهود القائد الفرنسي نابليون الرامية إلى إقامة حصار قاري حول بريطانيا ، وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين بلدان مختلفة في أوروبا تحت السيطرة الفرنسية، والهدف النهائي هو إغلاق واحدة من أهم أسواق بريطانيا الخارجية لخنقها اقتصاديا وحملها على الخضوع.

وعلى مضض أعلنت الإمبراطورية الروسية القيصرية الحرب على بريطانيا العظمى في نوفمبر 1807، وأعلن الكسندر قيصر روسيا الحرب على المملكة المتحدة بعد الهجوم البريطاني على الدنمارك في سبتمبر 1807 واعتقل أسطول روسي تحت قيادة الأميرال ديمتري سنيافين، عائدا من منطقة البحر الأبيض المتوسط، من قبل القوات البريطانية في لشبونة بالبرتغال، واحتجز في بورتسموث بانجلترا، وحتى 1809.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]