القمة الأمريكية الكورية الشمالية.. بين المكاسب والمحاذير | صور

12-3-2018 | 14:22

دونالد ترامب وكيم يونج أون

 

ايمان عارف

منذ أن تم الإعلان عن القمة الأمريكية الكورية الشمالية المرتقبة فى مايو المقبل، والحديث لا يتوقف عن إستراتيجية بيونج يانج الجديدة التى استطاعت من خلال تحركات وخطوات مدروسة أن تسرق الأضواء من الجميع منذ مطلع العام الحالى، لتحقق من خلال هذه التحركات ما اعتبرته الأوساط السياسية الغربية ليس مجرد اختراق دبلوماسي وهجوم ناعم، بل انقلابا وتحولا دراميا فى سياستها الخارجية، استبدلت فيها بيونج يانج لغة التصعيد والتهديد الخشنة التى اعتمدتها خلال العام الماضى، بسياسة التقارب والانفتاح التى كللتها بالاعلان المفاجىء عن القمة المرتقبة وبالاشارات المتعددة لاستعدادها وقف برنامجها النووى مقابل ضمان أمنها.

وهنا يشير المحللون إلى أن الأجواء الإيجابية التى سادت بين الكوريتين خلال الفترة الماضية، والتى بادرت بها بيونج يانج أولاً مع الجار الجنوبى، متخذة أكثر من خطوة استرعت اهتمام الجميع وبدت فيها أكثر انفتاحا من أى وقت مضى، وهو ما ظهر واضحًا جليًا خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية فى مدينة بيونج تشانج الكورية الجنوبية، حيث ضم وفد الشطر الشمالى الرسمى المصاحب للرياضيين شقيقة الزعيم كيم جونج أون فى زيارة للشطر الجنوبى هى الأولى من نوعها لأحد أفراد العائلة الحاكمة منذ انتهاء الحرب بين الكوريتين فى خمسينيات القرن الماضى، ثم توجيه الدعوة للرئيس الكورى الجنوبى موون جى-إن لزيارة بيونج يانج وعقد محادثات قمة بين البلدين، خلقت حالة من الزخم السياسى على المشهد السياسى برمته ولكنها لم تدفع أكثر المراقبين تفاؤلا لتوقع مثل هذه الخطوة المفاجئة للجميع حتى فى الداخل الأمريكى بين الدوائر السياسية والحزبية.

التجربة الصاروخية الأخيرة لكوريا الشمالية

الترحيب العالمى بهذه القمة وإن كان متوقعا كونه خطوة لازالة التوتر من بؤرة ملتهبة فى العالم وهى شبه الجزيرة الكورية أو على الأقل تخفيفه، لا يعنى أن النجاح بات مضمونا، على العكس تماما فالحذر والترقب سيكونان عنوان الفترة القادمة، سواء فى ترتيبات عقد هذه القمة أو بسبب سيل التوقعات المنظرة منها. وهو أمر متوقع بالطبع، فالرجلان كانا قبل أشهر قليلة يتبادلان التهديد والوعيد، وهما الآن على وشك الجلوس على طاولة واحدة ولدى كل منهما الرغبة فى الانتصار على الآخر، وهو أمر يتخوف المراقبون من عواقبه، فنجاح القمة سيعد انجازًا تاريخيًا غير مسبوق، أما فشلها فسيؤدى لكارثة بلاشك. وخطورة الأمر من وجهة نظر هؤلاء أن كلا الطرفين يعتبر أنه حقق انتصارا على الآخر، فالرئيس الأمريكى ترامب يعتبر من جهته أن تكاتف الأطراف الإقليمية مع الولايات المتحدة فضلا عن موقفه الثابت من تشديد العقوبات الاقتصادية، هو ما دفع بيونج يانج فى النهاية لتغيير موقفها، بينما يعتبر الجانب الكورى الشمالى أن نجاح برنامجه النووى وقدرته على الوقوف بندية مع الولايات المتحدة أصبح حقيقة لا تقبل الجدل أو التشكيك.

خريطة توضيحية لمكان سقوط الصاروخ الكوري الشمالي الذي سقط بالقرب من السواحل اليابانية

وهنا لابد من الاشارة إلى أن حالة الترقب لهذه التطورات سواء على مستوى العالم أو فى الداخل الأمريكى، سبقها أيضا حالة من الجدل ثارت داخل المجتمع الكورى الجنوبى، حيث انقسمت الآراء حول هذا الهجوم الناعم من قبل الشطر الشمالى بين مؤيد ومعارض، فقد رحب البعض بشدة بهذه التطورات الإيجابية المتلاحقة، ورأوا أنها تصب ليس فقط فى صالح مستقبل البلدين بل والعالم، وأبدوا دعمهم وتأييدهم للرئيس موون،  المعروف بميوله الداعية للتهدئة والتقارب مع الشمال، واعتبروا أن القمة التى ستعقد بين شطرى كوريا فى أبريل المقبل تعد اعترافًا بالجهد الذى يقوم به، فهناك على الجانب الآخر من شكك فى كل ما يحدث مخافة أن يكون ذلك مجرد سلوك انتهازى من بيونج يانج يهدف أولاً وأخيرًا إلى جذب الاهتمام الدولى دون وجود أى نية حقيقية لتغير نهجها، وفى رأى هؤلاء فإن كوريا الشمالية دائما ما تتحدث عن السلام ولكنها مستمرة فى تطوير برنامجها النووى. ودليلهم على ذلك أنه حتى فى سنوات التقارب التى استمرت منذ عام 1998 حتى عام 2008 وشهدت تطبيق سياسة الشمس المشرقة وعُقدت خلالها قمتان، وقدمت خلالها سول مساعدات هائلة للشطر الشمالى أملا فى أن يقدم دفء العلاقات وازدهار الاقتصاد بديلا لبيونج يانج عن تطوير أسلحتها النووية، لم يحدث أى تغيير بل على العكس مضت قدما فى سياستها وازدادت تحديا للجميع.

إنفوجراف يظهر عدد التجارب الصاروخية لكوريا الشمالية بين عامي 1984 و2017

أما التطور الأهم فهو الحادث على مستوى الشباب حيث لا تقتصر مخاوفه على نوايا الجار الشمالى، ولكنهم يتخوفون من الأعباء الاقتصادية التى ستترتب على أى تقارب مع الشمال، وهؤلاء يعبرون صراحة عن حيرتهم تجاه هذا الملف والسلوك الذى ينبغى أن تسلكه بلادهم، ومنطقهم أن التكلفة الاقتصادية الباهظة للوحدة فى حالة تحققها والتى قدرتها بعض الدراسات بتريليون دولارتعد سببًا كافيًا بالنسبة لهم لرفض الفكرة برمتها خوفا من أن تؤثر على نمط حياتهم المرفهة، معتبرين أنه من الأفضل البقاء كدولتين منفصلتين بلا عداوات أو استفزازات، وهو تغير واضح فى السلوك عن جيل الآباء والأجداد، حيث لم تعد الوحدة بالنسبة لكثير منهم هدفًا قوميًا رغم المناهج الدراسية التى تؤكد على ذلك. والدليل على ذلك استطلاع الرأى الذى أجراه فى شهر ديسمبر الماضى المعهد الكورى للوحدة وهو مركز أبحاث تموله الحكومة، وأ عرب خلاله 14% من الشباب فى منتصف العشرينات عن أملهم فى اتمام الوحدة، مقابل نسبة تأييد تصل إلى 63% ممن تتراوح أعمارهم بين الخمسين والستين عاما، وأن كان ذلك لا ينفى بالطبع عمق المشاعر الجياشة لدى الكوريين الجنوبيين خاصة ممن لديهم أقارب فى الشطر الشمالى. بل أن هناك من ينظر للأمور نظرة عمليه مفادها أن الوحدة اذا تحققت ستقضى على أكبر مشكلة أمنية فى آسيا، ومنطقهم أن سلاما مؤقتا أفضل من لا شىء فى الوقت الحالى.

وبغض النظر عن المنتظر من هذه القمة وعن الغموض الذى مازال يحيط بترتيبات عقدها، وما يثار عن أن ترامب أعلن عن قبولها دون التحضير الكافى واللازم مع أركان إدارته، وأن جزءًا من مسارعته بقبول الدعوة نابع من حرصه على تأكيد قدرته وقابليته لاتخاذ مبادرات بصورة مختلفة تمامًا عن سابقيه، فإن هناك ما يشبه الاجماع على أن الزعيم الكورى الشمالى كيم جونج أون، نجح فى أن يصبح أهم لاعب على الساحة السياسية حاليا، بل ومنذ اللحظة التى مد فيها يده للشطر الشمال، بدءًا من رسالته فى العام الجديد ثم مشاركته فى الأولمبياد الشتوية ثم دعوته الشخصية لترامب، حيث بات مسيطرا ومتمكنا تماما من أدواته الدعائية، ليصبح السؤال المطروح على مائدة المحللين هو هل استطاع كيم أن يخدع الجميع، ليحقق أهدافه المتمثلة فى تخفيف العقوبات الاقتصادية وتخفيف الضغوط الإقليمية والدولية عليه، وأن يحصل على اعتراف العالم بشرعية كوريا الشمالية كدولة نووية، وهى تساؤلات منطقية ستكشف التطورات المقبلة عن إجاباتها.

مادة إعلانية

[x]