"كريستال".. جوهرة المقاهي التراثية يودع كورنيش الإسكندرية | صور

21-2-2018 | 18:42

"كريستال".. جوهرة المقاهي

 

الإسكندرية محمد عبد الغني

كعادته التقط "الرجل السبعيني"، جريدته المفضلة من بائع الجرائد بميدان محطة الرمل، ورحل يتكئ على عكازه الخشبي بين مباني المنطقة العتيقة وسط الإسكندرية، لم ينس أن يتبادل التحية مع صديقه العجوز بائع الورد، ولا أن يداعب طفلة صغيرة ابتسمت له في طريقه لمقهاه المعتادة، على كورنيش البحر.


على غير العادة وجد الرجل أبواب المقهى الخشبية أغلقت بسلاسل حديدية، اختلس النظر من خلف إحدى نوافذها الزجاجية فوجدها قد فرغت من مقاعدها ومناضدها، وباستطلاعه الأمر علم بصدور قرار هدمها، لتلحق بمئات المباني التراثية الأخرى، التي اغتالتها معاول الهدم.

لسنوات طويلة ظل الرجل، الذي يمتلك جاليري لبيع التحف بالمنطقة ذاتها، اشتراه من رجلا يونانيا منذ قرابة الـ40 عامًا، يحرص على أن يبدأ يومه بالذهاب لمقهى "نيو كريستال"، إحدى المقاهي التاريخية العتيقة على كورنيش محطة الرمل، للجلوس مع أصدقائه، الآن لم يتبق إلا هو وصديق آخر، واتفقا فقد صباح اليوم على اللقاء واستعادة الذكريات.

"تتار العصر الحديث فرغوا قلب المدينة من تاريخه ومبانيه ودلوقتي دخلوا على الكورنيش"، صرخات أطلقها الرجل وهو عائد إلى منزله، ناظر للافتة ضخمة كتب عليها "نيو كريستال"، كان يدرك جيدا أنها المرة الأخيرة التي سيشاهد تلك اللافتة التي تحمل اسم المقهى.

غضب الرجل على المقهى ليست شعورا غريبا او مبالغ فيه فبالنسبة للسكندريين لا يقتصر دور المقاهي فقط على كونها مكان عابر للجلوس، لتناول مشروب، ولكنها حياة كاملة بما تحمله الكلمة من أسرار وحكايات وذكريات، الراحلين، وصدى ضحكاتهم.

مقهى "كريستال" مبنى آخر يودع مدينة الإسكندرية..

في منطقة تمثل قلب مدينة الإسكندرية وبين عشرات المباني التاريخية التي يعود أغلبها لنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين يقع مقهى"نيو كريستال" والذي اكتسب قيمته من مرتاديه وروداه من الأدباء والمشاهير.

وشهدت محافظة الإسكندرية على مدار السنوات القليلة الماضية عمليات هدم واسعة لعقارات مقيدة بمجلد التراث ولكن تعتبر تلك هي المرة الأولى التي تصل فيها معاول الهدم لمنطقة محطة الرمل والتي تعد الأشهر والأقدم بالمدينة، حيث أنشأتها الجاليات الأجنبية التي سكنت المدينة في نهاية القرن التايع عشر وبداية القرن العشرين، على الطرز المعمارية للمدن الأوروبية، وتنتشر به العمارات الضخمة المبنية على الطراز المعماري الفلورنسي.

ملتقى الأدباء والمثقفين..
"إحدى آخر مقاهي الزمن الجميل بالمدينة التي يسرق اللصوص تاريخها" هكذا علق الصحفي محمد المالحي، أحد المهتمين بالتاريخ الثقافي والتراثي للمدينة مضيفا "المقهي العتيق" يستعد حاليا لـ"الهدم".

ويسترجع المالحي ذكرياته فيقول على هذا المقهى العتيق كنت استمتع أنا وغيري من رواده بمشهد "المطر".. حيث يطل المقهي علي طريق الكورنيش .. في هذا المقهي كنت تشعر بدفء الزمن الجميل من حكايات "كبار السن" من رواده، الذين لم تغير "الأيام الرديئة" طبائع شخصهم الجميل .. في هذا "المقهي" تلتقي "أجانب" و"فنانون" ومثقفون يتلمسون ما تبقي من "الإسكندرية الساحرة" .

ويضيف": التقيت داخله مرة مصادفة المخرج الكبير خيري بشارة، حيث كان يرغب وبشدة أن يصور داخله بعض مشاهد مسلسل "ذات" منذ عدة أعوام ورفض صاحب المقهي وقتها عرضه بالتصوير.

من جانبه تسائل حسين منصور، نائب رئيس حزب الوفد وعضو الهيئة العليا، أين المحافظ والمثقفين وجمعيات حماية التراث؟، ولماذا تعطى رخصة هدم لسماسرة ومقاولين ليغتالوا الإسكندرية؟-بحسب قوله.

وشدد"منصور" عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك"، على ضرورة الضغط لمنع هدم عقار الإبيارى الموجود به المقهي قائلا: "نيو كريستال" يتمتع بتراث معمارى ترتاح له النفس وتسكن فيه الحياة لترى البحر والكورنيش والدنيا تتحرك من حوله".

يقع في منطقة حفظ تراث معماري
"جميع العقارات المطلة على كورنيش البحر بالميناء الشرقية مقيدة في مجلد حفظ التراث كمنطقة حفظ" هكذا أكد الدكتور محمد عوض، رئيس لجنة حفظ التراث بالاسكندرية لـ"بوابة الأهرام"، موضحا أن القانون يمنع هدم أي عقار بالمنطقة حتى لو لم يكن تراثيا، وذلك لتميزها بطابع معماري موحد.

وبنهاية العام الماضي ومع الضجة التي أحدثتها محاولات هدم عقار راقودة والذي ما زال مهددا بالهدم، أصدر الدكتور محمد سلطان، محافظ الإسكندرية، قرارا بإنشاء " الإدارة العامة للحفاظ على تراث الإسكندرية " في خطوة انتظر الجميع أن تحمي التراث الحضاري والتاريخي بالمحافظة، والارتقاء بالإسكندرية تراثيا وفنيا، إلا أن ما يتعرض له المقهى العريق يؤكد أن تلك اللجان والإدارات لنتغير شيء على أرض الواقع.

الحي الهدم قانوني..
من جانبها قالت بهية عبد الفتاح، رئيس حي وسط الإسكندرية، إن ملاك العقار الموجود به المقهى والذى يحمل رقم 7 بشارع الإبيارى قد حصلوا بالفعل على رخصة هدم للعقار، وإن كانت الرخصة متوقفة بشكل مؤقت لوجود خلافات بين ملاكه.

وتابعت: "عبد الفتاح" في تصريح لـ"بوابة الأهرام"، أن الحي لا يملك قانونا سلطة إيقاف هدم العقار لأنه خارج مجلد التراث من الأساس وجميع الإجراءات التي اتخذها ملاكه سليمة - بحسب قولها-.


.


.


.


.


.


.

اقرأ ايضا: