الائتلاف الكبير ومستقبل ميركل السياسي

21-2-2018 | 00:24

 

ألمانيا التي يعتبر اقتصادها الأقوى في أوروبا، وخلال الأربعة أشهر الماضية، من مفاوضات لتشكيل الحكومة، لا يزال مستقبل ميركل السياسي على المحك، بعدما كانت تلقب "بالمرأة الحديدية أو المعجزة"، فقد فشلت في الاستحواذ على النسبة المطلوبة في تشكيل الحكومة الجديدة بعد انتخابات أيلول 2017م، لصالح حزب "البديل" المتطرف الذي دخل لأول مرة البرلمان منذ 1945م، مما اضطرها إلى الدخول في مفاوضات شاقة وصعبة مع ( حزب الخضر و الحزب الديمقراطي الحر و الحزب المسيحي الديمقراطي الذي تترأسه) وقد أطلق على هذا التحالف "حكومة جامايكا"، لكن سرعان ما انهارت المفاوضات في بداياتها بين الأحزاب الثلاثة، بسبب عدم الاتفاق على رؤية تحدد مستقبل ألمانيا الجديدة؛ مما دفعها إلى الدخول في تحالف آخر ثلاثي يضم كلا من ( الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب المسيحي الاجتماعي "البافاري" والحزب الاشتراكي الديمقراطي)، وهذا التحالف إن كتب له النجاح، فسيكون تحالفاً لثلاثة رؤساء انتهت بالفعل حقبهم السياسية، كما عنونت عليه الصحافة الألمانية.

ف ميركل التي ترأست الحكومة الألمانية لمدة 12 سنة، ترغب في فترة أخرى، ولعلها ستحذو حذو سلفها السياسي "هلموت كول" الذي ظل مستشارًا لستة عشر عامًا متواصلة؛ ومن أجل ذلك فقد تنازلت عن أغلب الوزارات السيادية للأحزاب الأخرى في هذا التحالف، ولم تحتفظ إلا بمنصبها كمستشارة فقط، وبالتالي فقدت التأثير على قيادة سياسية لأوروبا واليورو.

بالرغم من حصول "الحزب الاشتراكي الديمقراطي" خلال ال انتخابات التشريعية في سبتمبر 2017م، على 20% من أصوات الناخبين، والتي اعتبرت هذه النتيجة أسوأ نتيجة منذ تأسيس الجمهورية الاتحادية في العام 1949م.

لكن تبقى اليد الطولى في هذا التحالف "مارتن شولتس" شريك ميركل ، في الحكومات السابقة، والذي استحوذ على وزارات (المالية والخارجية والعمل) لكن يحتاج الحزب للتصويت لمرتين قبل الدخول في المفاوضات التي وافق عليها أعضاء الحزب بنسبة ضئيلة، وبعد الانتهاء من المفاوضات للموافقة النهائية التي سوف تجري في 21 يناير2018م على هذا الائتلاف الكبير.

لكن قد تواجه مارتن صعوبات عديدة في إقناع القاعدة الحزبية للتصويت النهائي في الدخول في الائتلاف الكبير، بسبب المعارضة الكبيرة من القاعدة الحزبية وشبيبة الحزب؛ حيث صرح بأنه لن يكون شريكًا في حكومة مع ميركل ، وأن مكانه الطبيعي في المعارضة؛ وذلك بعد ظهور نتائج ال انتخابات في أيلول الماضي 2017م؛ حيث تراجع بعد ذلك عن هذا القرار.

وترى مجموعة من أعضاء الحزب، أن مارتن قد فقد مصداقيته، وعليه تقديم استقالته؛ على الرغم من أنه لن يترشح لمنصب وزير الخارجية في الحكومة المقبلة، إلا أن البعض الآخر من المعارضين لهذا الائتلاف، يطمح لأن يفوز الحزب في ال انتخابات المقبلة عام 2021م؛ حيث إن الحزب فقد خلال 15 سنة نصف مؤيديه؛ بعد أن قدم الحزب في الحكومات السابقة مع ميركل تنازلات كبيرة في مجالات الصحة وسياسة الهجرة والمالية العامة.

إن التوافق بين الاشتراكيين والمحافظين ليس بالجديد، ومن المرجح كما تشير أغلب التوقعات، بأن الحكومة المقبلة ستكون حكومة ائتلافية في شهر آذار المقبل.

لكن السؤال الذي يطرح على الساحة الألمانية والأوروبية في الفترة الحالية: ماذا لو امتنع الحزب الاشتراكي الديمقراطي من الدخول في الائتلاف الكبير؟
هناك عدة سيناريوهات:

السيناريو الأول: توجد ثلاث فرص ل ميركل في تشكيل حكومة، أما إذا ما فشلت فلن يكون أمامها سوى تشكيل حكومة أقلية، وهو الخيار الأصعب الذي قد يكون سببًا رئيسيًا لإنهاء مستقبلها السياسي.

أما السيناريو الثاني: فهو الدعوة إلى انتخابات مبكرة من قبل رئيس الجمهورية؛ وذلك خلال 60 يومًا من حل البرلمان؛ وهذا الخيار الأصعب؛ لأن الدستور الألماني يدعو إلى الاستقرار.

إن عدم موافقة الأحزاب الثلاثة على تشكيل هذا الائتلاف الكبير، يعطي فرصة "لحزب البديل" المتطرف للاستحواذ على نسبة أعلى من الأصوات في ال انتخابات البرلمانية المبكرة؛ وربما ستكون أعلى من تلك التي كسبها في انتخابات 2017م، وذلك لعدم تقديم الأحزاب الألمانية المتواجدة على الساحة البديل المناسب، ولعل أكبر الخاسرين في هذا الخضم هم اللاجئون والمهاجرون القادمون من منطقة الشرق الأوسط التي تعصف بها الصراعات والأزمات.

وعلى الرغم من كل الصعوبات التي ستواجه هذا الائتلاف إذا ما تشكل، وخصوصًا في ملفات (اللجوء والهجرة والسياسة المالية) والتراجع في سلطة ميركل الشخصية، فمن الأفضل تشكيل هذا التحالف حتى لا يؤثر ذلك على مكانة ألمانيا ليس داخل الاتحاد الأوروبي فحسب؛ بل قد تفقد تأثيرها العالمي.

مقالات اخري للكاتب

الانتخابات اللبنانية.. الارتدادات والتداعيات الإقليمية

يشهد لبنان في السادس من مايو (أيار) الحالي انتخابات نيابية، وكانت آخر انتخابات قد جرت في العام 2009م وعلى الأرجح فإنه لن يتغير الكثير من المشهد اللبناني

دور روسيا المرتقب في الشرق الأوسط

يبدو أن هناك تشابهًا كبيرًا سيلوح في الأفق في الانتخابات الروسية القادمة والتي سوف يتم إجراؤها في 18 مارس الحالي بينها وبين الانتخابات العربية التي عادة ما تكون محسومة قبل إجرائها.

المشهد التركي.. بين الثابت والمتغير

هل يتغير المشهد التركي الذي كان ثابتًا طوال السنوات العشرين الماضية، والذي ظل فيه السيد أروغان رئيسًا للوزراء وللجمهورية؟ وذلك بعد الانتخابات الرئاسية

تركيا.. وحزب ميرال أكشينار الجديد

هل تحرك وزيرة الداخلية التركية السابقة "ميرال أكشينار" النائبة المقالة عن حزب الحركة القومية الحليف الحالي للحزب الحاكم والمشاركة في تأسيس أعمال حزب العدالة والتنمية، المياه السياسية في تركيا

الانتخابات الألمانية.. وتحديات الفترة الرابعة لميركل

قد تحتاج أوروبا في الفترة المقبلة إلى حالة من الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني؛ بالإضافة إلى حالة من السلم الاجتماعي بعد موجة الإرهاب التي ضربت أهم العواصم الأوروبية، إلى جانب المظاهرات العنصرية ضد المسلمين واللاجئين، وصعود الأحزاب المتطرفة والخطاب الشعبوي في مناطق مختلفة من أوروبا.

حزب المحافظين البريطاني والرهان الخاسر

لم تكن "تيريزا ماي" رئيسة وزراء بريطانيا بأفضل حال من سلفها "ديفيد كاميرون" الذي راهن على البقاء في الاتحاد الأوروبي، وذلك عندما قام بعمل استفتاء عام بتاريخ

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]