الديمقراطية الحقة.. أول طريق الوحدة

20-2-2018 | 00:06

 

مازلنا نحاول الإجابة عن سؤال الوحدة.. لماذا لا يتحد العرب إن كان فى اتحادهم طريق العزة والكرامة والنصر، وهم يعرفون ذلك جيداً؟.. لماذا لا يتحدون وقرآنهم الذى هو أساس دينهم يدعوهم لذلك.. ولكنهم عنه غافلون: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ".

كل شواهد التاريخ تؤكد أن الوحدة لا تتحقق إلا من خلال وجود ديمقراطية حقيقية ونظام الشورى في الدولة أو الدول التي تسعى إلى الوحدة، فالعبيد لاينتصرون ولا يفكرون في الوحدة، والحاكم المستبد تخيفه الوحدة وتجمع الناس على قلب رجل واحد، فهو لا مكان له فى دولة حرة ديمقراطية يقوم الحكم فيها على مبدأ الشورى ، فالشورى تعني الاستماع إلى الرأي والرأي الآخر، وهو لايؤمن ولا يعتد إلا برأيه، مثلما قال فرعون لقومه (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) فهو يرى نفسه فوق الجميع.

بل يعتقد أنه أحق أن يُعبد من دون الله (يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) فهل حاكم مثل ذلك يمكن أن يفكر فى الوحدة بالطبع لا.. فهو مثل الاستعمار لايسود إلا في جو الفرقة والتشرذم.

ويؤكد التاريخ أن الوحدة لاتقوم إلا بين شعوب آمنة مستقرة تنعم بالاستقلال الحقيقي الذي يعني أنها دول تأكل من حقولها، وتنتج ما تحتاجه في مصانعها، أي أن شعوبها تزرع وتعمل وتؤمن بقيمة العمل وتُعلي من شأن العاملين، وتوفر فرص عمل لشبابها، فالدول لا تبنيها إلا سواعد الشباب، الوحدة لا تتم إلا بين دول اقتصادها يكفيها، ولا تتسول من غيرها لكي تعيش، وتغرق في الديون.

والوحدة لا تتم إلا بين دول تُعلي من قيمة العلم والعلماء، يكون العلم فيها حق لكل الناس كالماء والهواء، دول تعترف بقيمة المعلم، ولا تزال تعمل بقول شوقي: "قم للمعلم ووفِّه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا"، للجامعات فيها مكانتها ودورها في تنمية روح الولاء والانتماء في نفوس الشباب، جامعات تثري العلم والبحث العلمي، وتؤمن بأنه الطريق الوحيد للتقدم والتنمية والبناء.

تاريخ العزة والكرامة يؤكد أنه لا وحدة بين دول ضاعت فيها كرامة علماء الدين، وتهاوى دورهم وتقاعسوا عن نصرة المظلومين، تناسوا أنهم هم حماة الشعب ضد كل حاكم مستبد، أو ضد كل مغتصب للحقوق، الوحدة لا تقوم إلا بدول يكون علماء الدين فيها مثل شيخ الإسلام العز بن عبدالسلام المعروف "ببائع الأمراء!".

فقد اكتشف  العز بن عبدالسلام  أن الولايات العامة والإمارة والمناصب الكبرى كلها للمماليك الذين اشتراهم نجم الدين أيوب، ولذلك فهم في حكم الرقيق والعبيد، ولا يجوز لهم الولاية على الأحرار، فأصدر فتواه بعدم جواز ولايتهم لأنهم من العبيد، واشتعلت مصر بغضب الأمراء الذين يتحكمون في كل المناصب الرفيعة، وجاءوا إلى العز بن عبدالسلام ، وحاولوا إقناعه بالتخلي عن هذه الفتوى، ثم حاولوا تهديده، ولكنه رفض كل هذا، فرفع الأمر إلى الملك الصالح أيوب، فقال إن هذا الأمر ليس من الشئون المسموح بالكلام فيها، وهنا وجد الشيخ العز بن عبدالسلام أن كلامه لا يُسمع، فخلع نفسه من منصبه في القضاء، فهو لا يرضى أن يكون صورة مُفتٍ، وهو يعلم أن الله عز وجل سائله عن سكوته كما سيسأله عن كلامه، وببساطة قرر الخروج من القاهرة والاتجاه إلى إحدى القرى لينعزل فيها إذا كان لا يُسمع لفتواه.

ولكن شعب مصر المقدّر لقيمة العلماء رفض ذلك الأمر، و خرج خلف العز الآلاف من علماء مصر ومن صالحيها وتجارها ورجالها، بل خرج النساء والصبيان خلف الشيخ تأييدًا له، وإنكارًا على مخالفيه.. ووصلت الأخبار إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب، فأسرع بنفسه خلف الشيخ واسترضاه، فما قبل إلا أن تنفذ فتواه، وقال له إن أردت أن يتولى هؤلاء الأمراء مناصبهم، فلابد أن يباعوا أولًا، ثم يعتقهم الذي يشتريهم، ولما كان ثمن هؤلاء الأمراء قد دفع قبل ذلك من بيت مال المسلمين، فلابد أن يرد الثمن إلى بيت مال المسلمين.

ووافق الصالح أيوب، وتولى الشيخ بنفسه عملية بيع الأمراء، ودخل الشعب في المزاد، حتى إذا ارتفع السعر جدًا، دفعه الملك الصالح نجم الدين أيوب من ماله الخاص، وهكذا بيع كل الأمراء الذين يتولون أمور الوزارة والإمارة والجيش وغيرها، هذا بعض من كثير يجب أن يتوافر فى دولنا العربية؛ حتى تتحقق الوحدة التي لا وجود فاعلًا لهم إلا من خلالها.

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

تصالحوا وتصارحوا مع أنفسكم ومع الله

أزمة "كورونا" التى نمر بها حاليًا، وبعيدًا عن استعدادات الحكومات، وجهود المكافحة والحماية والرعاية، يجب ألا تمر هكذا دون أن نُحاسب أنفسنا جميعًا؛ لأننا

"كورونا" .. وبعض التساؤلات المنطقية

بالطبع نثمن كافة الإجراءات التي اتخذتها حكومة الدكتور مصطفى مدبولي حتى الآن؛ للوقاية من فيروس "كورونا" ومواجهة هذه الأزمة التي لم تصبنا وحدنا، وإنما تضرب

أنا.. و"المسائي" .. وتجربة صحفية فريدة!!

أنا.. و"المسائي" .. وتجربة صحفية فريدة!!

الكبير .. من يجعل من التلميذ أستاذا!!

الكبير .. من يجعل من التلميذ أستاذا!!

الفضيلة في رواية

الفضيلة في رواية

يوتوبيا "خليل الحداد"

غاية الإبداع، سواء أكان عملًا أدبيًا أو فنيًا هو خلق المجتمع الصالح، الذي أساسه المواطن والإنسان النافع والمفيد للناس والوطن، تحقيقًا لغاية الخالق سبحانه

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]