عبدالناصر في مرآة جمال حمدان (8)

4-3-2018 | 00:07

 

دروس من الماضي للحاضر والمستقبل

نجح ناصر في الداخل في تحقيق ثورة حقيقية من خلال إعادة توزيع الثروة والسلطة لصالح الأغلبية من خلال الاهتمام بالوضع الداخلي؛ طرد الإنجليز، الإصلاح الزراعي، تأميم القناة، بناء السد، تنمية اقتصاديه شاملة الأبعاد الصناعية والزراعية، عدالة بيئية شاملة لكافة الأبعاد.

كل ماسبق هيأ مصر للعوده تدريجيًا بشكل أو آخر من أشكال الإمبراطورية بمعنى الخروج خارج حدودها السياسية بسياسة خارجية فعالة ومؤثرة في محيطها لحماية أمنها القومي، وحدد جمال حمدان الأبعاد الأساسية لدور مصر الخارجي في التركيزعلى الأبعاد الآتيه:

1- البعد العربي.. ويصفه حمدان بوضوح بقوله إن مصر والعرب لا غنى لأي طرف عن الثاني، وإن مصر قائدة بحكم الجغرافيا والسكان والتاريخ، وهذا مكسب لكليهما، وإهمال هذا البعد يعني خسارة كبيرة  لكليهما، وإن البعد العربي والإسلامي لكل منهما يدعم الآخر ولا يتناقضان، فلا عروبة بغير الإسلام، ويصعب تصور الإسلام بغير العرب.

2 - البعد النيلي والإفريقي النيل هو مصدر الحياة لمصر، وإفريقيا هي العمق التاريخي والجذور الأولى لمصر.

3- البعد المتوسطي وهو بعد اقتصادي وتجاري إلى حد كبير.

4- البعد الأخير هو دول العالم الثالث.

وإذا بدأنا بالبعد العربي والإسلامي نجد تطابقًا كاملا في الرؤى بين حمدان وناصر؛ يفسره حمدان بدراسة ناصر لتاريخ وجغرافية مصر، وقيامه بتدريس مادة الإستراتيجيات في الكلية الحربية، وبدا وعي ناصر العميق بالعروبة منذ حصار اليهود له في الفالوجا بفلسطين عام 48 إلى قمة سبتمبر 70، كانت حياة ناصر ووفاته من أجل فلسطين، ولم تكن العروبة مجرد شعارات، وكانت كل حروب مصر تقريبًا في محيطها العربي من أجل العروبة، والبعد العربي هو أساس قوة الإسلام، ومساهمة مصر في هذا المجال لم تقف عند البعد السياسي أو العسكري.

فقد أمدت مصر الأشقاء بالمعلمين والأطباء وعلماء الأزهر وغيرهم من الخبراء في مجال التنمية على نفقة مصر، وكانت لمصر الريادة في عهد ناصر، وكانت أول إذاعة للقرآن الكريم في العالم في الستينيات، وفي هذا العصر تم طبع أول مصحف مرتل على شرائط في العالم، وتم إنشاء أول مجمع بحوث إسلامية في العالم، ومدينة البعوث الإسلامية، وتم اعتبار الدين مادة أساسية في مصر، وتم تعديل قانون الأزهر للسماح بدخول المرأة للتعليم في الأزهر - لأول مرة - وكانت زيارة ناصر للأمم المتحدة، وإصراره على الحديث باللغة العربية، ومطالبته باعتبارها لغة أساسية في الأمم المتحدة هي الدافع الأول لدخول العربية الأمم المتحدة.

هذا ما قدمه ناصر للعرب والإسلام خلال 18 عامًا، فماذا قدمت القوة الإسلامية الأخرى مثل إيران أو تركيا أو باكستان وغيرهم؟! هل كل هذه الإنجازات كانت مصادفة؟! أم تعكس رؤية زعيم انحاز للعروبة والإسلام، وقدم النفس والنفيس من أجل ذلك، ثم هل هناك زعيم آخر في العصر الحديث خدم العروبة والإسلام مثله أو حتى أقل؟

وفي النهاية يبقى ناصر أقرب زعيم في العصر الحالي للنظام الإسلامي شكلا ومضمونًا، ولا يصح مقارنته بأي نظام آخر معاصر، والمنهج التاريخي في تقييم أي حاكم أو نظام يعتمد على دراسة الوضع قبله وفي أثنائه وبعده، وإذا حاولنا الرجوع لماضي العرب والمسلمين قبل ناصر، فقد كان الوطن العربي والإسلامي مقسمًا ومحتلا؛ حيث كان الإنجليز في مصر وعدن وفرنسا والجزائر والمغرب، وقواعد أمريكية في ليبيا، وغير ذلك وطن عربي محتل، وتم تقسيمه على الدول المستعمرة، وجاء ناصر وحرر مصر وساهم في تحرير كل شبر عربي؛ بل قاد ناصر تأميم الثروات العربية بتأميم القناة؛ هذه حقيقة لا ينكرها أحد، وكان ذلك بالمال والسلاح والرجال، ثم وقف ضد التكتلات الاستعمارية مثل حلف بغداد وغيره.

بل وقف ضد كل مشروعات الفوضى الخلاقة التى فشلت في عصر ناصر؛ ولنتذكر كيف هدد عبدالكريم قاسم حاكم العراق باحتلال الكويت، ووقف ناصر مع الكويت قائلا أي عدوان على الكويت هو عدوان على مصر، وتراجع قاسم، وكيف هدد شاه إيران بغزو العراق، ووقف ناصر مع العراق، ومنع مؤامرات الشاه، ووقف ضد تقسيم لبنان، وأخيرًا حرب أيلول بين الأردن وفتح، وبعد غيابه تم إعادة هذا السيناريو بنجاح؛ بسبب غياب القائد.

ولذلك إذا رجعنا لمعنى كلمة فوضى نجدها تعني عدم وجود قائد؛ فغياب ناصر، وتراجع مصر عن القيادة بعد كامب ديفيد أدى لخسائر كبيرة لكلايهما - كما قال حمدان - هذا بجانب أن تراجع دور مصر أدى إلى اتساع الدور الإيراني والتركي تدريجيًا في الشرق الأوسط؛ حتى في المجال الفني تراجع الفن المصري لحساب التركي، ثم الإيراني؛ مما يؤكد أهمية القوى الناعمة؛ وهي أيضًا مرآة لقوة الدولة وانعكاس لها.

وبعد ناصر أصبح القتال داخل كثير من البلدان العربية؛ في سوريا والعراق واليمن وليبيا، بجانب حدود مصر كلها كانت نظمًا صديقة لمصر نميري في السودان، والقذافي بليبيا، وعرفات في غزة، وعلينا أن نتذكر قبل القذافي كانت في ليبيا قاعدة أمريكية استخدمتها إسرائيل في ضرب مصرعام 67، وبعد القذافي أصبحت قاعدة جمال عبدالناصر، وساهم القذافي في حرب أكتوبر بـ50 طائرة ميراج على حساب ليبيا، وكذلك الجزائر بـ50 طائرة مع طيارين مصريين بالطبع.

مقالات اخري للكاتب

خطوات الفوضى الخلاقة ومجالات استخداماتها (2)

إرساءعرضنا في المقال السابق جذور فكرة الفوضى الخلاقة، والتي ترجع للماسونية العالمية، وهي منظمة سرية تتبع الصهيونية العالمية ويتفرع من هذه المنظمة أو يتبعها

مفهوم الفوضى الخلاقة

يعتبر مفهوم الفوضى الخلاقة من المفاهيم القديمة والحديثة معًا؛ بل وأتوقع استمراره في المستقبل؛ لأنه يرتبط بطبيعة النفس البشرية لدى بعض البشر، ويرتبط بالأطماع البشرية منذ بدء الخليقة، وقتل قابيل لأخيه هابيل؛ فالمؤامرة موجودة وسوف تظل في حياة البشرية.

المصريون بين المحافظة والتجديد والمركزية (9)

نتناول في هذا المقال ثلاث قضايا مهمة في تاريخ مصر، الأولى هى قضية المحافظة على القديم وخاصة في الجانب المادي من الثقافة، ثم قضية التجديد في الشخصية المصرية

القرية المصرية بين الماضي وتحديات المستقبل (8)

تمثل القرية النواة الأولى للمجتمع وللآن يسكن الريف أكثر من نصف السكان ومن هنا تبرز أهمية دراسة التحديات التي تواجه القرية من خلال دراسة المستجدات المعاصرة،

روابط الطبيعة والتاريخ في وادي النيل (7)

هناك أسس طبيعية وتاريخية تربط وادي النيل، ولذلك فالوحدة في وادي النيل أمر طبيعي قضت به ظروف البيئة منذ أن بدأ الإنسان يستقر على جوانب النيل، ولذلك سارت

حقوق العلماء حق مجتمعي

​هناك حقوق شخصية وحقوق فئوية وحقوق مجتمعية، وبالطبع لكل فرد في المجتمع حقوقه وواجباته نحو مجتمعه، ولكن هناك أولويات بمعنى أن هناك حقوقًا أساسية لها الأولوية؛ لأنه تنبثق عنها وترتبط بها حقوق أخرى أساسية لجميع أفراد المجتمع، ووجود أي خلل أو نقص في هذه الحقوق ينعكس سلبيًا على جميع أفراد المجتمع.