"إعمار العراق" .. سلبية الدور الأمريكي في 2003 وإيجابية الدور المصري العروبي في 2018

10-2-2018 | 12:24

إعمار العراق

 

محمود سعد دياب

ظلت مصر على مدار سنوات طويلة تلعب دور "الشقيقة الكبرى" وتدعم بشكل وطني عروبي أشقائها العرب في أيام الحرب والسلم، وليس بعيدًا عن الذاكرة مشاركة مصر في إعادة إعمار لبنان عقب حرب تموز 2006 عقب تدمير بنيتها التحتية على يد العدو الصهيوني، وجاءت مساعي مشاركة مصر في إعادة إعمار العراق كي تضيف صفحة مضيئة جديدة في سجل مصر الحافل، وتفتح فرص استثمارية جديدة وكبرى أمام الشركات ال مصر ية التي اكتسبت خبرات ضخمة من خلال المشاركة فى المشروعات التنموية التي نفذت ب مصر على مدار الأعوام القليلة الماضية، فضلا عن تشغيل المزيد من العمالة.


ووفقًا لبيانات رسمية عراقية؛ فإن عملية إعادة الإعمار لن تشمل المحافظات الثلاث " صلاح الدين و الأنبار و نينوى " ولكنها ستطال باقي المحافظات التي لم يتم إعمارها منذ الغزو الأمريكي للعراق في 2003، فليس ببعيد عن الذاكرة؛ سلبية الولايات المتحدة في عملية إعادة الإعمار وعدم إنجازها أي شيء على الأرض، وهو ما أبرزه كتاب بعنوان: "كيف فشلت أقوى دولة في العالم بمهمة إعادة إعمار العراق ؟"، للمؤلف الأمريكي والصحفي الاستقصائي توماس كريستيان ميلر ، الذي أبرز الدور الأمريكي في تدهور الأوضاع المعيشية للشعب العراقي في بلد وعدت إدارة بوش الإبن بأن يكون منارة للديمقراطية والرخاء والازدهار في المنطقة كلها، وهي السلبية التي استمرت حتى وقتنا هذا، حيث أعلن مسئولون أمريكان أنهم سيشاركون في مؤتمر إعادة الإعمار بالكويت لكنهم لن يدفعوا أي شيء في العملية الضخمة، فيما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد قال في وقت حملته الانتخابية قبيل الانتخابات إنه سينهي عهد بناء الدول.

وقد كذَّب الكتاب الذي نتعرض له ما يقوله ترامب ، ويسلط الضوء على مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكان التي سرقت أو أهدرت بينما ظلت الخدمات العامة الأساسية في العراق في حال من السوء أبشع مما كانت عليه قبل الغزو، حيث تلقت شركات ـ مثل شركة هاليبيرتون ـ عقود عطاءات هائلة، ثم استأجرت عمالا فقراء يائسين من بلاد مثل نيبال والفلبين لكي تزيد من هامش أرباحها، فيما عاونت لورا بوش عائلة صديقه في تمرير صفقة قيمتها خمسون مليون دولار لإنشاء مستشفى للأطفال لا ضرورة له ويتخصص في جراحة التجميل والأورام المتقدمة، في مدينة لا تتوافر فيها مياه نقية للشرب.

كما قام مسئولون أمريكان بتوزيع مبالغ ضخمة نقدا على مقاولين، واحتفظوا ببعضها لأنفسهم من أجل شراء سيارات وساعات فخمة، وفاز مرشح جمهوري فاشل في انتخابات الكونجرس بعقد قيمته 18 مليون دولار لحراسة مطار بغداد ثم انطلق يسرق سلطة التحالف المؤقتة، وحصل بائع سيارات مستعملة على فرصة شراء أسلحة للجيش العراقي مع ما يمكن توقعه من نتائج هذا الاختيار، ومرر مسئول كبير في البنتاجون عقدا لصالح صديق شخصي لإنشاء خدمة الهاتف المحمول في العراق الذي يعتبر سوقا تصل أرباحه إلى مليار دولار سنويا، وقام مقاولون من أصحاب الارتباطات السياسية بتوريد عربات إسعاف ومركبات مدرعة قديمة عمرها خمسون عاما ولا تصلح للسير، واضعين بذلك الملايين في جيوبهم دون مساءلة.

ورغم مليارات الدولارات الأمريكية، المخصصة لمحطات الطاقة الكهربائية، لا توجد في أية مدينة في العراق كهرباء تعمل على مدار أربع وعشرين ساعة في اليوم.

التصرفات التي وصفها مؤلف الكتاب بـ"الطائشة" جعلت من فشل عملية إعادة الإعمار قصة فشل مماثلة في مآسايها أحداث الغزو نفسها، حيث لم يعرف أحد مصير تلك المليارات، خصوصًا وأن الإدارة الأمريكية منحت ميزانية كبيرة لشخص يصف نفسه بأنه جندي من المرتزقة لكي يقوم بحماية العمال وهو ما جاء على حساب المشروعات التي تم تخفيضها بشكل جعل معه الأحلام تتبخر بتحول العراق لبلد حر وديمقراطي، ذي أسواق مفتوحة، وإجمالي ناتج قومي مرتفع، يصبح العراق واحة ديمقراطية في صحراوات الشرق الأوسط، وتضطر الدول الأخرى في المنطقة إلى إجراء الإصلاحات.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لن تشارك في عملية إعادة إعمار العراق ، إلا أن ريكس تريسلون وزير خارجية أمريكا الحالي سيشارك في مؤتمر الكويت؛ وهو ما برره الأخير بأن دور أمريكا بالمؤتمر سيكون ضامنًا لتدفق الأموال بين شركات القطاع الخاص والحكومة العراقية، ودافعًا لبعض الشركات-يرجح أن تكون سعودية- للمشاركة في عملية إعادة الإعمار.


وخلص المؤلف في كتابه إلى عدة نتائج سردها في السطور التالية: بعد ثلاث سنوات فإن لدى العراقيين طاقة أقل مما توفر لديهم في السابق، وتعاني مستشفيات الولادة من نقص الكهرباء، ويقف الأطباء عاجزين أمام الأطفال وهم يفقدون حياتهم، وتعاني العائلات من شهور الصيف تحت حرارة ملتهبة تصل إلى 130 درجة فهرنهايت، وقد أقفلت مصانع أبوابها بسبب عدم وجود طاقة كهربائية كافية لتشغيل آلاتها، وتدهور إنتاج النفط إلى أقل من معدلاته قبل الحرب، وتكرر تفجير خطوط أنابيب النفط في الشمال، وفي الجنوب تقف السفن الحاملة للنفط وهي فارغة في الميناء عدة أيام، أما فقراء العراق في أحياء بغداد الفقيرة فهم عرضة لهجمات الأمراض مثل التهاب الكبد بسبب الافتقار إلى المياه النقية والرعاية الصحية، فيما مات عشرات الآلاف من العراقيين في حرب عصابات ونزاع طائفي شرير يستمدان عناصر قوتهما الميدانية من العراقيين العاديين الناقمين الذين تساءلوا: كيف تعجز دولة أرسلت الإنسان إلى القمر عن إقامة نظام صرف صحي في الأحياء الفقيرة في بغداد؟!

تلك هي جوانب من الصورة الكئيبة التي يتحدث عنها كريستيان ميلر، في إعادة إعمار العراق على الطريقة الأمريكية، أما الطريقة ال مصر ية فكانت مختلفة كليًا وجزئيًا، حيث مكث المهندس إبراهيم محلب مساعد الرئيس السيسي للمشروعات القومية والإستراتيجية في زيارة لمدة أسبوع كامل في العراق وذهب إلى مدينة الموصل وشاهد آثار التدمير على مقار الجامعة والجسر القديم التي كان يتخذها تنظيم داعش الإرهابي مقرًا لعملياته، حيث حصل على تكليف من الرئيس عبد الفتاح السيسي بتقديم كل الدعم للأشقاء العراقيين، بهدف التأكيد على وقوف مصر مع الشعب العراقي لتجاوز التحديات الراهنة واستعداد مصر الكامل في المساهمة فى عملية إعادة الإعمار خاصة في المناطق التي تضررت من الإرهاب .

وقد كانت زيارة الموصل تستهدف تقديم التهنئة للشعب والحكومة في العراق بمناسبة الانتصار على داعش، وهي رسالة واضحة من مصر بأنها ستكون أول الداعمين للدولة الشقيقة، وخلال لقاءاته بعدد من المسئولين العراقيين استعرض محلب، التجربة ال مصر ية فى إعادة بناء الدولة فى أربع سنوات، وكيف أن الإصرار والإرادة السياسية كانت سببا فى التغلب على كل التحديات وتحقيق معدلات إنجاز غير مسبوقة فى البناء وإقامة المشروعات، وأكد محلب أن مصر يمكن أن تنقل هذه التجربة إلى العراق لمساندتها فى تجاوز التحديات الحالية إيمانا من القيادة ال مصر ية بضرورة دعم الأشقاء فى إعادة الإعمار.

ومن جانبه قال رجل الأعمال محمد أبو العينين، رئيس مجلس الأعمال ال مصر ي الأوروبي، إن مصر كما ساندت العراق فى حربها على الإرهاب فإنها حريصة كل الحرص على مساندة العراق فى جهوده لإعادة الإعمار وستكون الشركات ال مصر ية موجودة بقوة فى السوق العراقى بكافة الأشكال بما يتناسب مع أهمية العراق ل مصر وأهمية مصر للعراق، والوحدة التاريخية بين الشعبين، فالشعب العراقى الأقرب لقلوب كل ال مصر يين، والشركات ال مصر ية لها تاريخ وخبرة طويلة فى التعامل مع نظيرتها فى العراق.

وأضاف أبو العينين، أن الشركات ال مصر ية ستشارك بقوة فى مؤتمر إعادة إعمار العراق والذى سيعقد فى الكويت من 12 إلى 14 فبراير الجاري، حيث يظهر فيه القطاع الخاص والمجتمع المدني والمجتمع الدولي احتشاده لمساندة العراق، متابعا ونأمل أن يكون المؤتمر بداية "مشروع مارشال" جديد لإعادة إعمار العراق بكافة مدنه لاسيما وأن تكلفة الإعمار باهظة تصل إلى 100 مليار دولار، والجميع يدرك أهمية وحاجة العراق إلى تثبيت الاستقرار وإعادة البناء ومساعدة الملايين من الناس الذين عانوا كثيرا خلال السنوات الأربع الماضية.

ويعتبر العراق بموارده البشرية والاقتصادية الهائلة أرضا خصبة تتوافر بها فرص استثمارية للقطاع الخاص ليحقق أرباحا، وكذلك ليكسب الشعب العراقي في كافة القطاعات بدءًا من إعادة بناء المساكن المهدمة والبنية التحتية من طرق وكهرباء وكبارى ومدارس ومرافق مياه وصرف ومنشآت صحية وإقامة مصانع ومشروعات استثمارية جديدة فى العراق، كما نشيد بجهود الحكومة العراقية التى تخدم جميع أبناء الشعب العراقى دون تمييز.

مادة إعلانية

[x]