في ذكرى رحيلها الـ43.. "بوابة الأهرام" في مسقط رأس أم كلثوم.. تحاور أحفادها و"بثينة" التي تنتظرها بعد الفجر

3-2-2018 | 13:33

أم كلثوم

 

الدقهلية - منى باشا

- تمثال في مدخل " السنبلاوين " ذكرى أم كلثوم الوحيدة بمسقط رأسها

- الإهمال لا يفارق طماي الزهايرة .. ووعود التطوير لم تنفذ

- منزل أم كلثوم تحول لمكان لتربية الطيور والماعز  

- متحف أم كلثوم بمسقط رأسها "حجر أساس" منذ 18 عامًا

- منزل أم كلثوم بالزمالك كان محرابًا للفن استقبلت فيه مشاهير الغناء

- "الجبن" و"السوتيه" و"الشاي" و"العسل" طعام أم كلثوم المفضل

- رفيقة أم كلثوم ذات الـ70 ربيعًا تنتظرها يوميًا بعد صلاة الفجر

3 فبراير 1975، مصر عند موعد حزين، غابت فيه إحدى كواكبها، التي طالما ظلت مشرقة، تدور في فلك المحروسة، مضيئة لياليها، مطربة أسماع مواطنيها، معلنة رحيل "كوكب الشرق" عن عالمنا، وغياب صوت عذب استطاع بقوته هدم حواجز، أطلق عليها السياسيون "حدود"، فسُمع صداه في أرجاء المعمورة.

فاطمة بنت الشيخ إبراهيم السيد البلتاجي، ذلك اسم الفتاة التي عرفت فيما بعد بـ"سيدة الغناء العربي"عن استحقاق، وهو الاسم الذي منحه لها والدها عند ولادتها بقرية طماي الزهايرة ، التابعة لمركز السنبلاوين ب محافظة الدقهلية ، لتبدأ السيدة أم كلثوم  مشوارها الفني في عمر صغير، ارتقت فيه بخطوات واثقة، حتى أصبحت نجمًا مضيئًا في سماء العالم العربي، لا تصل إليه أحلام من حاولوا الارتقاء.

في ذكرى وفاة "قيثارة الشرق"، زارت "بوابة الأهرام" قرية طماي الزهايرة ، في رحلة كشف عن حياة لم يعاصرها الكثيرون، لنتعرف من خلالها كيف عاشت "فنانة الشعب"، وإلى ما وصل إليه حال منزلها وقريتها من تطوير، كنوع من "رد الجميل" لسيدة سخرت صوتها ومجهوداتها في دعم المجهود الحربي، لخدمة وطنها.

الطريق لمسقط رأس أم كلثوم

30 كيلو مترًا هي المسافة التي قطعتها "بوابة الأهرام" في الطريق من مدينة المنصورة حتى مركز السنبلاوين ، للوصول إلى قرية طماي الزهايرة ، لا توجد مظاهر غير عادية في ذكرى وفاة "كوكب الشرق" الثالثة والأربعين بمسقط رأسها، لم نجد لذكراها أثرا، ولم نعثر على مكان يُخلد مجهودها على أرض المحروسة، سوى تمثال "أصفر اللون" يقف على استحياء بمدخل مدينة السنبلاوين ، تحيطه بعض الأشجار لم تنل أي اهتمام.

توجهنا لمسقط رأس "كوكب الشرق"، لقرية طماي الزهايرة التي تبعد دقائق عن مدينة السنبلاوين ، بعدما عانينا من طريق غير ممهد، أشد وطأة من تعرض مركب صيد لأمواج البحر العاتية وسط عاصفة لا تهدأ، حاولنا التحايل على تعرجاته للمرور دون خسائر، وأشفقنا على مظهر الأراضي الزراعية على جانبي الطريق، التي تحاول جاهدة مقاومة التعدي عليها بالبناء، وتعكير عدد كبير من ورش صناعة "تانكات" السيارات صفو رونقها.

منزل أم كلثوم

استقبل "بوابة الأهرام" على مشارف القرية أيمن رجب، أمين صندوق الجمعية الخيرية بالقرية، لمساعدتنا فى الوصول لمنزل "سيدة الغناء العربي" التي عاشت به طفولتها، فأخذنا نسير في شوارع ضيقة للوصول إلى مبتغانا.

وصلنا إلى منزل متواضع، يحيط به "فرن بلدي" من إحدى الجهات، و"عشة" تربى فيها ماعز ودواجن، وكمية من "مهملات" أسرة "سيدة الغناء العربي".

.
جدران المنزل لا تدل على أنه موضع الاهتمام، حاله كحال القرية، إلا أنه على تواضعه أبى أن تغيب ذكرى أم كلثوم عنه كباقي ملامح القرية، فوجدنا رسوما لوجه "الست" على حوائطه المختلفة، ولوحة أخرى تحمل اسم شارع أم كلثوم ، لتصبح الرسومات وتلك اللوحة الشيء الوحيد الذي يحمل اسمها في القرية التي شهدت مولدها.

مهملات أسرة أم كلثوم

.

تزيلت الرسومات باسم "عدلي"، وبالسؤال عنه، عرفنا أنه "عدلي سمير البلتاجي"، حفيد الشيخ "خالد"، شقيق السيدة أم كلثوم ، الذي يعمل بقصر ثقافة السنبلاوين ، ويبدو أنه لولا رسوماته لوجه "سيدة الغناء العربي" التي تزين جدران المنزل الأسمنتية لغاب أثر "الست" في مسقط رأسها للأبد.
.

رسوم علي جدران منزل أم كلثوم

الإهمال يصل لأسرة أم كلثوم

بمزيد من البحث عن أحد أفراد أسرة أم كلثوم ، عثرنا على "خالد سمير"، أخبرتنا ملامحه بأنه تجاوز الأربعين من العمر، وغير اللون الأبيض الكثير في شعره، رحب بنا رغم مرارة كلماته، وشكوته التي استقبلنا بها، حيث إنه موظف يعمل بالميكنة الزراعية في مدينة السنبلاوين ، ولم يقبض راتبه منذ ثلاثة أشهر، لتزيد كلماته توثيق حالة الإهمال التي لم تستقر عند القرية فقط، ولكنها امتدت أيضًا لمواطنيها.

أخبرنا "خالد" أن ذكرى وفاة "الست" يعد كـ"موسم"، تستقبل فيه الأسرة ضيوفها، ويحدثهم، خلال الاستضافة، عن حاله وحال القرية المُهملة، مؤكدًا أن شيئا لا يتغير، ولا يطال القرية أو أسرتها أي اهتمام يذكر، ليتابع حديثه لـ"بوابة الأهرام" قائلا: "جالنا ناس من كل جرايد الدنيا في مصر وبرا مصر واتصورنا وطلعنا في تليفزيونات حتى جالنا إسرائيليين عشان يشوفوا الست عاشت فين وبنتكسف من الشكل، بس بإيدينا إيه نعمله".
.


بكلمات الثقة المليئة بالفخر يقول "خالد": "الست أم كلثوم لم تبخل على البلد بأي شيء وتستحق التكريم، فقد كرمها العالم كله ويعلم قيمتها"، لتعاود نبرة صوته الاختباء وراء خيبة الرجاء "وبدل الاهتمام بقريتها، لا نجد إلا الوعود التي لا ينفذ منها شيء على أرض الواقع، لا متحف ولا تمثال ولا حجر أساس لأي شيء حتى ليحمل اسمها".

مشكلات قرية أم كلثوم

في منزل مجاور انتظرنا خالد إسماعيل، مهندس شاب - أحد أقارب أم كلثوم - ليؤكد لنا من جديد أن طماي الزهايرة لا تليق أن تكون بلد الست أم كلثوم ، التي أعطت لمصر وللوطن العربي كله الكثير.

وعدّد المهندس الشاب بعضًا مما يعانيه مسقط رأس أم كلثوم ، مشيرًا إلى أن القرية كانت تعاني مشكلات الصرف الصحي، التي تم حلها منذ بضع سنوات فقط، ومشكلات في الكهرباء، والمكان الذي كانت تعيش فيه أم كلثوم  أصبح مكانًا لتربية الطيور والماعز.

 ويتابع: قبل 18 عاما، وتحديدًا في عام 2000، حضر عدد من المسئولين ووضعوا حجر أساس لمتحف أم كلثوم ، وتم التقاط صور لهم، وحتى الآن لم يتغير فى الواقع شيء، بتحويل القرية لمزار سياحي.

وطالب الشاب بالاهتمام بالقرية وأسرتها، لافتًا إلى أن كل ما تحصل عليه الأسرة هو الوعود، متمنيًا رعاية الدولة اسم أم كلثوم ، وموضحًا أن "الأسرة كل عام تستقبل وفودًا من الدول العربية والأجنبية التي تحضر لرؤية مكان ومنزل أم كلثوم ، فلا يجدون شيئا يخلد ذكراها".
.

حفيد شقيق أم كلثوم

رفيقة أم كلثوم

وسط حجم المشكلات النابعة من الإهمال الملحوظ، وجدنا بصيصا من نور في منزل الحاجة "بثينة"، إحدى أقارب "سيدة الغناء"، التي قضت اثني عشر عاما بمنزلها في حي الزمالك بالقاهرة مع 4 أخريات من أقاربها، وذلك قبل وفاة "كوكب الشرق"، حيث روت لنا ذكرياتها معها بصوت يملؤه الحب والشوق، لتشعر مع كلماتها بأن الزمن قد أسعدك بالعودة إلى الوراء؛ لتستمع ل أم كلثوم في منزلها.

تقول "بثينة" لـ"بوابة الأهرام": " عشت معاها وأنا عمري 20 سنة، وفضلت معها 12 سنة، ناخد بالنا منها ونروح معاها في كل مكان"، وتتابع بفخر وبنبرة شكر ل أم كلثوم : "رأينا معها ما لم نحلم به وأكلنا حتى المن والسلوى"، وتؤكد: "ما عشته معها أعيش على ذكراه حتى يومنا هذا، أنا مريضة منذ عدة أيام، لكن مجرد وجودكم والحديث عنها شعرت بأنني بخير".

.

ضيوف أم كلثوم

تواصل السيدة، التي تجاوزت السبعين ربيعًا من عمرها، الحديث الشيق، بصوت ثابت يملؤه الفخر: "عندي تقريبا 6 أحفاد، أطلقنا علي أحدهم اسم "خالد، شقيق أم كلثوم ، حبا فيها"، لافتة إلى أن "الست كانت تحب الجميع، ولم أسمعها يوما تتحدث عن أحد، وكان المنزل دائما فيه ضيوف".

وتتابع: "المنزل كان محرابًا للفن، واستقبلت فيه الأستاذ عبد الوهاب، وعبد الحليم، ومحمد فوزي، ورامي، والقصبجي، والأستاذ قنديل، وكانوا يقولون لها "أنت قلعة للفن بنتعلم منها"، وكذلك الفنانات السيدات أيضا كن يحبونها، السيدة شادية، وفايزة أحمد، والست مها صبري".

وتقول الحاجة بثينة: "البيت لم يكن يخلو أبدا من الفنانين والأقارب والأهل وأهالي القرية الذين كانوا يحتاجون لمساعدات، والطلاب الذين كانت تساعد في تعليمهم، وكثيرون كانوا يقدمون الشكاوى ويطلبون عملا، وكان الجميع يلجأ لها، ولم تكن ترد أحدا قط"، متعجبة مما تردد عنها بأنها "بخيلة".

وتتابع: كانت القرية قد تعرضت لحريق في السبعينيات، وأعلنت أنها ستحولها لقرية نموذجية، إلا أن نشوب الحرب شغلها، وخصصت كل جهدها للمجهود الحربي، ومساعدة الجيش، حتى وافتها المنية، ولم تتمكن من تحقيق حلمها، وأبى المسئولون أن يحققوه من بعدها.

طعام أم كلثوم

وعن "أكل" السيدة أم كلثوم ، تقول "بثينة": كان بسيطًا "جبنة" أو "شوية سوتيه" أو "صدر فرخة"، كان الطباخين يطبخوا لكل اللي في البيت، لكن أكلها هي كنا احنا اللي نظبخلها، مشيرة إلى أنها كانت تطلب أحيانًا وتقول "نفسي في طبق بصارة أو كِشك، وكانت تتناول في الإفطار كوب شاي وملعقة العسل.

التزام أم كلثوم

تبحر بنا السيدة بثينة بشكل أعمق في بحر حياة "سيدة الغناء العربي"، لتتابع أنها كانت تهتم جدا بالبروفات والصلاة وقراءة القرآن، وكانت تحب أن ترتاح وقت العصر، وكانت دائما "معزومة" عند الأستاذ هيكل، وعند الكثير من الساسة والفنانين، وكان الجميع يحبون رفقتها، وكان الأستاذ رامي يتناول معها الغداء كل يوم اثنين.

أم كلثوم قصة عشق لا تنتهي

"رغم مرضي وظروف سني لكن كل يوم جمعة بعد صلاة الفجر انتظرها على قناة ماسبيرو زمان في السادسة صباحا"، بشوق تحاكينا الحاجه "بثينة"، قائلة: "كأني على ميعاد معاها ولو مشفتهاش هتمشي"، مؤكدة أنها بالنسبة لها قصه حب "ما بتنتهيش".

الحاجة بثينة رفيقة أم كلثوم

وتحكي لنا عن لحظات مرضها الأخير بأن أطباء مستشفى المعادي كانوا يتابعونها دائمًا، وكذلك الدكتور يحيى طاهر، والدكتور أنيس منصور، الذى كان كان يعالجها هي والرئيس، والدكتور علي المفتي.

وفي نهاية حديث لم نتمن أن ينقطع، لولا الإشفاق عليها من الجلوس في مرضها، قالت: "الرئيس شايل كتير والله يعينه على الدولة، وأنا بطلب من المحافظ وبقوله الدكتورة رئيسة المجلس القومي للمرأة جاتني هنا وقالت إن القرية هتكون نموذجية وأن المحافظ قرر كده".

وبنبرة حادة غلفتها خيبة الرجاء، قالت بثينة: "الست أعطت عمرها وجهدها للبلد، ولا بد للدولة تراعيها، مش علشان ماتت نعمل شوية موسيقى".

وعن احتياجات القرية تقول: "محتاجين تنمية في البلد، مصنع يقلل البطالة، مبنى الوحدة الصحية يتعمل، مستشفى وهي كانت متبرعة بأراضي كتير، متحف يكون فيه حاجة للناس تشوفها لما تزور مسقط رأسها، لكنهم وضعوا حجر أساس وبس"، لافتة إلى أن ""كوكب الشرق لما قصرت في حق القرية كان علشان الجنود والجيش وهي لا تستحق هذا الإهمال". 


غرفة استقبال الضيوف بمنزل أم كلثوم







محررة بوابة الأهرام بجوار منزل أم كلثوم


مدخل منزل أم كلثوم


اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]