عبدالناصر في مرآة جمال حمدان (5)

11-2-2018 | 00:00

 

الدولة القوية لابد وأن تعتمد على قاعدة اقتصادية قوية، وعلى عدالة اجتماعية أو بيئية شاملة؛ وهذا يعني أن التنمية الاقتصادية لابد أن تتركز على أسس اجتماعية وبعد بيئي شامل؛ لأن الاقتصاد بدون رؤية اجتماعية وبيئية شاملة قد يؤدي إلى خسائر تفوق المكاسب.

وإذا عدنا لفترة ناصر، نجد انحيازًا كاملًا للفقراء والطبقة المتوسطة التي اتسعت في عهده وهي صمام الأمان لأي مجتمع وهي أساس أي نهضة، وتركز الإصلاح الاقتصادى على الأبعاد الآتية:

1- نهضة زراعية شاملة..

 حيث أضاف السد العالي نحو 2 مليون فدان، ومع حماية أرض مصر من الفيضان والجفاف وزيادة حصة مصر من المياه، والاهتمام بالفلاح تضاعف الإنتاج الزراعي كمًا وكيفًا؛ بمعنى أن الأراضي الزراعية قد زادت بنحو 2 مليون فدان، وزادت إنتاجية الفدان بنحو 50% بالنسبة لإنتاج القطن على وجه التحديد فى الفترة من عام 1952 إلى عام 1971؛ فضلا عن الزراعة مرتين في العام، وبكل المقاييس أحدث ناصر ثورة زراعية ضاعفت الإنتاج والدخل القومي للزراعة والفلاح الذي كان يشكل أغلبية الشعب المصري بشكل لم يحدث فى تاريخ مصر كله، وناصر بلا شك هو نصير الفلاح.

2- نهضة صناعية شاملة..

حيث انتشرت الصناعة من حلوان إلى شبرا إلى المحلة إلى أسوان إلى معظم مناطق مصر؛ ويكفي أن هذا الجيل كان يعيش على المنتج المصري في معظم احتياجاته من مروحة إلى ثلاجة إلى بتوجاز إلى سخان إلى سيارة وفي الغذاء والملابس؛ كل هذا يعكس نهضة صناعية شاملة لا ينكرها إلا جاحد أو جاهل، وأصبح العامل ممثلًا في الإدارة وله حقوقه في الأرباح.

3- تأميم قناة السويس..

كان دخل مصر من قناة السويس قبل التأميم مليون جنيه سنويًا، وبعد التأميم أصبح 55 مليون جنيه، والآن أصبح نحو 5 مليارات دولار سنويًا، ويرى حمدان أن تأميم القناة له بعد قومي أكثر أهمية؛ حيث أمن وحمى الموقع، وأعاد لمصر السيطرة على موقعها؛ ولأول مرة - منذ الإسكندر - استعادت مصر أهمية موقعها بتأميم القناة، وأصبح استقلال مصر حقيقة، ومن عائد القناة بنت مصر السد، وبتأميم القناة قادت مصر عملية تحرير الثروات لدول العالم الثالث؛ مما مهد الأرض لدور خارجي فعال، والخروج من مرحلة المستعمرة إلى مرحلة الإمبراطورية الدفاعية؛ بعد أن دعمت الموضع إلى مستوى الموقع، وفى الفترة من التأميم إلى عام 67 وسعت مصر القناة إلى أكثر من ضعف مساحتها.

4- الديون والقروض..

بداية.. قضية أن مصر الملكية كانت تقرض إنجلترا العظمى حقيقة؛ ولكنها على نمط "لا تقربوا الصلاة"؛ وذلك لأن هذه الديون كانت أثناء الحرب العالمية الثانية، وأثناء الاحتلال البريطاني لمصر، وكانت إنجلترا تأخذ ما تشاء من محاصيل زراعية واحتياجاتها المختلفة؛ بدون أن تسدد الثمن هذه هي قصة القرض المصري.

والسؤال لماذا إنجلترا فقط؟ ولماذا لم نقرض الأشقاء أو الدول الأكثر احتياجًا؟ والإجابة ببساطة؛ لأن مصر كانت محتلة، ولا يجرؤ النظام أو الملك على المطالبة بحقوق مصر، وبوجه عام وسريعًا، فإنه برغم النهضة الزراعية والصناعية والحروب ومجانية التعليم، فقد بلغ إجمالي ديون مصر بعد وفاة ناصر 1.7 مليار دولار، وكان الدولار يساوي 39 قرشًا أي ما يساوي نحو 670 مليون جنيه مصري فقط؛ علما بأن إجمالي القطاع العام الذي بناه ناصر قدر بنحو 500 مليار جنيه مصري عام 2011، وتم الإعفاء من القرو ض العسكرية، وقدرت الكهرباء الناتجة عن السد العالي فقط بنحو 4 مليارات جنيه سنويا فى التسعينيات.

5- قيمة الجنيه المصرى والتضخم..

تشير بيانات البنك المركزي إلى أن الدولار بلغت قيمته 14 قرشًا في عهد الملك فؤاد عام 1936، ثم ارتفع إلى 20 قرشًا بعد 3 سنوات في عهد فؤاد، وهذا يعني انخفاض قيمة الجنيه بـ40% في عصر فؤاد، وجاء فاروق والدولار بـ20 قرشًا، ثم ارتفع إلى 36 عام 1951؛ أي انخفض الجنيه في عصر فاروق بنسبة 80%، وجاء ناصر والدولار بـ36 قرشًا، ثم ارتفع إلى 39 قرشًا عام 1975؛ أي انخفض بنحو 8% فقط، برغم النهضة الصناعية والزراعية ومجانية التعليم والإنفاق على كل الحروب، بما فيها حرب أكتوبر.

وكان معدل التضخم طوال الستينيات 2.9 % سنويًا، وهذه أرقام موجودة في البنك المركزي والبنك الدولي، فهل هما ناصريان؟ وفى هذا درس مهم وهو أن النهضة الصناعية والزراعية تعني الاعتماد على الذات، والحد من الواردات، ومن ثم الحد من التضخم، وحماية حقوق الفقراء، وكان إجمالي الناتج المحلي المصري يوازي نحو ضعف نظيره الكوري الجنوبي أو الماليزي تقريبًا.

6- اتساع وتقوية الطبقة الوسطى..

شهد هذا العصر اتساع هذه الطبقة بشكل سريع وفعال فى نحو 18 سنة فقط، وهي فترة صغيرة بالنسبة للتغيرات الاجتماعية بوجه عام، واتساع الطبقة الوسطى بوجه خاص؛ فهذه الطبقة هي أهم طبقات المجتمع، وتدعيمها يعني ببساطة تدعيم قوة ونفوذ الدولة؛ لأن هذه الطبقة تشمل المهندس والطبيب والمعلم والتاجر، وكان التوسع في الصناعة والإصلاح الزراعي ونشر القطاع العام ومجانية التعليم ونشر الخدمات الصحية؛ كل هذا أدى إلى اتساع وقوة هذه الطبقة من ناحية، ومن ناحية آخرى أدى إلى تحسين ورفع مستوى هذه الخدمات للشعب كله.

وللأسف بعد سياسات الانفتاح والخصخصة والتضخم انكمشت هذه الطبقة وتراجعت للخلف؛ مما أدى إلى تراجع مستوى جميع الخدمات من تعليم إلى صحة إلى ثقافة وغيرها؛ مما أدى في النهاية إلى معاناة الشعب والدولة معًا.

مقالات اخري للكاتب

خطوات الفوضى الخلاقة ومجالات استخداماتها (2)

إرساءعرضنا في المقال السابق جذور فكرة الفوضى الخلاقة، والتي ترجع للماسونية العالمية، وهي منظمة سرية تتبع الصهيونية العالمية ويتفرع من هذه المنظمة أو يتبعها

مفهوم الفوضى الخلاقة

يعتبر مفهوم الفوضى الخلاقة من المفاهيم القديمة والحديثة معًا؛ بل وأتوقع استمراره في المستقبل؛ لأنه يرتبط بطبيعة النفس البشرية لدى بعض البشر، ويرتبط بالأطماع البشرية منذ بدء الخليقة، وقتل قابيل لأخيه هابيل؛ فالمؤامرة موجودة وسوف تظل في حياة البشرية.

المصريون بين المحافظة والتجديد والمركزية (9)

نتناول في هذا المقال ثلاث قضايا مهمة في تاريخ مصر، الأولى هى قضية المحافظة على القديم وخاصة في الجانب المادي من الثقافة، ثم قضية التجديد في الشخصية المصرية

القرية المصرية بين الماضي وتحديات المستقبل (8)

تمثل القرية النواة الأولى للمجتمع وللآن يسكن الريف أكثر من نصف السكان ومن هنا تبرز أهمية دراسة التحديات التي تواجه القرية من خلال دراسة المستجدات المعاصرة،

روابط الطبيعة والتاريخ في وادي النيل (7)

هناك أسس طبيعية وتاريخية تربط وادي النيل، ولذلك فالوحدة في وادي النيل أمر طبيعي قضت به ظروف البيئة منذ أن بدأ الإنسان يستقر على جوانب النيل، ولذلك سارت

حقوق العلماء حق مجتمعي

​هناك حقوق شخصية وحقوق فئوية وحقوق مجتمعية، وبالطبع لكل فرد في المجتمع حقوقه وواجباته نحو مجتمعه، ولكن هناك أولويات بمعنى أن هناك حقوقًا أساسية لها الأولوية؛ لأنه تنبثق عنها وترتبط بها حقوق أخرى أساسية لجميع أفراد المجتمع، ووجود أي خلل أو نقص في هذه الحقوق ينعكس سلبيًا على جميع أفراد المجتمع.

الأكثر قراءة