الجنازة حارة.. والميت "روبوت"!

1-2-2018 | 00:03

 

المثل الشعبي المصري يقول: الجنازة حارة والميت كلب.. والمعنى أن الذي مات لا يستحق هذه الجنازة.. وحدث في التاريخ أن أقيمت جنازات للخيول والكلاب أيضًا مجاملة لأصحابها.. وفي التاريخ حدث أيضًا أن امتدت جنازة مسافة طويلة، وكان معظم الناس يبكون، لا بسبب الذي مات، ولكن مجاملة للشاعر الروماني الكبير فرجيل، فقد كانت الجنازة لذبابة، والذبابة كانت حبه الوحيد، وحشرته المفضلة، ويق

ال إنه تعهدها بالعناية والرعاية حتى كبرت وتدللت!!

وفي العصر الحديث، وفي  كوكب اليابان الشقيق ، جاءت الجنازة حارة.. والميت روبوت!

إنهم أكثر شعوب العالم ولعًا بالروبوت، فهم من قدموا للعالم بدايات عصر الروبوتات الحديثة، ولأن البحث العلمي لديهم "قيمة اجتماعية" فلا غرابة أن يكون مُصمم أول روبوت على هيئة بشرية رئيس تحرير إحدى صحف اليابان، وهو نيشيمورا ماكوتو وذلك في عام 1928!!

ولأن الحاجة أم الاختراع ، كما يقولون؛ ولأنهم مجتمع يوشك أن يشيخ، اخترعت إحدى شركاتهم روبوتًا تفاعليًا على شكل كلب مدلل قادر على التعبير عن العواطف والاستجابة للأشخاص، مهمته مرافقة المسنين ومواساتهم في مراكز الرعاية وغيرها من المرافق، وحتى التواصل بين الأطفال الصغار.

ولأنهم مفتونين بالروبوت، لم يكن غريبًا عليهم تنظيم أول عرض أزياء للروبوت يتضمن أزياء مصممة لروبوتات المطارات، تختلف عن الأزياء المفضلة لدى روبوتات المستشفيات، أو تلك العاملة في مواقع البناء.

غير أن أغرب ما بدر من اليابانيين بحق الروبوت هو أن يقيموا لأحدهم جنازة رسمية في أحد معابدهم لتشييعه إلى مثواه الأخير بعدما توقف إنتاجه ودعمه الفني ولم يعد من السهل صيانته!!.. كيف حدث ذلك؟

إنه الروبوت ""أيبو"" الذي طورته شركة سوني، وباعت منه 3 آلاف وحدة في خلال 20 دقيقة بمجرد طرحه عام 1999، برغم أنه كان باهظ الثمن، ولأنهم شعب يعشق الحيوانات الأليفة، اعتبروا هذا الروبوت الذي يشبه الكلب بمثابة "حيوانهم الأليف"؛ حيث كانت بالنسبة لهؤلاء أكثر بكثير من مجرد أجهزة ميكانيكية، بل اعتبروهم شركاء لهم في الحياة، لذلك لم يكن غريبًا أن يحتفوا بها ويحيوا ذكراها.

لكن كيف تمكن "أيبو" من كسب قلوب اليابانيين لهذه الدرجة؟

الجواب يكمن في حقيقة أن "أيبو"، الذي توقف إنتاجه عام 2006، على عكس العديد من الروبوتات الشخصية التي يجرى تطويرها اليوم، لا يتبع أوامر المالك في البداية، ولكن لديه القدرة على التعلم، ويمكنه أن يغير سلوكه تدريجياً على مر السنين ويبدأ بالاستجابة لتوقعات المالك، ومن ثم تنمو عاطفة مالكيه من البشر بشكل طبيعي، كما لو كانت الروبوتات أطفالهم.

ولأن الناس تبحث عن الجديد، تأتي رياح التطوير التكنولوجي على حساب التكنولوجيات السابقة، وكان لـ"أيبو" منها نصيب، فقد توقف الدعم الفني له من قبل شركة سوني عام 2014، ولم تتوافر له قطع الغيار اللازمة، مما شكل معضلة لمالكي "أيبو"، فتطوع موظف سابق في الشركة المنتجة بتأسيس شركة تتولى إصلاحه بالحصول على قطع الغيار من خلال تفكيك روبوتات "أيبو" القديمة.

وعندما علم الناس أن الشركة تسعى لقطع الغيار، بدأوا بالتبرع بالروبوتات التي أصبحت في حالة سيئة ولم يعد بالإمكان إصلاحها، لكن الشركة ترددت في تفكيك روبوتات "أيبو" العزيزة على قلوب أصحابها، لذلك، كان قرارهم بـ"احترام هذه الروبوتات والصلاة من أجل راحة أرواحها"، وبالفعل، أقيم أول حفل تأبين من هذا النوع عام ٢٠١٥!!.

ولا غرابة في ذلك، الشعب الياباني يعتقد منذ العصور القديمة أن الأرواح تسكن أيضًا الأدوات المستخدمة من قبل الحرفيين وغيرها من الأغراض الشخصية؛ لذا يقيمون "وفق معتقداتهم البوذية" الصلوات التذكارية على نطاق واسع للعناصر والمواد التي خدمت أصحابها لسنوات عديدة، حتى إبر الخياطة والدمى، وتقام هذه الاحتفالات البوذية "وفق معتقداتهم" للسماح لـ"روح" الكائن بالصعود إلى السماء!!.

واليوم مازال مطورو "أيبو" الأصليون يجتمعون كل عام في يوم تاريخ إطلاقه للاحتفال بعيد ميلاده، ويأملون أن تعيد الشركة إنتاجه، ويبدو أن آمالهم قد تتحقق قريبًا، بعدما أعلنت سوني عن خطط لإعادة إدخال "أيبو" في السوق، ويتوقعون أن يصبح نموذجه من الجيل المقبل شريكًا أفضل لأصحابه من البشر.

فعلا إنه كوكب اليابان الشقيق .

مقالات اخري للكاتب

وصفة الموت!

وصفة الموت!

غزو البطون وتأميم العقول!

غزو البطون وتأميم العقول!

زمن أولاد "صوفيا"!

الحديث عن عالم الروبوتات، لا ينبغي أن نحسبه كله شرًا مستطيرًا، بل فيه من الخير الكثير، صحيح أن البشرية ستدفع كثيرًا من إنسانيتها نظير إفساح المجال للاستعانة بها في شتى مجالات الحياة، ولا جدال أن الفاتورة ستكون أكثر كلفة في حال انحرفت هذه الروبوتات عن أهدافها السلمية..

يا ليتني كنت "روبوت"!!

فى عالم الغد، ربما يصل الإنسان إلى مرحلة تمنى أنه لو كان "روبوت"!!

من مفاجآت المستقبل؟!

بعيدًا عن كل الأخبار المأساوية التي تتصدر غالبًا نشرات الأخبار في كل دول العالم، من قتل ودمار، هناك عالم تكنولوجي متسارع لا تكاد تلتقط أنفاسك من كثرة عجائبه وغرائبه ومفاجآته..

آفة هذا الزمان؟!

قديمًا قال أمير الشعراء أحمد شوقي، يوم افتتاح نقابة الصحفيين في مصر في مارس من عام 1941: لكل زمان مضى آية .. وآية هذا الزمان الصحف .. لسان البلاد ونبض العباد.