فيروز.. رمز البسطاء ومعجزة القرن العشرين وحلم كل طفلة تريد دخول عالم الفن

30-1-2018 | 23:48

فيروز

 

سارة نعمة الله

لا تزال الفنانة الراحلة، هي معجزة القرن العشرين، لا يقدر على منافستها أي طفل آخر.. تحتفظ ذاكرة المشاهد العربي برقصتها الشهيرة لـ "الكلاكيت"، وعينيها الواسعتين المعبرتين عن لحظات الشقاوة والحزن، وتبقى هي وحدها صاحبة الأداء المنفرد وسط كثير من الأطفال الذين ظهروا فيما بعد، وأصبحوا نجومًا كبار، مثل نيللي ولبلبة، وآخريات ممن لحقن بهن في جيل السبعينات مثل دينا عبدالله.


تحتفظ فيروز بمكانة خاصة في قلوب محبيها، خصوصًا وأن الصدفة وحدها كانت سببًا في اختياراتها الواعية التي سبقت مرحلتها العمرية، لتكون هي بحق ممثلة للمهمّشين، وأصحاب الطبقات الإجتماعية الفقيرة، والمتوسطة، ويبدو أن المرحلة الزمنية التي شهدت انطلاقة "الطفلة المعجزة" خدمت كثيرًا موهبة الفنانة، حيث إن الظرف السياسي الذي كانت تمر به مصر بين الحكم الملكي، وما تبعها من سنوات ثورة يوليو، فرضت هذه الحالة في عدد من الأعمال السينمائية.

وساهم في نجومية فيروز ، بجانب كونها معبرة عن هذه الفئة المجتمعية، ما تمتعت به من مقومات تجمع بين خفة الظل والحركات الأكروباتية، ورقص الكلاكيت، وهو ما كان مساهمًا في صناعة نجومية فنانين آخرين في مرحلة لاحقة، منهم نيللي وشريهان.

ومن أهم العوامل التى ساعدت على انتشار نجومية فيروز ، ملامحها البريئة التي لا تمر "مرور الكرام" على أي شخص، بالإضافة إلى حركتها السريعة، وخفة ظلها، وعينيها اللتين كانتا أكثر تصديقا من نجوم كبار في تمثيلهم خلال هذه الفترة، فقد تجد فيهما كل ما تحتاجه من شقاوة، حزن، فرح وغيرها.

النجومية التى اكتسبتها فيروز في سن صغيرة، تخطت كثيرًا من النجوم الكبار، بل كانت سببًا في إلقاء الضوء عليهم وشهرتهم، منهم على سبيل المثال، الفنان أنور وجدى، الذي أحبه الجمهور، وذاعت شهرته أكثر في أفلامه معها. 

وكان القرار الأهم الذي اتخذته الفنانة في حياتها، هو توقفها عن التمثيل، بعد أن وصلت إلى سن السادسة عشرة من عمرها، حيث اعتزلت العمل الفني، حتى يظل المشاهد محتفظًا بصورة طفلته البريئة الشقية التى أحبها، وتعلق بها على مدى سنوات.

امتد مشوارها الفني لمدة عشر سنوات، وهي تنتمي لأسرة أرمنية من حلب بسوريا، وتحديداً حارة يقال لها (حارة الجب)، وقد ولدت في القاهرة، شبهها الكثيرون بالنجمة العالمية شيرلي تمبل، وهى أصغر طفلة حصلت على جائزة الأوسكار، وهى في عمر السادسة، وقد آمن الكثيرون بموهبتها التى امتدت لمدة عشر سنوات، قدمت من خلالها مجموعة من الأعمال السينمائية المميزة، من بينها فيروز هانم، وياسمين، والحرمان، وصورة الزفاف، ودهب وغيرها.

تُعتبر فيروز ، أشهر طفلة سينمائية على مستوى الوطن العربي، عرفت باسم "قطقوطة"، نسبة إلى واحدة من أنجح الشخصيات التى قدمتها في أعمالها السينمائية، ويعود اكتشاف فيروز للفنان اللبناني إلياس مؤدب، الذي كان صديقًا لأبيها؛ حيث اصطحبها معه في إحدى المرات إلى حفلة منزلية، وخلالها لفتت أنظار الجميع، بعد تقديمها "مونولوج مشترك" معه، واستمرت الرحلة إلى أن أدخلها مؤدب مسابقة مواهب في ملهى الأوبرج الليلي، حيث حضر الملك فاروق ، والذى أبدى إعجابه بموهبتها، وحصلت فيروز منه على خمسين جنيهًا كأول مكافأة لها في حياتها.

كان ل أنور وجدي فضل كبير في دعم موهبة فيروز ، فلم يكتف بكونه منتجا لها يحتكرها، ويكسب من ورائها، بل أحضر لها مجموعة من المدربين الأجانب، ليقوموا بتدريبها وتهيئتها لأول بطولة سينمائية، وهو فيلم "ياسمين" 1950. وإن كانت هذه الواقعة تحسب لأنور وجدى، حيث إنه لم يخش تقديم فيلم تقوم ببطولته طفلة.

وصحيح أن فيروز ارتدت بدلة رقص في بعض أعمالها، ولكن كل هذا كان في سياق تفسره أحداث الفيلم، باستعراض تقدم به مجموعة من المونولوجات، ومع ذلك لم يتم استخدامها بشكل مبتذل، أو يشعر الآباء خلاله بالخوف على أبنائهم من مشاهدتهم لها، كما أنه يكون في مشهد واحد أو اثنين على الأكثر، وليس في إطار أحداث فيلم كامل، إضافة إلى أن طبيعة ثقافة المجتمعات في هذه الفترة لم تكن بالسيئة، أو السلبية، التي من الممكن أن تؤثر على الأطفال في حالة تقديم مثل هذه المشاهد إليهم.

تبقى فيروز هي حلم لكل طفلة تريد أن تدخل إلى عالم الفن، وبرغم محاولة إطلاق اسم فيروز على الطفلة نور عثمان، التي ظهرت منذ سنوات في الموسم الثاني لبرنامج "آراب جوت تالنت"، إلا أن الراحلة تظل في مكانة منفردة محفورة في ذاكرة المشاهد لا يمكن مقارنة أو تشبيه أحد بها.