السيد الجزايرلي يكتب: ملك أسير (قصيدة)

29-1-2018 | 13:50

السيد الجزايرلي

 

من المُعْتَمِدِ بنِ عَبَّادٍ إلى يوسفَ بنِ تاشفين:

لم أقترفْ ذنبًا
ولا هانتْ عليَّ مَهَابتي
حينَ التَجأْتُ إلى حُماةِ البسملاتْ
لكنَّ ريحًا قدْ أتتْ
والريحُ
لا تنسى الإساءةَ للجهاتْ
خاطبتُ يوسفَ أن يَهُبَّ لِنُصْرتي
لكنَّ يوسفَ خانني.
وضعَ السيوفَ على رقابِ رعيَّتي
وأَذَلَّني
هل جِئتَ غيثا
أم أُجاجاً يا أبا يعقوبْ؟
هل جئتَ ضيفاً
أم مقيماً يستحلُّ بلادَنا؟
لم ينحنِ "المأمونُ" حتى لا يرى
شبحَ الهزيمةِ في شوارعِ قرطبةْ
فبأيِّ شرعٍ يا ابنَ ديني
تستعينُ برأسِ رُمحٍ
كي تُعَلِّقَ رأْسَهُ..
وبأيِّ شرعٍ يا ابنَ ديني
تقتلُ "الراضي" وتُخفي جثَّتَهْ؟
هل كان عَدْلاً
أن تجورَ على دمي؟
أَوَلَمْ تُعاهِدْني على صَوْنِ الدماءْ؟
خَيَّبتَ ظنِّي
في حُماةِ البَسْمَلاتْ
وتركتَ جُنْدَكَ يَسْفِكُونَ، وينهبونَ،
وينثِرُونَ عمائمَ الأحرارِ تحتَ خيولهِمْ
كَشَفَ اخضرارُ الأرضِ
عورةَ جَدْبِهِمْ
والحزنُ كان كرجفةٍ
هَزَّتْ ضلوعَ الكائناتْ
الحزنُ كان مُجَلْجِلًا
كسقوطِ مئذنةٍ على شيخٍ ضريرْ
ضاعتْ "بثينةُ"، ثم بيعتْ كالجواري
والعبيدْ
وسيوفُ قهرِكَ هشَّمتْ روحَ "الرشيدْ"
هل كان ثأرًا من بني ماءِ السماءْ؟
وهلِ اكتفيتَ بمَنْ قتلتَ، ومَن أسرتَ،
ومَن أضعتْ؟
كنا نُريدُكَ حاميًا
سيفًا يثورُ على العَدُوِّ إذا أساءَ لنخلةٍ
في أرضِنا
كُنَّا نُريدُكَ آيةً، أو رايةً
فَشَرِبْتَ من ماءِ الوشاةِ عَدَاوَةً
وخذلْتَنَا
أرغمتَ أحفادي على ذُلِّ اللجوءِ
إلى العَدُوْ
نَصَّرْتَهُمْ
وجعلتَهُمْ
يَنْسَوْنَ في "قَشْتالةَ" البلدَ الأمينْ
بَدَّدَتَ أَوْصَافَ الدُّعَاةِ،
وحُزْتَ مُلْكًا ليسَ لكْ
أَخْرَجْتَني
وأنا الكريمُ ابنُ الكرامِ
إلى منافي الهمِّ في "أَغْمَاتْ"
قَيَّدْتَني بسلاسلِ السُّجَنَاءِ
في بيتٍ خَرِبْ
وتركتَ للسَّجَّانِ أمرَ الشمسِ
يُدنيها إذا اشْتَعَلَتْ،
ويُقصيها إذا مالتْ تلمُّ البردَ من بَدَني
عَفَّرْتَ وَجْهَ الفجرِ حينَ جَعَلْتَ للسجِّانِ
سُلْطاناً عَلَيّْ
أَمِنَ المرُوءةِ
أن تَذِلَّ أميرتَيْنِ بحفنتَيْنِ منَ الشَّعيرْ؟
خيَّبتَ ظنِّي
في حُماةِ البَسْمَلاتْ
وأسأتَ للمَلكِ الذي يومًا دعاكَ
لنُصْرَتِهْ
فاهنأْ بثأْرِكَ يا أبا يعقوبْ
الآنَ صِرْتُ مُسالمًا
يَرجو الحياةَ لغيرهِ؛
ويقولُ للموتِ: اتْئِدْ
خفِّفْ يَدَيْكَ، وكُنْ نبيلًا
إن ضَغطتَ على جِراحِ المعتمِدْ
أَجِّلْ حَصادَكَ مَوْسِمًا، أو مَوْسميْنِ
وكُنْ رحيمًا
إن دخلتَ بصولجانِكَ للغُرفْ
أرجوكَ لا تخدشْ "عُبَيْدَةَ" في المنامِ
وصُنْ طفولةَ "عائشةْ"
أرجوكَ لا تَجثُمْ على قلبِ "الربيعِ"،
وخُذْ نصيبَكَ من خريفِ هزيمتي
"أمُّ الربيعِ" ترجَّلتْ
فتغيَّرتْ بالفقدِ خارطةُ الوطنْ
ذهبَ الرجاءُ
ولا رجوعَ إلى ربوعِ الأندلسْ
سأكونُ حيثُ يكونُ قبرُ حبيبتي
سأكونُ جارًا طيِّبًا
يرعى الغيومَ على مَحجَّةِ قبرِها
يَبني سياجًا
من فُراتِ الماءِ حولَ وِسادِها
يَحمي سراجَ الوقتِ
إن حلَّتْ رياحُ الليلِ وانطفأَ البدنْ
فاشربْ
إذا ركعتْ سيوفُكَ للظمأْ
اللَّحدُ شيخٌ زاهدٌ
لا يشتهي ماءً تخلَّقَ من ملوحة غيثِكمْ
لا يشتهي ماءً
تحدَّرَ من ينابيعِ البياضِ إلى ظلامِ جِرارِكُمْ
فاهنأْ بنصرِكَ؛ واسترحْ
أَغمدْ سيوفَكَ؛ واسترحْ
أدركتُ سرَّ الموتِ
قبلَ قيامةِ الفجرِ الأخيرِ
عرفتُ كيفَ تُفسِّرُ المرآةُ آياتِ البشرْ
فزرعتُ شعرَ الحبِّ في أرضٍ
يغازلُها الحصَى
وجعلتُ قبريَ كعبةً
يُلقي عليها العابرونَ سلامَهُمْ
شيَّدتُ مُلْكًا
من رثاءِ الطيرِ للملكِ الأسيرِ
مَلَكْتُ سرَّ إرادتي
حينَ انتصرتُ على إرادةِ قاتلي؛
وجعلتُ للريْحانِ صوتًا
في بقاعٍ مُقْفِرةْ
"أغماتُ" صارتْ قِبْلةً
والحجُّ صارَ لعاشقينِ،
ومَقْبرةْ.

اقرأ ايضا: