السيد البدوي.. سياسي هادئ ومعارض رزين لا يميل للصراعات ولا تحركه الأهواء

26-1-2018 | 19:00

السيد البدوي

 

أحمد عبد الحافظ

تفتقد أكثرية الأحزاب السياسية في مصر، التي يتخطى عددها المائة حزب، لشخصية القيادي الذي يمتلك أدوات وخبرات سياسية بطبيعة دبلوماسية، تمكنه من عبور الأزمات والصعاب، سواء التي تحاك ضد الوطن، أو تلك التي يتعرض لها الحزب الذي ينضم إليه أو يرأسه.

في المقابل، عرفت الساحة السياسية في مصر، إبان ثورة يناير، فئة من رموز الأحزاب كانت تمتلك أدوات العمل السياسي، وعملت على أن تلفظ التعامل مع الأحداث والمستجدات دون بعد نظر، أو التحرك وفق أهواء الساسة وعشاق النفخ في النار، وفضلت أن تتريث لأقصى درجة، لتصدر قراراتها بحكمة وفهم لطبيعة التحديات الراهنة.

وإذا كانت في مصر فئة من الأحزاب ترأسها شخصيات استطاعت الأحداث أن ترنحها في اتجاهات مختلفة، كان حزب الوفد،  برئاسة الدكتور السيد البدوي، ثابتا على مبادئ ترسخت منذ قديم الأزل، على يد المؤسس الأول الزعيم سعد زغلول.

صاحب مبادئ ثابتة

صحيح أن هناك متغيرات ومستجدات طرأت على الساحتين السياسية والحزبية بوجود دخلاء على العمل السياسي والحزبي، ممن وجدوا في ذلك فرصة للظهور، لكن ميزة البدوي أنه شخصية استطاعت أن تنأى بأقدم وأكبر حزب سياسي مصري عن التزحزح وفق أهواء الساسة والمتحزبين والمحسوبين على الثورة، سواء تلك التي أزاحت حكم نظام مبارك، أو هذه التي خلصت البلاد من حكم الإخوان.

السيد البدوي

ومع كل أزمة كانت تعصف بحزب الوفد داخليا، أو تحاك ضد الدولة بقصد أو دون قصد من المناوئين لكل استقرار مجتمعي، استطاع السيد البدوي، الذي تدرج في العمل السياسي منذ سنوات طويلة، أن يكون رمانة الميزان، فلا تراه يصدر حكما دون دراسة، أو يعلق على حدث دون دراية أو تمعن، والميزة الأكبر أنه شخصية سياسية شغوفة بمشاركة رجالات الحزب في كل القرارات المصيرية.
 
وبرغم اللغط الذي أثير حول الرجل، والصدامات التي وقعت بينه وبين عدد من رموز حزب الوفد، لكنه لا يهوى أن يكون الشخصية الديكتاتورية صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، مع أن ذلك حق مكتسب له بصفته رئيسا لحزب سياسي، لكن تراه دائما يلجأ إلى باقي أعضاء الحزب وجمعيته العمومية في اتخاذ القرار المناسب.

السيد البدوي


البدوي بطبيعته شخصية هادئة الطباع، لا يميل إلى التعصب، ومن الصعب استفزازه أو دفعه للخروج عن المألوف، فهو من الشخصيات السياسية التي عرفت بالتريث والهدوء وعدم الاستعجال في إصدار الأحكام، لذلك لم يتورط هو نفسه، أو يورط معه حزبه في أي أزمة سياسية، حسبت عليه أو أسهمت في تدمير الحزب من الداخل.

مشكلة البدوي مع معارضيه أنه رجل سياسة جرئ، بمعنى أنه لا يمانع في مدح شخصية مثل الرئيس عبدالفتاح السيسي، حتى إن كانت أكثرية الأحزاب الأخرى تتخذ مواقف مناوئة، لكنه اعتاد أن يبني رأيه عن قناعات شخصية تحكمها أدوات وبعد نظر وقراءة جيدة للمشهد، بغض النظر عما سيقال في حقه لاحقا. 

السيد البدوي

شخصية واقعية

يمتلك البدوي من الجرأة أن ينتقد حزبه وشعبيته، فهو سياسي واقعي لأقصى درجة، يؤمن أن الأحزاب في مصر تعاني هشاشة غير مسبوقة، ويدرك ويقر بأن بعضا من رجال السياسة لهم مآرب أخرى، وقلما تجد هذا الاعتراف من شخصية شريكة في هذا الواقع السياسي المذري للأحزاب وعناصرها.

اعتاد ألا ينافق السلطة، ولكن البعض يرى في مواقفه وآرائه الجريئة والمحسوبة بعضا من النفاق، لكنه لا يبالي بما يحاك ضده، ويتخذ ما يراه ملائما مع مبادئه التي نشأ عليها منذ أن كان مالكا لصيدلية صغيرة في الغربية بوسط الدلتا، مرورا بدخوله مجال الاستثمار في الدواء، وامتلاكه شركة لصناعة مستحضرات الأدوية، حتى امتلاكه لفضائية الحياة، وأخيرا بتحقيق حلمه في رئاسة حزب الوفد، فهو لا يتغير وفق المنصب ولا متغيرات ومستجدات الحالة السياسية في البلاد.

السيد البدوي


في ذروة الغضب السياسي والحزبي على بعض هفوات المجلس العسكري الذي تولي إدارة البلاد، إبان تنحي مبارك، كان للسيد البدوي مواقف سياسية معتدلة أهلته لأن يكون رمانة الميزان وسط القوى السياسية والحزبية، إدراكا منه بخطورة المرحلة التي تعيشها البلاد، فهو إن كان ناقما على أوضاع سياسية، فهو يمررها تحت وطأة المصلحة الوطنية وضرورة اجتياز الصعاب، ليس لشيء سوى أنه اعتاد أن يرسخ مفهوم الوطنية في مساندة الدولة وقت أزماتها، وليس استثمار ضعفها لتحقيق الأطماع مثل كثيرين.
 

مواجهته لـ"لإخوان"

مع صعود الإخوان إلى سدة الحكم، كان للسيد البدوي مواقفه مناهضة من الجماعة، حتى عندما كان يتجالس آخرون من الوسط السياسي معهم، كان يدرك الرجل أن هذه الفئة من المجتمع لن تستمر في حكم مصر، لإدراكه أن لهم مطامع شخصية وأحلاما بعيدة عن فكرة "إقامة وطن"، فصعد لهجة النقد صوبهم مبكرا، وخرج وتحدث عن خطورة "الأخونة" على استقرار البلاد، حتى كاد أن يخسر الكثير، لكن رؤيته المستقبلية وقراءته الجيدة للمشهد الراهن آنذاك دفعته لتجنب ركوب موجة الإخوان، وقفز من مراكب الجماعة قبل أن تستخدمه أداة للتوسع في مطامعها.

السيد البدوي


البدوي، كشخص، قليل الدخول في صراعات سياسية، ونادر الحديث عن اتهام الآخرين بما ليس فيهم، لشعوره بأنه يدير حزبا له تاريخ ويفترض فيه أن يكون عقلانيا يدير دفة الأمور بحنكة، لكنه يمارس دور المعارض الذي تعنيه المصلحة العامة، فهو ليس من الفئة المعارضة من أجل المعارضة، وليس ممن تصدروا المشهد بنبرة الصوت العالي، فهو لم يقفز للصدارة وترأس أقدم الأحزاب المصرية عبر البراشوت أو الوساطات والمعارف، لكنه بدأ من الصفر صغيرا ثم تدرج حتى أصبح رمزا في المعادلة السياسية.

موقفه من الترشح للرئاسة

إن كان سياسيون يلومونه على موقفه الرامي إلى الترشح لرئاسة الجمهورية كمنافس للرئيس عبدالفتاح السيسي، ويصفونه بالرجل الذي يسعى لتجميل وجه السلطة، لكنه اعتاد ألا يدخل في مناورات أو صراعات من هذا النوع، ولأن تاريخه السياسي والحزبي لم يسطّر أنه اعتاد التودد إلى السلطة أو الجلوس على كل الموائد، فإن الرجل يدرك أن المرحلة الراهنة تتطلب أن يبادر أصحاب العقل المتزن والرصيد السياسي القوي بخطوة أو مبادرة تنمي الشعور المجتمعي بحتمية وجود منافسة انتخابية.

ويراهن البدوي، الذي يدرس بقوة أن يخوض المنافسة ضد الرئيس عبدالفتاح السيسي، على أن متطلبات المرحلة تقتضي وجوده في المشهد، فهو الذي وصف من قبل السياسيين المتهربين من المشاركة في صناعة المستقبل بـ"المتآمرين"، وهو الذي أقر بأن المتحزبين الذين يتفنون في توريط الدولة يمكن وضعهم في خانة المتواطئين مع أعداء الوطن، واليوم وهو يرى الكل يتراجع عن أداء دوره السياسي في محاولة لتوريط الدولة وتشويه صورتها على الصعيدين المحلي والدولي دون مبرر، فهو يريد أن يتحمل مسئولياته ويكون شريكا في عملية ديمقراطية بعيدة عن فكرة التآمر أو التواطؤ.

السيد البدوي


في اعتقاد البدوي أن دور السلطة يجب ألا يصل إلى حد صناعة معارضين لها، ولا دورها أن تنتشل الأحزاب والقوى السياسية من غفوتها ويكونون شركاء عقلانيين في تقويم الأداء الحكومي والمؤسسي، ليشعر من هم في أوروبا وغيرها أن مصر بلد تتمتع بالانفتاح السياسي، ولأنه يؤمن بأن منافسة الرئيس في الحكم يجب ألا تقتصر على المعارضة والثوريين فحسب، فهو اليوم يبادر بطرح نفسه منافسا، حتى إن أعلن في الماضي القريب دعمه السيسى، فالمنافسة على المنصب في نظر زعيم الوفد لا يجب ولا تصح أن تكون حكرا على أصوات المواقف المعارضة على طول الخط، بل يمكن أيضا أن تكون بين المتقاربين في التوجهات والمبادئ والطموح نحو هدف واحد، وهي أحد المفاهيم الذي تربى عليها هذا الوفدي، ويسعى لزرعها داخل رجالات حزبه.

 

الأكثر قراءة