أخلاق.. في مترو الأنفاق

26-1-2018 | 00:14

 

مترو الأنفاق، واحد من أهم المرافق المواصلات الحيوية في بلادنا، ولما لا، وهو أول خط مترو يتم تسييره وبدأ تشغيله في مرحلته الأولى بمصر والوطن العربي وإفريقيا في السابع والعشرين من سبتمبر عام ١٩٨٧، في عهد الرئيس الأسبق مبارك، والآن يتم العمل في مراحله المختلفة، لتصل إلى ست مراحل تربط القاهرة بأماكن نائية صعبة، لم يكن يخطر على بال أحد منا أن تصل إليه تسهيلًا على المواطنين في ذهابهم وإيابهم، في تنمية حقيقية فاعلة شاملة لمصرنا الحبيبة، يرصدها الداني والقاصي بعين يقينه.

وبحكم استقلالي له لعملي ذهابًا وإيابًا يوميًا، أستطيع أن أؤكد أن مترو الأنفاق يعد وراكبيه بحق، ديوان رصد مجتمعي، حياتي، أخلاقي، معيشي، سياسي، اقتصادي لهم جميعًا، وما عليك قارئي الحبيب إلا أن تجلس- مشاهدًا ومستمعًا- فيه راصدًا أحوال وأنماط مستقليه، متفحصًا سلوكياتهم وأخلاقهم، وصمتهم، وسكونهم، وتحدثهم، وانفعالاتهم، ومستوى حالتهم الاجتماعية من خلال ملابسهم، وأفعالهم، وغيرها.

حكايات وحكايات، ممكن لأي قاص موهوب أن يكتب من خلالها العديد من الروايات والقصص التي تنفع زادًا، ورصيدًا فنيًا، اجتماعيًا، حقيقيًا، يعرض كأفلام بالسينما ومسلسلات تليفزيونية وإذاعية، ويستطيع كل منا أن يراها رأي العين والحقيقة، مثل رصد حكايات ومساجلات الكرة بين رواد مترو الأنفاق من مشجعي الأهلي والزمالك، والحديث في تحليل الحالة المجتمعية اقتصاديًا، وكيف أن غلاء ونار الأسعار يكوي المواطن البسيط، والترحم على أسعار السلع والمنتجات قديمًا، أيام جدي وجدك، ثم الخوض في أحاديث السياسة، بين مؤيد لسياسات الحكومة، برئاسة رئيس وزرائها ووزرائه، ومعارض بالكلية لأدائها، ويطلب تغييرها جملة واحدة .

عطفًا على الأشكال والأنواع المختلفة من القصص والروايات التي يخرج بها علينا المتسولون من الرجال، والنساء، والأطفال، والمرضى، والأصحاء، ذهابًا وإيابًا بعربات المترو، خاصة المرحلة الأولى (حلوان - المرج)، ناهيك عن الباعة الجائلين بداخله، في نوم عميق، وتقصير لافت للنظر من شرطة المترو ومشرفيه، الذين تركوه مشاعًا لهؤلاء، يشوهون منظره الحضاري، والقيَّمي، محولينه لسوق الجمعة، بل قل لكل الأسواق الشعبية الأخرى الكبيرة المنتشرة في بقاع الجمهورية المختلفة.

ثم الطامة والمصيبة الكبرى التي يلاحظها جميع رواد ومستقلي مترو الأنفاق، وأعني بها الكارثة الأخلاقية، والتدني السلوكي، والخُلقي، والخَلقي للكثير من شبابنا وفتياتنا وأولادنا، مثل مظاهر ملبسهم، المتمثل في بناطيلهم المهلهلة، الممزقة من على أرجلهم، المتسخة، والتي يسمونها الآن موضة "البناطيل الديرتي"، في مظاهر سلوكية لم نعهدها في شبابنا وبناتنا قديمًا، وحتى وقت قريب، ناهيك عن التحدث والضحك بصوت عال مبالغ فيه، والهزار والسخرية من بعضهم البعض بألفاظ نابية تارة، وأخرى خارجة تخدش حياء الجالسين، في تحد سافر لأخلاقنا وقيمنا وتقاليدنا وأعرافنا المصرية الشرقية الأصيلة، وعدم احترام الكبير.

إضافة لسلوك يغيظني ويؤلمني نفسيًا، وهو أن أرى رجلًا كبيرًا في السن، أو امرأة عجوزًا تقف أمام شباب يجلسون، فيصطنعون النوم، أوالتحدث مع بعضهم لعدم رؤيتهم، ولا يقومون فيجلسونهم احترامًا وإجلالًا لكبر سنهم وشيبتهم وعجزهم، بل يقوم لهم أناس من كبار السن أيضًا ليجلسونهم، ناهيك عن جلوس الأطفال بجوار آبائهم وأمهاتهم، ولا يقولون لهم: قم وأجلس هذا الرجل الكبير، أو تلك المرأة العجوز، جنبًا إلى جلوس هؤلاء الأطفال بأحذيتهم، موضع جلوس الركاب فيتسخ المكان، في عمى وصمم ولامبالاة من آبائهم وأمهاتهم، ولا يقولون لهم هذا عيب وخطأ، أو يقومون بتنظيف ما اتسخ من أطفالهم.

من الأخلاق الذميمة والسلوكيات البغيضة أيضًا، التي باتت منتشرة داخل مترو الأنفاق -المرحلة الأولى- وفي غفلة تامة وتقصير مقيت أيضًا لشرطة المترو، ما يقوم به بعض الصبية داخل أرصفة المحطات من سكب ماء ملوث على الركاب من شبابيك المترو، أو البصق عليهم، بمجرد أن يتم إقفال الأبواب متحركًا للمحطة التالية، وهذا الفعل المشين رأيته أمامي وبنفسي متكررًا أكثر من مرة، أو أن يضربك صبي أو فتاة على يدك بعد تحرك المترو.

فأين شرطة المترو ورجالها؟ ولو كان الأمر بيدي لأقلت المسئول عنها لإخفاقه، وعجزه عن إيجاد منظر حضاري، مهذب، أخلاقي، يتوشح به هذا المرفق المهم الحيوي، الذي يرتاده جنسيات أخرى عديدة، نراها معنا داخل عربات المترو، وليس المصريون فحسب، فيأخذون حضارتنا وسمتنا الخُلقي من تلك الصور الكريهة البغيضة المتدنية، فعلًا وقولًا وسلوكًا وسمتًا، من أناس يحسبون علينا للأسف.

الكثير منا عزى نفسه بعد ارتفاع سعر تذكرة المترو إلى جنيهين، بأن المظهر السلوكي، والنظافي، وصورة وحال ومآل المترو بخدماته سوف يتغير جذريًا، ونرى تفعيلًا حقيقيًا لشرطة المترو ومفتشيه، في عملية تجميل، تستأصل ذلك الوجه القبيح الذي يعيش به المترو الآن، وعودة لما كان عليه وقت الإدارة الفرنسية له في بدء أولى مراحل إنشائه، منذ عام اثنين وثمانين وتسعمائة وألف، والتي يتحسر المواطنون عليها الآن.

للمرة المليون، وبعد أن بح صوتنا، مرارًا وتكرارًا، أطالب ومعي الآلاف من رواد المترو، بإقالة رئيس هيئة مترو الأنفاق، لإخفاقه في القيام بمهام وظيفته، ومسئوليته العملية في الحفاظ على الوجه المثالي المنظم للمترو، بمراحله المختلفة، وكذلك ندائي للسيد اللواء مجدي عبدالغفار، وزير الداخلية بإقالة المسئول الأول عن شرطة مترو الأنفاق، وكل شرطي لا يقوم بواجبه داخله، مصداقًا لما يروى عن عمر - رضي الله عنه-: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، حيث الكثير منا لا يبالون ولا يؤمنون بقيم ومبادئ النظام والنظافة والأخلاق بديننا، لكن يزجرهم عقوبة السلطان.. والله من وراء القصد.

مقالات اخري للكاتب

ملتقى القاهرة الدولي الخامس للخط العربي

بادئ ذي بدء، أسجل عشقي وهيامي بفن الخط العربي كفن إسلامي أصيل يأخذ بالأفئدة والألباب قبل أخذ الأبصار، ذلك أنه حاضن رئيس لوعاء هويتنا العربية والإسلامية

عمارة.. ونشر علمه وفكره

عمارة.. ونشر علمه وفكره

صناعة التطرف والعنف .. بفيلم كارتون

أثار انتباهي هذا التقرير المنشور للزميلة إيمان عباس بـ"بوابة الأهرام" تحت عنوان (صناعة التطرف والعنف تبدأ بـ"قصة وفيلم كارتون".. والبرلمان يفتح الملف)،

تعلموا الحب الحقيقي

لا حديث الأمس واليوم وغدًا، يسيطر على عقول الكثير منا، إلا الحديث عن "عيد الحب"، "الفلانتين" والترتيب لإحياء ذكراه، لينعم فيه كل محب بحبيبه - حالمًا وواهمًا - وكأن هذا الحب الماسخ، المشوه، الفلانتيني التافه، هو رمز الحب وأيقونته، ليس فحسب عند من صدروه لنا، بل لدى الكثير منا للأسف الشديد.

القاهرة عاصمة للثقافة الإسلامية

في خبر سار يضاهي واقع ومكانة قاهرتنا وتاريخها الإسلامي التليد، أعلن في التاسع عشر من الشهر الماضي - وعبر المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"-

الطيب.. والخشت.. وأهل الفتن

الطيب.. والخشت.. وأهل الفتن

الليبرالية .. التخلص من قيود السلطات الثلاث

الليبرالية .. التخلص من قيود السلطات الثلاث

حضارة نبينا.. نموذج عملي لحياتنا

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وقلم الظفر، ونتف الآباط

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟

عطفًا على حديثي بمقالي السابق "هذا هو الإسلام"، الذي تحدثت فيه عن حملة وزارة الأوقاف العالمية الدعوية "هذا هو الإسلام"، التي أطلقتها لهذا العام بأكثر من

هذا هو الإسلام

جميل، وبديع، ومثمن، صنيع وزارة الأوقاف حين أطلقت حملتها العالمية الدعوية لهذا العام "هذا هو الإسلام" بأكثر من عشرين لغة، بيانا لصحيح الإسلام للدنيا بأسرها،

نعم.. تستطيع الدراما

بحكم طبيعة عملي الصحفي، وركضي الحثيث للبحث عن المعلومة الموثقة الهادفة التي أقدمها لقارئي الحبيب، أجدني مقلا في متابعة الأعمال الدرامية على مختلف أنواعها،

الممر.. تحية إجلال وتقدير

توثيق، وطني، عالمي، عظيم، كنا في أمسِّ وأعظم الحاجة إليه في الوقت الراهن، يأخذ بأيدينا الى شاطئ وبر أمان الوطنية المتجذرة في قلوبنا نحو وطننا وجيشنا وأرضنا،

مادة إعلانية

[x]