رحم للإيجار

25-1-2018 | 00:00

 

هكذا ما كان ينقصنا، فلم تكتف نجمة التليفزيون كيم كارداشيان بأن يتابع العالم أخبار مؤخرتها، أو الوقفات الاحتجاجية التي تلاحقها أينما حلت من المدافعين عن حقوق الحيوانات؛ لأنها ترتدي فراءها، حتى زفت إلينا قبل أيام هي وزوجها خبر ولادة طفلتهما الثالثة من خلال "أم بديلة"!

الطريف في الأمر أن "الست" كارداشيان، انتقدت تقارير إعلامية حول قرار الاستعانة بـ"أم بديلة"، قائلة إنها تمثل "اقتحامًا سافرًا لخصوصيتها"، ولم يفت الثنائي شكر الأم البديلة "المجهولة" لأنها منحتهما أعظم هدية يمكن أن يقدمها شخص!!

جريمة تأجير الأرحام هي من التوابع التي تلت نجاح ولادة "لويز براون" كأول طفلة أنابيب في العالم، في 25 يوليو من عام 1978، فالبعض اعتبرها حينئذ إنجازًا علميًا غير مسبوق أحدث ثورة في علاج عقم ملايين النساء حول العالم، والكثير من العلماء الثقاة حذروا من أن هذا الحدث سيفتح الباب واسعًا أمام مزيد من "الخروقات" في المنظومة الطبيعية للتناسل البشري، وقد كان، مع انتشار بنوك المني والبويضات، وما تلاها من تأجير الأرحام "الأم البديلة"، وما يعنيه ذلك من اختلاط الأنساب، وإصابة الكيان البيولوجي الطبيعي للأسرة في مقتل.

هكذا فإن "البلايا" عندما يراها من يعتبرهم الناس "نجومًا" أمرًا عاديًا قد تنتشر وتجد لها أرضًا خصبة بين ضعاف النفوس، برغم مخالفتها كل نواميس الكون ورسالات السماء.

بالفعل، بعد نحو 24 عامًا من تاريخ ولادة الطفلة "براون" تحولت "تجارة الأرحام" إلى تجارة رائجة في الهند، ثم انتقلت إلى دول أخرى مثل تايلاند وأوكرانيا وجورجيا وروسيا وبعض الولايات الأمريكية، حيث جرى حقن عشرات الأرحام "المستأجرة" بتقنيات التخصيب المجهري لإنجاب أطفال لأزواج وزوجات غير قادرين على الإنجاب.

والغريب أن الهند ترى في تأجير الأرحام أحد أوجه الاستثمار، وأن النشاط يشهد إقبالاً من آلاف الأزواج غير القادرين على الإنجاب، حتى أصبحت ملاذًا للراغبين في الإنجاب من كثير من دول العالم!

واليوم، يبلغ عدد عيادات التخصيب أكثر من 3 آلاف عيادة، وتجاوز حجم الأموال المتداولة في هذا المجال أكثر من نصف مليون دولار، حتى أصبحت بلدة في ولاية جوجارات الهندية تحمل لقب "عاصمة استئجار الأرحام" وكان من أبرز كوارثها، مساعدة زوج على استخدام أم زوجته كأم بديلة لإنجاب طفل!

لذا لم يكن الجدل هناك دائرًا حول مدى مشروعية "تأجير الأرحام"، بل حول مدى خضوع مثل هذا النشاط للتشريعات المنظمة لعمليات استغلال النساء الفقيرات هناك، في محاولة لدفع السلطات إلى إعداد مسودة قانون يجعل هذا النشاط أكثر صعوبة بالنسبة للأجانب الراغبين في استئجار أرحام في الهند!!

المصيبة، أن هذه الكارثة تسربت بالفعل إلى مجتمعاتنا، صحيح أنها حالات محدودة جدًا، ولكن كما يقولون "معظم النار من مستصغر الشرر"، فإن كانت محدودة جدًا اليوم، فربما اتسعت بعد ذلك، بسبب تنامي انتشار مثل هذه الدعوات على شبكات التواصل الاجتماعي، في ظل غفلة من استمرار التوعية الواجبة في كل دور العبادة من هذا "الزنا المستتر"، ولاننسى أنها تحولت إلى تجارة رائجة في الهند بعد 24 عامًا من ولادة أول طفلة أنابيب.

فهذه سيدة مصرية أعلنت على شبكة الإنترنت رغبتها في تأجير رحمها لمن تريد الإنجاب، ولديها مشكلات صحية، مقابل الحصول على 2500 دولار ونفقة شهرية خلال الحمل، وقد سبقتها حالتان استغل البعض فقرهما وحاجتهما للمال، كما طرح مسلسل "ولاد تسعة"، الذي تم عرضه مؤخرًا فكرة "تأجير الأرحام"، مما أثار أزمة بين مشايخ الأزهر، الذي أصدر فتوى تقرّ بأنه نوع من الزنا، ونقابة الأطباء من جهة، وبين معدي المسلسل من جهة أخرى، الذين برروا ذلك بأنه نوع من التحذير، لكن ما نخشاه أن يكون نوعًا من التبرير!!

بالله عليكم، كيف يستقيم مع العقل البشري الواعي أن يكون لمولود، أم بيولوجية وأخرى حاضنة؟ ومن تكون الأم الحقيقية لطفل ولدته "جدته" نيابة عن ابنتها، فمن هي الأم الحقيقية هل هي التي وضعت الطفل، أم صاحبة البويضة؟! وهل ستكون مشاعره سوية حين يكبر، وهو يعلم أن جدته هي أمه البديلة، وأنهما اقتسمتا البويضة والرحم.

والأهم من ذلك كله هو أين كرامة المرأة التي تقبل على نفسها أن تُمتهن كرامتها وتتحول إلى "مفرخ" لإنجاب أطفال لحساب من يدفع من الراغبين في الإنجاب؟!

نخشى أن يأتي يوم وترى فيه الأجيال اللاحقة يافطة "رحم للإيجار"على واجهات عيادات الخصوبة، بدلًا من "شقة للإيجار"؟!

مقالات اخري للكاتب

وصفة الموت!

وصفة الموت!

غزو البطون وتأميم العقول!

غزو البطون وتأميم العقول!

زمن أولاد "صوفيا"!

الحديث عن عالم الروبوتات، لا ينبغي أن نحسبه كله شرًا مستطيرًا، بل فيه من الخير الكثير، صحيح أن البشرية ستدفع كثيرًا من إنسانيتها نظير إفساح المجال للاستعانة بها في شتى مجالات الحياة، ولا جدال أن الفاتورة ستكون أكثر كلفة في حال انحرفت هذه الروبوتات عن أهدافها السلمية..

يا ليتني كنت "روبوت"!!

فى عالم الغد، ربما يصل الإنسان إلى مرحلة تمنى أنه لو كان "روبوت"!!

من مفاجآت المستقبل؟!

بعيدًا عن كل الأخبار المأساوية التي تتصدر غالبًا نشرات الأخبار في كل دول العالم، من قتل ودمار، هناك عالم تكنولوجي متسارع لا تكاد تلتقط أنفاسك من كثرة عجائبه وغرائبه ومفاجآته..