"التدخلات الأجنبية" تتلاعب بمصير الانتخابات العراقية.. ومصادر تشرح لـ"بوابة الأهرام" تفاصيل الصراع الطائفي

21-1-2018 | 20:00

الانتخابات العراقية

 

محمود دياب

لا تزال الانتخابات البرلمانية العراقية، المقرر إجراؤها مايو المقبل، محور تدخلات قوى إقليمية ودولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أعلنت بصراحة من مقر سفارتها بالمنطقة الخضراء، احتجاجها على ما يحدث داخل البرلمان العراقي، في مساعي تأجيل إقامة الانتخابات، حيث فشل البرلمان اليوم، للمرة الثانية، في التصويت على إقامة الانتخابات.

وتلتقي رغبة تيارات سياسية بالعراق على مقترح تأجيل الانتخابات، ويمثل هذا الاتجاه "تيارات سنية وشيعية"، ومبررهم في ذلك، هو عدم قدرة النازحين السنة على العودة إلى مناطقهم في محافظات الشمال الأنبار والموصل ونينوى وغيرها.

فيما تعارض قوى أخرى، مثل التيار الصدري، إقامة الانتخابات بالشكل الحالي للتحالفات الانتخابية، من باب أنها تعيد إنتاج الوجوه القديمة، التي كانت سبباً فيما وصل إليه العراق من حالة متدنية، من عدم إحداث تنمية اقتصادية حقيقية، والغرق في الفساد، حيث احتل العراق المركز الثامن في ترتيب الدول الأكثر فسادًا، وذلك في إحصائية رسمية دولية.

ويرى الصدر، أنه لو أقيمت الانتخابات بنفس التحالفات الموجودة، ستؤدي إلى استمرار العراق في نفس الخندق الطائفي، الذي يعاني منه منذ نهاية الغزو الأمريكي 2005، بسبب نظام "المحاصصة الطائفية" الذي رسخه بول بريمر الحاكم الأمريكي في العراق.

وأكد الشيخ صادق الحسناوي، عضو مجلس الشورى بالتيار الصدري، في تصريحات خاصة لـ"بوابة الأهرام": أن مقتدى الصدر واضح جداً في مشروعه، وفيما يطرحه حيث أعلن أكثر من مرة أنه مع أي كتلة عابرة للطائفية، وتضم شخصيات مستقلة غير متحيزة، فإذا وُجِدت هذه المواصفات في كتلة ما، فلا شك أنه سيدعمها عبر مختلف الوسائل، ومنها التحالف داخل كتلة واحدة، مشيرا إلى أن كتلة الأحرار التي يدعمها التيار لن تدخل الانتخابات المقبلة، وأن الاتجاه لدى الصدريين هو دعم الكتلة العابرة للطائفية، لأنها تمثل رؤيتهم للتخلص من الفساد والمحاصصة الطائفية والحزبية في العراق.

كما كان موقف تيار الصدر واضحًا بعد مرحلة القضاء على داعش، بضرورة دعم التوجه نحو نزع السلاح من الحشد الشعبي، وضم الفصائل المنضوية تحت لوائه للأجهزة الأمنية من الجيش والشرطة، وحصر السلاح بيد الدولة، وهي خطوة استهدفت قيام دولة المؤسسات، وتنظيم المؤسسة العسكرية العراقية.

وقال نجاح محمد علي، الباحث العراقي، متخصص في الشئون الدولية والإقليمية، إن انقسام حزب الدعوة إلى قائمتين، كان قرارًا مناسبًا بهدف منع انشقاق الحزب، موضحًا أن القرار كان لمصلحة العبادي الذي لم يحسن التصرف، ويستثمر تلك المكاسب عندما رفض ضم الكفاءات إلى قائمته، ودخل في تحالف مع خليط غريب من الكيانات والأشخاص، ستكون هي المستفيدة الأولى.

وأضاف، أن بيان المجلس الشيعي الأعلى برر موقف المنسحبين من تحالف العبادي، وهو توحيد القوى الشيعية في قائمة واحدة للحفاظ على الحقوق، ووحدة البيت الشيعي، والوقوف ضد المشروع الأمريكي، وأن الاتفاق بين الفتح والنصر للنزول بقائمة واحدة تحت مسمى (نصر العراق)، تم التوقيع عليه، وبعد ذلك انفرد العبادي، ومارس دورًا كأنه صاحب القرار الوحيد دون مشاورة الفتح وتشكيلاته، حيث انضمت الحكمة التي انشقت عن المجلس الأعلى مع عدد من الكيانات دون علم الفتح، وأصبح عدد كيانات نصر العراق أكثر من ٦٠ كيانا، ما يجعل هناك صعوبة بالغة في السيطرة على القائمة، والاتفاق على التفاصيل في تشكيل القائمة لأمور فنية.

وأكد نجاح محمد علي، أن دخول كيانات وشخصيات مثار حولها شبهات فساد، قابله رفض قاطع من أبناء الحشد الشعبي، باعتباره مخالفا لمنهج القوى المنضوية في الفتح التي خرجت من المعركة منتصرة، وتنتظرها معركة أشد ضراوة في محاربة الفساد والفاسدين، وتقديم مشروع خدمي لأبناء الشعب، وأن ذلك كان وراء خروج قيادة المجلس الأعلى الخروج من تحالف "نصر العراق"، والعودة إلى ائتلاف الفتح، الذي يضم القوى الحشدية والأيادي التي حاربت الإرهاب.

وأضاف، أنه حتى اليوم؛ بلغ عدد التحالفات الانتخابية المصدق عليها 27 تحالفًا انتخابيًا، فيما بلغ عدد الأحزاب المنضوية في تلك التحالفات 143 حزبا سياسياً، والأحزاب التي لم تدخل في التحالفات الانتخابية بإمكانها المشاركة في الانتخابات بشكل منفرد، وأن كل هذه التحالفات ليست هي التي ستحسم طبيعة تشكيل الحكومة المقبلة، لأن التحالفات المقبلة بعد الانتخابات وظروف تشكيلها هي التي ستحدد الوضع.

وعن مصير الحشد الشعبي؛ قال، إنه باقي ولن يتم حله، لأن وجوده مشرعن بقانون صادر من البرلمان، لكن الفصائل المنضوية تحت لوائه، والتي انضمت للعملية السياسية أوقفت نشاطها العسكري، أو انفصلت عن جناحها العسكري، ليبقى تحت قيادة العبادي، معتبرا تلك الخطوة تكتيكاً، إذ يعتمد الموقف النهائي على موقف العبادي، أو أي رئيس وزراء قادم.

وأشار إلى أن مقتدى الصدر، أعلن موقفه الرافض لهذه التحالفات، ويتحين الفرصة للانقضاض عليها عبر تحريك الشارع ضد العملية السياسية والانتخابات، خصوصا بعدما شعر أنه "سيخرج من المولد بلا حُمُّص"، وأنه متهم من قبل البعض بالانضمام إلى المشروع الرامي لإيجاد تحالفات جديدة "ربما بعد الانتخابات" لمواجهة إيران.

وتوقع نجاح محمد علي، أن شيئا لن يتغير فالعملية السياسية الفاسدة التي جاء بها الاحتلال، ستبقى تنتج فاسدين، لأن كل زعماء الكتل المشاركين في الانتخابات متهمون بالفساد، وعليهم ملفات مباشرة أو غير مباشرة، وضالعون في تدمير العراق، وتحويل المواطنة إلى مكونات أضعفت الوطن، وهددت بتقسيمه، وأن كلهم يلعبون على الطائفية، ويستخدمونها وسيلة للحصول على مكاسب سياسية، وأيضا معهم "بعثيون" ظاهرون ومتسترون، يتقاسمون الكعكة، وفق نظام المحاصصة وقاعدة "شيلني وأشيلك".

فيما اعتبر هادي جلو مرعي، رئيس المرصد العراقي، أن ما حدث في البرلمان العراقي من انسحاب نواب شيعة وأكراد وصفهم بـ"المنتفعون" من جلسة التصويت على إقامة الانتخابات جريمة لا تغتفر، وانقلاب على إرادة الشعب العراقي، مؤكدا أن الكرة في ملعب التحالف الشيعي، فتبعا لموقفه الحقيقي، وليس المعلن، سيتم التصويت على إجراء الانتخابات في موعدها، أو تأجيلها إلى وقت لاحق من عام 2018، موضحا أن الانتخابات أمر ضروري للتخلص من الوجوه الفاسدة التي فوتت على العراق فرصة اللحاق بركب العالم، وتحقيق الرفاهية للمواطن العراقي، وأن التحالفات الشيعية تواجه محنة حقيقية في ظل انقسام سببه الخلاف على تقسيم الكعكة، فيما اعتبر التحالفات الأخرى طائفية بامتياز، فالقوى السنية شكلت تحالفاتها على أساس طائفي هي الأخرى، وأبرزها المشروع العربي بزعامة خميس الخنجر، وهناك تحالف لرئيس البرلمان سليم الجبوري مع نائب الرئيس، إياد علاوي.

وأضاف، أن السيد عمار الحكيم يتصرف بـ"براجماتية" عالية، وأنه لا يريد أن يخسر أحدًا لذلك سيحاول الحصول على مقاعد بعدد جيد في البرلمان، ثم سيتماهى مع القوة الأكبر، والأكثر تأثيرا لكي يتحالف معها.

وأضاف، أن العبادي قد تعرض لضغوط دولية وإقليمية شديدة بهدف حل الحشد الشعبي بالكامل، وهو ما اتضح في تصريحه الأخير، بأن مشاركة الحشد في الانتخابات أمر غير قانوني أو دستوري، وهو ما دعا 8 من الأحزاب المتحالفة معه تتركه، لارتكازها في الأساس على فصائل الحشد، ما ينبئ بلحاق خسارة وشيكة بالعبادي وتحالفه، لأن تلك الأحزاب لها حضور بالشارع الشيعي، وتمتلك مميزات كبيرة، خصوصا وأن الوجوه القائمة حاليا في العراق استثمرت في السياسة، وباعت الوهم للعراقيين، ولم تقدم شيئا لهم، وصار تقديم الخدمة نوع من الكرم والتفضل من السياسي على الشعب، موضحا أنها عندما ترصف طريق لمسافة مائة متر يعني أن السياسي فعل ذلك، ليكسب أصوات البسطاء، وهو ما ينسحب على الخدمات العامة الأخرى التي تشهد الفشل الذريع، ولم تتغير إلى الأحسن، بل أخذت تتدهور، ويصيبها الخراب، وهو ما يثير المخاوف على مستقبل العلاقة بين السياسي المنبوذ والمواطن المنكود والمحروم من حقوقه الطبيعية.

وأشاد رئيس المرصد العراقي، بموقف السيد مقتدى الصدر، وعدم انضمامه لتحالف العبادي، لأنه ضم الكتل الشيعية فقط دون الكتل الأخرى المكونة للشارع السياسي بالعراق، في حين يسعى الصدر إلى طريقة حكم تكنوقراط بعيدا عن الطائفية والمحاصصة الحزبية.

أما فادي الشمري، عضو المكتب السياسي بتيار الحكمة العراقي، والقيادي بتحالف النصر، فقد أكد أن تحالف المالكي "دولة القانون" هو أصغر التحالفات، ولكنه لن يكتب نهايته السياسية، لأنه أحد أعمدة المشهد السياسي، وأن التحالفات دائما ما تصعد أسهمها أو تهبط، وفقا قبولها في الشارع، وتعاطي المواطنين معها، وطبيعة الخطاب التي تتبناه، وأن الساحة مفتوحة والتنافس حر والنتيجة هي التي ستحدد الاختيارات، وتحدد مدى قوة التحالفات.

وأضاف القيادي بتحالف النصر، أن الحشد الشعبي القوة الحقيقية للعراق، وهو كيان رسمي تابع للقائد الأعلى للقوات المسلحة، شبيه بجهاز مكافحة الإرهاب، والقوة الأمنية الأخرى، وله الفضل الأكبر من تطهير البلاد من داعش، وخلص العالم العربي والإسلامي من شرورهم، مشددا على أن العراق لن يفرط في تلك القوة، التي تم استخدامه كخيار قلل من الخسائر، ووقت إعلان النصر، وعدم السماح لداعش، كما حافظ على الحدود، ولم يسمح للتنظيم الإرهابي بالحصول على ملذات آمنة له، والهروب إلى سوريا ومصر، أو أي دولة قريبة عبر الحدود المفتوحة.

وأضاف أن السيد عمار الحكيم، رفع شعار "الأغلبية الوطنية"، وأن حالة الانفتاح يجب أن تكون متاحة لكل المكونات لصناعة القرار العراقي، والمشاركة في التوجهات الحكومية، باعتبارها جزءًا من عملية صناعة الاستقرار، كي يتحول العراق لمجتمع تنموي ومستقر، مضيفا أن مشروع "الأغلبية الوطنية" المتفق عليه مع حيدر عبادي، سيساعد في تغيير نمطية السلوك السياسي بالعراق، والانتقال إلى شكل أكثر نضجا، من خلال أن الأغلبية تشكل الحكومة ومعارضة وطنية تراقب أداء الحكومة.

ولفت، إلى أنه بمراقبة الأداء السياسي منذ 2003، بأن تمثل جميع القوى والمكونات باختلاف تعددهم السياسي والمذهبي والقومي، ممثلًا في الحكومة صاحبة الأغلبية والأقلية المعارضة أيضًا، موضحا أن التيار ضد الأغلبية العددية، بمعنى أن تضم طيفًا واحدًا، ويتم استبعاد باقي المكونات، لأنه لا يحقق الاستقرار السياسي المطلوب، والمبادئ التي يطالب بها دائما السيد الحكيم، لذا، فالتحالف لن يشكل الحكومة مستبعدا مذهبًا أو قومية في حالة حصوله على أغلبية البرلمان، ولن يسمح بتمرير ذلك في حالة العكس، بما يختصر العدد الكبير للأحزاب الموجودة على الساحة، ويساعد في رسم سياسات اقتصادية قوية للعراق.

أما الدكتور محمود زايد، الباحث المصري في الشئون الكردية، فقد أكد أن إقليم كردستان العراق، يمر بظروف اقتصادية وسياسية صعبة ومقلقة، بسبب غياب وحدة الصف السياسي الكردي في الحوار بين أربيل وبغداد، مما سيؤثر سلبا على مشاركتهم في الانتخابات البرلمانية.

وأضاف، أن حالة «التشتت والتصدع» الكردستانية، ظهرت على نتائج اجتماعات بعض الأحزاب والحركات السياسية الكردية في الأيام السابقة، حول آلية أحزاب الإقليم مع الانتخابات البرلمانية العراقية، مضيفا أن فشل مساعي الحزبين الكبيرين "الديمقراطي" و"الاتحاد الوطني" مع الأحزاب والقوى السياسية الأخرى بالإقليم نحو ضرورة توحيد الصف، ولم يتوصلا إلى اتفاق حول الأمر نفسه، مما جعل كل منهما يقرر خوض الانتخابات العراقية بقائمة مستقلة منفصلة عن الآخر، وربما تنتهج بقية الأحزاب النهج نفسه.

وأشار الباحث في الشئون الكردية، إلى أن ذلك سيؤثر سلبا على نسبة مقاعد الأكراد بالبرلمان، التي قد تذهب للخارج كنوع من التصويت العقابي، أو يحجم الناخبين عن المشاركة بعد الحالة المعنوية السلبية، التي أصابتهم بسبب سياسات أحزابهم، وبعض قادتهم.

وعول الدكتور محمود زايد، على التدخلات الإقليمية والدولية في تغيير تلك المعادلة، معتبراً أن انتخابات العراق منذ عام 2005، ليست كغيرها في باقي البلدان بالمنطقة، تلك التدخلات التي قد تغير شكل التحالفات وبالتالي النتائج، معتبرا أن الوضع الحالي لن يؤدي إلى خلق نوع من التوازن، وسيكون لصالح أحزاب متوافقة مع تركيا وإيران، وهو ما يأتي ضد المصالح الأمريكية، متوقعا أن تسعى الولايات المتحدة لرأب الصدع بين الأحزاب الكردية المتناحرة، ولو مؤقتا، للخروج من المأزق الانتخابي، وأن ذلك لو حدث سيكون هناك خلل للقضايا العالقة بين بغداد وأربيل، التي تعقدت عقب الاستفتاء الكردي سبتمبر الماضي، وربما نشهد برلمانًا عراقيًا أشد سخونة مما سبقه.

وفي النهاية، جاء رأي شيركو حبيب، مدير مكتب القاهرة بالحزب الديمقراطي الكردستاني، متوافقا مع الرأي السابق، حيث أكد أن حزبه يحترم إرادة الشعب العراقي، لذلك قرر خوض الانتخابات بقائمة منفصلة، ماعدا المناطق المتنازع عليها، نظرا لوجود عمليات عسكرية فيها، أسفرت عن هجرة 600 مواطن كردي لباقي مدن الإقليم، مطالبا بأن تشكل "حكومة توافق" بين جميع القوميات من أجل المصلحة العليا للعراق، وأن تقدم خدمات أفضل للعراقيين، بعيدا عن المصالح الحزبية أو الطائفية والقومية.

مادة إعلانية