فوضى انتخابية وتحالفات هشة.. العراق في مفترق طرق قبل الانتخابات

20-1-2018 | 11:28

البرلمان العراقي

 

محمود سعد دياب

 لا تبدو الأجواء مهيأة في جلسة البرلمان العراقي، اليوم السبت، لحسم موضوع إقرار قانون الانتخابات البرلمانية المقبلة.

وسيعقد البرلمان، في وقت لاحق اليوم، جلسة لإقرار قانون الانتخابات البرلمانية، وسط خلاف كبير بين التيارات الممثلة في البرلمان بين مؤيد ورافض لإجراء الانتخابات في الموعد الذي اقترحته الحكومة العراقية في 12 مايو المقبل.

وتقود التيارات الشيعية في البرلمان موقف إجراء الانتخابات في الموعد الذي اقترحته الحكومة العراقية، حتى لا تدخل البلاد في فراغ دستوري في حال التمديد لفترة مقبلة،
بينما تطالب التيارات والأحزاب السنية والكردية بتأجيل الانتخابات إلى موعد يتراوح بين ستة أشهر وعام، بحجة فسح المجال لنحو مليون نازح عراقي للعودة إلى منازلهم، من الذين فروا من مناطقهم على خلفية الحرب ضد " داعش "، فى حين ترى الأحزاب الكردية ضرورة حسم العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم قبيل إجراء الانتخابات.

وقد فشل البرلمان، طيلة الجلسات الماضية، في تقريب وجهات النظر بين كتل البرلمان، نظرا لشدة الخلافات، رغم اللجوء إلى التصويت السري في جلسة الأسبوع الماضي، لحسم موضوع الانتخابات.

وتمثل القوى الشيعية في البرلمان العراقي الأغلبية، الذى يضم 328 نائبا يمثلون جميع أطياف المجتمع العراقي.

وتسود حالة من الغموض مصير الانتخابات البرلمانية العراقية، في ظل الخلافات التي تمزق الداخل العراقي بين الأحزاب والتيارات الشيعية والسنية والكردية، وبعضها بعضا، ويرى المحللون وجود احتمالية لتأجيل الانتخابات لمدة لم تحدد حتى الآن، بينما دخلت الولايات المتحدة على الخط، وأعلنت استمرار تدخلها المباشر في الشئون الداخلية ببلاد الرافدين، من خلال بيان رسمي من سفارة واشنطن في بغداد، أكدت فيه استعدادها للتدخل، وضمان إقامة الانتخابات في موعدها المقرر له مايو 2018، بهدف الإبقاء على تلك الخلافات، وتزكيتها دون حل الأزمة الأساسية بإلغاء نظام " المحاصصة الطائفية ".

وقالت مفوضية الانتخابات بالعراق إن قرابة 24 مليون عراقي، من بين 36 مليون نسمة، هو عدد سكان العراق، يحق لهم التصويت في الانتخابات المقبلة، حيث تجري الانتخابات العراقية في 18 دائرة انتخابية، تمثل عدد محافظات البلاد، تنتخب كل منها بين 7 و34 نائبًا، استنادًا إلى التعداد السكاني لكل منها، بينما يتم تخصيص ثمانية مقاعد للأقليات، خمسة منها للمسيحيين، ومقعد واحد لكل من الصابئة والإيزيديين والشبك، وتمتد ولاية مجلس النواب العراقي أربع سنوات، وجرت آخر انتخابات تشريعية في 30 أبريل عام 2014.

وباستثناء انتخاب رئيس الوزراء، يتعين على الأحزاب، التي تتقاسم مقاعد البرلمان، الاتفاق على رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، حيث يسود في العراق عرف اتفقت عليه الكتل السياسية يقضي بتقاسم الرئاسات الثلاث، فتكون رئاسة الجمهورية للأكراد، ورئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة البرلمان للسنة.

بول بريمر ونظام "المحاصصة الطائفي"

يتعرض العراق، منذ نهاية عهد نظام صدام، لحالة من الفوضى وصراعات طائفية، أسسها الغزو الأمريكي ، وذكاها بول بريمر ، الحاكم البريطاني للعراق بعد سقوط صدام، من خلال وضعه دستورا يقوم على المحاصصة، ويذكي الصراعات الطائفية بين السنة والشيعة، والعرقية بين العرب و الأكراد والتركمان والإيزيديين وغيرهم من باقي القوميات، مما جعل العرق أرضا خصبة وفريسة سهلة لتنظيم " داعش " الإرهابي، لكي يضع أساس دولته في الموصل وصلاح الدين والأنبار، شمال غرب البلاد، متحديًا الجيش العراقي الضعيف بسبب تلك التقسيمات الطائفية، وذلك قبل تكوين ميليشيا الحشد الشعبي التي كان لها الدور الأكبر في تحرير البلاد من التنظيم الإرهابي.

ومن الملاحظ أن جميع الأحزاب العراقية لا تستطيع تنفيذ برنامجها الانتخابي بسبب نظام " المحاصصة الطائفية "، فرغم أن رئاسة الوزراء كانت على مدى الـ13 عاما الماضية، منذ نهاية الغزو الأمريكي ، من نصيب حزب "الدعوة" الشيعي، فإنه لم يستطع تنفيذ أي من برامجه بسبب طبيعة العملية السياسية المبنية على التوافق، بما لا يسمح بتنفيذ برنامج سياسي خاص بالحزب حتى لو كانت له الأكثرية في المجلس النيابي. كما أن رئيس الجمهورية، فؤاد معصوم، (الكردي الأصل) لم يظهر له تأثير أيضًا للسبب نفسه، بينما يأتي دور سليم الجبوري، رئيس البرلمان، (سني) محدودا، لأن دوره يقتصر على الجانب التشريعي فقط، في ظل أغلبية شيعية للمجلس.

خريطة التحالفات

الانقسام كان أبرز ملامح الخريطة الانتخابية، حيث أعلن حزب "الدعوة الإسلامي" عدم مشاركته باسمه في الانتخابات، وانقسم بين قائمتين، إحداها لرئيس الوزراء، حيدر العبادي، والأخرى لنائب رئيس الجمهورية، نوري المالكي . كما انقسمت القوى السنية بين ائتلاف "عابر للطائفية" مع نائب رئيس الجمهورية، إياد علاوي، وائتلاف "سني -سني" بزعامة نائب رئيس الجمهورية، أسامة النجيفي، في الوقت الذي انقسم فيه الأكراد بشكل غير مسبوق.

انشطار "الدعوة" بين تحالفي "نصر العراق" و"دولة القانون"

قاد حيدر عبادي ، رئيس الوزراء العراقي، ائتلاف "نصر العراق"، الذي يضم 40 حزبا وتيارا، وهو مشكل من تيارات شيعية، وسنية، وأزيدية، والعرب، والكرد، والتركمان وشبكية "إثنية عرقية"، فضلا عن كيانات أخرى، مثل "منظمة بدر"، بزعامة هادي العامري، و"الحركة الإسلامية في العراق"، وتيار "الإصلاح الوطني"، وحزب "الفضيلة"، و"المجلس الأعلى الإسلامي الشيعي"، بقيادة هموم حمودي، وحركة "الصادقون"، التي يرأسها قيس الخزعلي، وائتلاف "الفتح"، الذي يضم 18 كيانا سياسيا، وائتلاف "النصر"، الذي يضم عددا أقل من الأحزاب.

وقد قام الائتلاف على أنقاض حزب "الدعوة" الذي انشطر بين "نصر العراق"، بزعامة "عبادي"، و"دولة القانون"، بزعامة نوري المالكي .

أما ائتلاف "دولة القانون"، بزعامة نوري المالكي ، نائب رئيس الجمهورية، يتشكل من 8 قوى سياسية، تتقدمها بقايا حزب "الدعوة" الإسلامي غير المتحالفة مع "عبادي"، القطب الأقوى في الحزب، فضلا عن أحزاب أخرى، مثل "دعاة الإسلام"، و"تنظيم العراق"، بزعامة خضير الخزاعي، وحركة "النور"، و"الانتفاضة والتغيير"، بزعامة محمد الهنداوي، وتيار "الوسط"، بزعامة موفق الربيعي، وحركة "البشائر الشبابية"، بزعامة ياسر عبد صخيل المالكي، وكتلة "معا للقانون"، بزعامة محمد جعاز.

كما تحالف الائتلاف مع "الحزب المدني"، بزعامة رجل الأعمال المعروف حمد الموسوي، والتيار الثقافي الوطني، بزعامة علي وتوت، بينما غابت عن التحالف قوى الحشد الشعبي .

إلا أن موقف "العبادي" – وفقا لمراقبين - قد يكون الأقوى، حيث يستند على الانتصار الذي حققته العراق في عهده على تنظيم " داعش "، فضلا عن نجاحه في إفساد مخطط انقسام إقليم كردستان، ودفع من خلال اتصالات إقليمية إلى عدم الاعتراف بالاستفتاء، مما نتج عنه رحيل مسعود بارزاني، رئيس الإقليم، عن منصبه.

تشتت القوى السنية بين "علاوي" و"النجيفي"

انقسمت القوى السنية السياسية بين إياد علاوي وأسامة النجيفي، نائبى رئيس الجمهورية، ويعد "ائتلاف الوطنية"، بزعامة "علاوي"، هو الأقوى، وينضوي تحت لوائه 33 حزبا، وانضم إليه رئيس "ائتلاف العربية"، صالح المطلك، ورئيس مجلس النواب، سليم الجبوري، بينما يضم ائتلاف "النجيفي" 16 حزبا فقط، جميعها سنية.

وتنبع قوة ائتلاف "علاوي" من كثرة مرشحيه في بغداد، والمناطق السنية في الموصل والأنبار ونينوى وصلاح الدين، رغم حالة الارتباك في تلك المناطق بسبب التهجير خلال سيطرة " داعش " عليها، مما جعل مراقبون يجمعون على ضعف موقف الأحزاب السنية كلها بسبب ذلك، وتشتت أصوات الناخبين السنة، مما سيضعف حجم السنة بالبرلمان المقبل، ويسمح بتمدد القوى الأخرى الشيعية على حسابها.

أما تحالف "القرار العراقي"، الذي يتزعمه النجيفي، ويضم خميس الخنجر، وطلال الزوبعي، وخالد العبيدي، والنائبة ناهدة الدايني، فهو يلعب على خطب ود تحالف "نصر العراق"، بزعامة حيدر عبادي ، بوصفه تحالفا عابرا للطائفية - على حد قول عبادي نفسه، ويستهدف الدخول في تحالف غير معلن معه، والتنسيق في بعض الدوائر الانتخابية، بحيث يستفيد كل منهما من مناطق قوة الآخر، وسط احتمالات بدخول التحالف رسميا تحت لواء "نصر العراق" في حالة دخول المفاوضات مراحل متقدمة.

وتسود رغبة لدى معظم التحالفات السُنية فى تأجيل الانتخابات، على خلفية عدم وجود المهجرين من المناطق السنية بالشمال، وانتظارهم بالمخيمات والمناطق الأخرى في الوسط والجنوب، لحين إعادة إعمار وتأهيل مناطقهم.

وقد رصد مراقبون تحركات "المالكي" الأخيرة، من خلال افتعاله خلافات عميقة مع حيدر عبادي ، رئيس الوزراء العراقي، تسببت في تمزق حزب "الدعوة" الإسلامي، وطالب بتأجيل الانتخابات بحجة عدم عودة المهجرين من محافظات ديالى وصلاح الدين ونينوى والأنبار، وقدم مقترحا للإطاحة ب حيدر عبادي ، والقدوم مكانه بشكل مؤقت لحين إقامة الانتخابات، ولكن هدفه الحقيقي استكمال المخطط، لأنه يرى أن "عبادي" يقف حجر عثرة أمام مشاركة الحشد الشعبي في الانتخابات، ومصر على سحب السلاح منه، وعودته للدولة مرة أخرى.

التيار الصدري.. موقف وطني

ويختلف موقف التيار الصدري، بقيادة مقتدى الصدر ، عن مواقف باقي التحالفات العراقية، حيث يقود مشروعا وطنيا قوميا عروبيا يستهدف إلغاء نظام " المحاصصة الطائفية "، واتباع حكم تكنوقراط عابر للطائفية، يستهدف الانطلاق بالبلاد نحو التنمية، والتخلص من الطبقة السياسية الالية التي أغرقت العراق في بئر الفساد.

سيناريوهات مستقبل الأكراد في الانتخابات

وفيما يتعلق بالساحة الكردية، فإنها تعاني سوء تصرف أبعدها عن المشهد، من خلال المضي بالاستفتاء على استقلال الإقليم في سبتمبر 2017، مع ما صاحبه من أزمة الرواتب، والحصار المفروض عليهم من قبل الحكومة الاتحادية المطابق للقانون، وهذه الأزمات وغيرها أنتجت جمهورا كرديا ناقما على من أوصله لهذه المرحلة، ويسعى لإعطاء صوته لمشروعات شبابية تتمتع بروح التعاون، خصوصًا أنه بعد انتهاء الاستفتاء، وتخلي مسعود بارزاني عن منصبه، بات من الصعب التكهن بتحركات الأكراد ، ومشاركتهم التيارات السياسية العراقية في الانتخابات التي ستشكل الحكومة، حيث يرى الكثير من تلك التيارات أنه لا ينبغي أن يتولى الأكراد مناصب مهمة في الحكومة العراقية القادمة، كما كانوا في السابق.

بينما تعيش الأحزاب الكردية، التي يمثلها حالياً نحو ستين نائباً في البرلمان، انقساماً في الصفوف، حيث شكل كل من الحزبين التاريخيين "الديمقراطي" والاتحاد" لائحتين منفصلتين، فى حين توحدت أحزاب المعارضة الرئيسية الثلاثة في قائمة موحدة، ولم يشر أي من هؤلاء حتى الآن إلى تحالفاتهم المرتقبة، ولكن في حال تمكنوا من حشد أصوات كافية فقد يصبحون محط تودد لمعسكري "العبادي" و"المالكي".

ونظرا للأزمة الاقتصادية التي تعصف بإقليم كردستان العراق ، ووجود اختلافات عديدة بين الأحزاب والحركات السياسية فيه، طرح البعض 3 سيناريوهات، أولها مشاركة جميع التيارات الكردية تحت لواء "التحالف الكردستاني"، وهو ائتلاف موحد وشامل تشكل في 2005، وشارك في تشكيل البرلمان العراقي بعد نهاية الغزو الأمريكي ، وانسحاب القوات الغازية، وضم الحزب "الديمقراطي"، برئاسة مسعود بارزاني، والتحالف الإسلامي، بقيادة صلاح الدين بهاء الدين، بالإضافة إلى بعض المنشقين من الحزب الوطني، بقيادة كستر رسول علي.

وهذا التحالف مستحيل أن يعود للتحقق، في ظل الخلافات التي تمزق أعضاءه حاليا، فضلا عن وجود تقسيم جغرافي بين العاصمة أربيل والعاصمة الثقافية السليمانية، وصراعات بين ائتلافي المدينتين، وهذا الأمر يمكن رؤيته بشكل واضح عندما سعت كل من أحزاب "غوران"، والجماعة الإسلامية، والتحالف من أجل الديمقراطية والعدالة إلى تشكيل تحالف خاص بها تحت مسمى "التحالف الوطني"، للمشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة بإقليم كردستان.