مرافئ بلا وطن في ديوان "تطوقني المسافة"

18-1-2018 | 15:21

رشا غانم

 

مقال لـ: د.رشا غانم

يعد ديوان "تطوقني المسافة" محطة إبداعية مميزَة للشاعرة المصرية عبير زكي، حيث يحمل فيضًا دلاليًا ثريًا يزخم بألفاط وتراكيب شتى، وأيضًا مضامين متعددة، لنقف لبوح شعري ذي نكهة خاصة موهبته الشعرية وثقافته أثقلت تجاربه وخبراته ونظرته للحياة.


احتوى الديوان على ست عشرة قصيدة منها: النص الأخير، القصة ما فيها سر، تصادفنا ملائكة، سيف الوقت، الهروب من المطرقة، لست وحدي، بلا وطن بلا عنوان..." إلى آخر قصائد الديوان.

يشتمل غلاف الديوان على جزء من قصيدة في الديوان بعنوان "لا أنتمي" تقول:

هلْ منْ وميضٍ قادمٍ..
أم أنني..
في ذلكَ المنفى سأشهدُ مأتمي
لا أنتمي.

حول هذا المعنى تضيء قصائد الديوان موضوعات شتى من الحياة تترجم بها الشاعرة فيضا من المشاعر تجتاحها عبر قصائد الديوان، وكأن الأمل ما زال معقودًا نحو غدِ أفضل. كما أن الاغتراب تيمة دلالية تميز بها هذا الديوان، ألا ترون معي أن الشعر مناجاة لذات شاعرة مشتتة يؤججها الحنين باستمرار؟ فالشاعرة التي نتعرض لإبداعها في هذا الديوان ليست شاعرة تقليدية مهتمة بقضايا عامة أو رومانسية مشغولة بمحور ذاتها فقط، ولا واقعية تكرس كتاباتها نموذجًا نقديًا لسلبيات مجتمعها، إنها شاعرة حداثية تجاوزت هذه المراحل، وعايشت مرحلة الاغتراب المعاصرة، ومعاينة الأسئلة والهواجس الكبرى التي تؤرقها وتشعرها بالاغتراب عن الذات، والآخر، والاغتراب عن المكان، فنجد لها القدرة على التعبير عن خصوصية هذه التجارب الإبداعية وعلاقتها الواعية بالوطن.

هذا يجعلنا نتبين أن الأدب النسوي (Feminist Literature) مصطلح مشوّش، فهو يعطي انطباعًا خطأ بأنه صيغ كوصف لحالة مستجدة وهي بدايَّة مساهمة النساء في الكتابة، فقدوم أولئك الكاتبات واقتحامهن عالم الطباعة والنشر الذكوري بعد تغييب طويل كان لا بُدَّ له من مسمى فكان المصطلح. لكن الحقيقة هي أن الكتابة النسائيَّة استمرَّت ما يزيد على ثلاثة قرون من الزَّمَان قبل أن يصك هذا المصطلح، فهو بذلك ليس مصطلحًا يعيّن نوعًا أدبيًّا وإنما جاء نتيجة لحراك اجتماعي سياسي نسوي طالب بحقوق المرأة ومساواتها بالرَّجل قانونيًّا في عهود لاحقة.

فالمصطلح إذن لا يرتبط بكتابة النساء الإبداعيَّة حصريًّا، وإنما مرتبط بالحراك التحرري في القرن العشرين. وعليه، فإنَّ الأدب المرتبط بقضايا المرأة هو الأدب النسوي سواء كتبته امرأة أو رجل.

فالأدب يقوم علي جوهر إنساني دون أن تدخل فيه الأنوثة أو الذكورة، فهو يبحث عن التزاماته ليضيف التزامًا آخر ينتصر به علي أعداء المجتمع. إن الشعر بوصفه فنًا أدبيًا جعل الذات الشاعرة بمشاعرها، ورغباتها، وأحاسيسها وعلاقاتها مع الآخر نبعًا ثريًا يغذي التجربة الشعرية التي تتلاقح مع ثقافة الشاعر وقناعاته.

فلم تنكمش حول ذاتها فقط، بل كان محور ذاتها ما يجتاح العالم أيضًا من منغصات، وظهر ذلك جليًا في تنوع قصائد الديوان، لأن الشعر العربي الحديث هو رسالة حياة ورؤيةٌ جمالية وفلسفية حاول بها الشعراء حلَّ كثير من مشاكل العصر المعقدة من خلال واقع عربي مأزوم، فكان خطاب الشاعر مغايرًا لما قبله حيث
كان اللجوء إلى اليومي والمعاش وبلغة تواكب اليومي في هديره الوجودي هو ما أراده الشعراء المعاصرون عبر تجريب كتابي إبداعي لإثبات المغايرة لتجربتهم، حيث القصيدة تمثل شكلًا من أشكال التغيير في بنية القصيدة اليومية الحديثة.
مثال للقصيدة اليومية، ومشهد يتراءى أمام أعيينا كل يوم تسجله الشاعرة في قصيدة "الحكاية"، تقول:

يَحْكُونَ لِي عَنْ قَاطِرَةْ
وَصَافِرَةْ
وعَنْ أُنَاسٍ رَاحِلَةْ.. وآخَرينَ رَاجِعَةْ
يَحْكُونَ لِي عَنْ قَاطِرَةْ
ومَوقِفٍ مُجَهَّزٍ
تَزُورُهُ فِي الْخَامِسَةْ..
مِنْ كُلِّ يَوْمٍ حَافِلَةْ
ولا يَجِيءُ الْمَوْقِفُ
ولا تَبِيْنُ الْحَافِلَةْ
أَصْوَاتُهُمْ بَعِيْدَةٌ
تَأَتِي مِنَ الَّزمَنِ الْبَعِيدِ تَلُفُّنِي
مِنْ قَرْيَةٍ قَرِيْبَةٍ كَانَتْ تَضِجُّ بِالْحَيَاةِ الْعَامِرَةْ
وصِبْيَةٍ يَتَضَاحَكُوْنَ
ويَمْرَحُونَ ويَلْعَبُونَ
وهَؤُلاءِ وآخَرُونَ
وعَابِرُونَ يُسَجِّلُوْنَ عَلَى الَّطرِيْقِ خُطَاهُمُ الْمُتَفَجِّرَةْ
وجَمِيْعُهَا مِنْ كُلِّ بُدٍّ رَاحِلَةْ

تنبئ لفظة "قاطرة" عن الاستعداد للرحيل، حيث يضيء الارتحال كمشهد يتكرر أمامها في النفس مشاهد كثيرة أغلبها تشعرنا بالألم والحنين وذكرى تظل عالقة بالنفس، فهناك عابرون، وموقف، وأصوات، وحركة، وخطى، في لحظة فارقة بين الدنو والقرب بين الوصال والفراق وهكذا تسير بنا الحياة.

من قصيدة "تطوقني المسافة" التي تحمل عنوان الديوان تقول:

كُلُّ شَيْءٍ هَا هُنَا يَلْتَفُّ حَوْلِي..
كُلُّ شَيءٍ صَارَ يَحْتَرِفُ الْمَكِيْدَةْ
أنَا وَحْدِي
أَصُدُّ الْغَيْمَ دُوْنَكَ كُلَّمَا هَبَّتْ رِيَاحُ الِّضدِ تَعْصِفُ بِالْمَكَانِ
أَنَا وَحْدِي أَرُدُّ الْكَيْدَ.. وَحْدِيَ
كُلَّمَا سَقَطَتْ عَلَى رَأْسِ الْوُجُوْدِ حَمَاقَةٌ أُخْرَى..
تُزَلْزِلُ مَوْكِبَ الَّنجْمَاتِ فِي أُفُقِ الْمَدِيْنَةْ..
فَتَسْقُطُ مِثْلَ حَبَّاتٍ حَزِيْنَةْ
كُلَّما رَاحَتْ فَرَاشَاتُ الِّضيَاءِ الْغُرِّ تَفْتَرِشُ الُّترَابَ ..
وتَرْتَمِي حَوْلِي بِأَلْوَانٍ ضَرِيرَةْ..
وَأَجْنِحَةٍ كَسِيرَةْ
أَنَا وَحْدِي
وذَاكِرَتِي..
بِلا صِوَرٍ
وأَحْلامِي بِلا أَلْوَانْ...

تيمة التكرار هنا "أنا وحدي" لذات شاعرة مشتتة مؤججة من جراء عوائق كثيرة تلفها كالطوق، والتكرار لهذه الجملة أعطى دفقة شعرية تستجلي أحاسيس الشاعر وما يحس به، لأنَّ ما يجول في نفس الشاعر من أحاسيس سواء أكانت في منطقة الشعور أم اللا شعور هي التي تحدد نوع - الكلمة المكررة - ومكانها وزمانها نتيجة وقعها في نفسه وأثرها عليه، وهكذا يصبح التكرار بمنزلة الضوء الذي يسلطه الشاعر على الأعماق كي يسهل الاطلاع على خباياها وعلى اللاشعور الكامل فيها فهو تكرار لا شعوري.

كما تناثرت بعض التراكيب الزخمة بالثراء الدلالي كـ: "أَصُدُّ الْغَيْمَ دُوْنَكَ كُلَّمَا هَبَّتْ رِيَاحُ الِّضدِ تَعْصِفُ بِالْمَكَانِ، أَنَا وَحْدِي أَرُدُّ الْكَيْدَ.. وَحْدِيَ"

ولكن ما زالت هناك عوائق كالطوق تقف حائلة فهل ستتبدد يومًا؟

من قصيدة "بلا وطن ولا عنوان" تقول:

فَتَعَالَ نَصْبِرُ لِلزَّمَانِ وَ نَصْمِدُ..
فَهُنَـا أَنَا وَهُـنَاكَ أَنْتَ مُقَيَّدُ
وَالْعُمْرُ يَبْكي بَيْنَنَا مـَـا بَيْنَنَا..
وَالّروْحُ تُنْكِرُ مَا تـَرَاهُ وَ نَشْهَدُ
مَوْجٌ عَلى مَوْجٍ يُشَتِّتُ جَمْعَنَا..
مُتَجَهِّمٌ.. مُتَقَلِّبٌ.. مُتَـمَدِّدُ

تحاول الشاعرة في هذه القصيدة أن تزرع بها الأمل في حقل الشوك، وبفورة من فورات الأنا الثائرة نجدها تشجب كل ما يشتت جمعنا ويعوقنا عن التمسك بالوحدة، وكل ما يحاك حولنا من أدوات الموت التي يصنعها لنا الآخرون في الخفاء حتى تختم القصيدة بقولها:

عِشْ كَيْ يَعِيْشَ بِأَرْضِنَا أَمَلٌ لَنَا..
وَنَظَلُّ نُنْشِـدُ شِـعْرَنَـا وَ نُغَرِّدُ:

في هذا البيت الأخير فصل القول، حيث تترجم الشاعرة فيه رسالتها عبر الديوان.
وعندما نقف عند اللغة في الديوان نجدها ثرية زاخرة بالتراكيب ذات الدلالات المتنوعة.

استطاعت الشاعرة أن تطوع ألفاظها حيث الشعر "يمنح الكلمة خاصية ذاتية بتحويل إياها إلى حالة ترتبط بقيمة إنسانية ما، حتى إن كثيرًا من الكلمات الشيئية فيه تتحول إلى رموز معنوية، عميقة الدلالة، متعددة الأبعاد. إن الذي يحول الكلمة من ماديتها في الشعر هو الوضع التركيبي الذي تشكل جزءًا فيه، فالعلاقات التي تجعلها قريبة أو بعيدة من الكلمات الأخريات داخل ذلك التركيب تكسبها ثراءً معنويًا.
لا يمكن للشاعر المبدع أن يستخدم اللغة في شعره كما يستخدمها الناس في حياتهم اليومية، فالمفروض في لغة الشعر أن تكون ذات طاقة تعبيرية مكثفة فالشاعر يُجهد نفسه في بناء لغته بناءً خاصًا، ويطورها؛ لأنها أداته التعبيرية التي يرتبط من خلالها بمجتمعه، فهي أداة توصيل فني، ووسيلة خلق إبداعي.

ظهر جليًا في معجمها الشعري فجاء متنوعا، وقد زخم بألفاظ كثيرة ذات دلالات منها: يهطل، قاحلة، راحلة، وميض، المكيدة، فيض، الوجوم، المغيب، قاطرة، الغريب، وحدي، لتدل على انسيابية المشاعر وتدفقها في جو من القلق والتوتر يسيطر على الشاعرة، فالذات الشاعرة هنا تحاول أن تتعايش مع كل ما حولها وتحوله شعرًا.

تميز هذا الديوان ببعض التضمينات الشعرية المهمة منها للشاعر الفلسطيني: محمود درويش يقول:

أَنَا "الطِّينِيُّ فِي البَشَرِيِّ" وسبقه هذا البيت للشاعرة من قصيدة "تصادفنا ملائكة" تقول: أَنَا اللاشَيْءُ.. حِيْنَ أَظَلُّ لا شَيْئًا.
الخاتمة في الديوان ممهدة لإثراء المشهد الشعري فعندما تختم الشاعرة من قصيدة "لست وحدي"

وَأَنَا هُنَالِكَ بَيْنَهُمْ أَتَصَدَّعُ
لا لَسْتُ وَحْدِي.. لَسْتُ وَحْدِي.. لا

الذات الشاعرة في القصيدة عربية حتى النخاع، تفخر بهويتها العربية وأهم ملمح لها هو كل ما يخلد مآثرها وأمجادها ويذود عنها، وهل غير الشعر بمدافع؟ فالشعر ذاكرة الأمة وديدن الحفاظ على لغتها العربية ومفرداتها قديمها وحديثها، وبه تمكنت الذات الشاعرة من القصيد.

غلاف الديوان

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة