السياسي.. والسائس.. وبينهما المواطن

14-1-2018 | 00:40

 

توجد في مصر مهنة لا مثيل لها في العالم، وهي مهنة (السائس) أو السايس، وهو هذا الشخص الذي يظهر لك من تحت الأرض عندما تنوي القيام بركن سيارتك، أو الخروج من مكان قمت بركن سيارتك فيه، وعادة ما تجده مصممًا على الفذلكة ويصر على إعطائك إرشادات غير مفهومة مثل أن يقف لك أمام السيارة بمنتهى العنجهية ويقول لك "يمين.. اكسر كله.. لم كله تعالى ورا.. ارجع قدام ولم كله.. حاسب يمينك.. حاسب شمالك" وكلها أمور لا تحتاج إليها في أغلب الأوقات وإنما هي مؤهلات عمل السائس لا أكثر ولا أقل.


وفي بعض الأحيان يكون هو السبب في أن تصطدم سيارتك بالسيارة التي خلفها أو التي أمامها.. وعندها ينبري لك ويقول بعنف (مش قلتك حاسب) وبعد ذلك يلهف منك المعلوم، والذي أصبح الآن - خاصة بعد تعويم الجنيه - لا يقل عن الجنيهات العشرة، وكأنه يستورد المواد الخام اللازمة لمهنة السائس بالدولار من الخارج.. وهذه الظاهرة الفريدة والتي تنفرد بها شوارع المحروسة لا تحتاج إلى أي مؤهلات ولا مهارات، فقط تجده في بعض الأحيان يحمل صفارة في حالة إذا ما كان المكان الذي يسيطر عليه كبيرًا.

والصفارة كانت إحدى العلامات المميزة لرجل المرور في مصر منذ سنوات، عندما كان هناك ضبط وربط في الشارع المصري، أما الآن فأصبحت الصفارة مع من هب ودب، وأصبحت من أدوات مهنة السائس والغريب يا سادة هو هذا الربط بين هذه المهنة (السائس)، والذي لا تجده عندما تحتاجه فعليًا، وإنما يظهر فقط لتحصيل الجباية، أو المبلغ الذي فرضه مقابل السماح لك بركن سيارتك في شارع الحكومة، أو رصيف الحكومة الذي هو ملك الجميع، وملك الدولة.

وبين السياسي والمصدر اللغوي واحد فالسياسي أو السائس في لغة السياسة أيضًا لا تجده في بلادنا إلا في أوقات الانتخابات البرلمانية مثلا؛ أي عندما يحتاج منك صوتك الانتخابي، وبعد ذلك يختفي تمامًا من الدائرة، ومن حياة المواطنين ويتركهم فريسة لظروفهم المعيشية الصعبة.

ما أريد قوله هو أنه لا فرق بين السياسي أو السائس وبين سايس الشارع أو السائس الذي يجبي منا الأموال مقابل السماح لنا بركن السيارة في شارع الحكومة، خصوصًا عندما تضطرك الظروف لقضاء مصلحة أو حل مشكلة تركها لك أو تخلى عنك رجل السياسة أو السياسي لحلها.. وأصبحنا فريسة للسائس والسياسي.. ولتأكيد كلامي بحثت في الويكيبيديا عن الأصل اللغوي في تسمية السياسي والسياسة والسائس ووجدت أن السياسة لغويًا جاءت من (وساس الأمر سياسة) والسياسة فعل السائس.. والوالي يسوس رعيته وسُوٌس فلانٌ أمر بني فلان أي كُلف سياستهم وسست الرعية سياسة: أمرتها ونهيتها وهي مأخوذة من الفعل (ساس) أو هو مأخوذ منها.. على خلاف بعض النحويين ومضارع الفعل يسوس.. واصطلاحًا تعني رعاية شئون الدولة الداخلية والخارجية وتعتبر السياسة عملية صنع قرارات ملزمة لكل مجتمع تتناول قيم مادية ومعنوية وترمز لمطالب وضغوط، وتتم عن طريق تحقيق أهداف ضمن خطط معينة؛ سواء لجماعات أو مؤسسات ونخب حسب أيديولوجيا معينة (مثلما يحدث من جماعات الإسلام السياسي).

والسياسة هي القيام على الشيء بما يصلحه أي المفترض أن تكون الإجراءات والطرق وسائلها وغاياتها مشروعة فليست السياسة هي الغاية تبرر الوسيلة.. أما العلوم السياسية فهي دراسة السلوك السياسي وتطبيقاته أي القدرة على فرض رغبات شخص أو مجموعة على الآخرين.. والخلاصة أن السياسة هي كيفية توزيع القوة والنفوذ ضمن مجتمع ما أو نظام معين وهي العلاقة بين الحكام والمحكومين أو الدولة وكل ما يتعلق بشئونها أو السلطة الكبرى في المجتمعات الإنسانية وكل ما يتعلق بظاهرة السلطة.

مقالات اخري للكاتب

يوميات نيويورك .. رئيس وملياردير.. وفاشل ومهرج

الحرب الكلامية تتصاعد بشكل ملحوظ بين مايكل بلومبيرج الملياردير الأمريكي والمُرشح المحتمل للحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة أمام

يوميات نيويورك .. ترامب عاد لينتقم

تابعت ليلة الجمعة الماضية مناظرة تليفزيونية بين المرشحين الديمقراطيين للرئاسة الأمريكية المقبلة.. اشتبك فيها المرشحون الديمقراطيون؛ مما جعلها مناظرة متوترة

يوميات نيويورك 7.. "الفارس المصري" أسعد رجل في أمريكا

نعم يا سادة.. إن أسعد رجل فيكِ يا أمريكا؛ بل وفي العالم هو الشاب المصري الأمريكي نايل نصار؛ وهو يستحق هذا اللقب بعد أن أعلنت جينيفر ابنة الملياردير الأمريكي

يوميات نيويورك 6 .. "قرن ترامب وصفقته"

يوميات نيويورك 6 .. "قرن ترامب وصفقته"

"مؤتمر برلين" .. ما أشبه الليلة بالبارحة

"مؤتمر برلين" وما أشبه الليلة بالبارحة

يوميات نيويورك 5.. حرب "لم يٌقتل فيها أحد"

المشهد الإعلامي والسياسي الأمريكي خلال الأسبوع الماضي صدق عليه القول الشهير "أسمعُ ضجيجًا ولا أرى طحنًا" وكان أيضًا مليئًا بالصواريخ الفارغة من الرؤوس الحربية وأيضًا مليئًا بصواريخ التغريدات والتويتات على تويتر..

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]