إبراهيم البجلاتي يكتب: لا شيء يسقط بالتقادم (مقاطع شعرية)

12-1-2018 | 15:48

إبراهيم البجلاتي

 

١-

قبل أيّام وصفت دواء لصديق مريض
حبة في الصباح
وحبة في المساء
بعد يومين قال لي:
حبة الصباح لم تفعل شيئا
وحبة المساء جعلت شفتي السفلى كبيرة
كأنها شفة شمبانزي
ضحكت
فقال: تضحك؟
قلت: قبل خمسين عاما
ركبت حمار عمي الأسود
أسبوعا كاملا في حر يوليو
وحين عدت إلى بيتنا في المدينة
صحوت بشفتي حمار
وأذني فيل
كان العلاج بسيطا
حبة في الصباح
وحبة في المساء
وعشرة أيّام دون بيض أو لبن أو سمك
في الصيف التالي
أبقاني إلى جواره في المدينة الصغيرة قائلا:
أخاف عليك من دودة صغيرة في المياه
ولا أخشى عليك من الغرق

٢-
غريبة هذه الحياة
غريبة
بالفعل
كلمة واحدة
عابرة
وغير مقصودة على الإطلاق
بإمكانها أن تبني مقاما على التل
وفِي الوقت نفسه تشق طريقا واسعة إليه
كأنه مخزن كبير للغلال
ولكل واحد
حفنة من الأشواق
وحفنة من الأسى

٣-
في هذا الصيف البعيد
كنت أصحو وفِي الطريق إلى المرآة
أسأل نفسي
أي حيوان سأشبه الْيَوْمَ؟
كأنها لعبة
تصحو مرة بعينين منفوختين كالباندا
أو بخف جمل بدلا من يديك
أو بأنف مهرج حمراء
تحزن قليلا
لأنك في الظهيرة
ستصبح عاديا
وتحزن أكثر
لأنك لم تصبح زرافة قط
ورغم ذلك تفرح
لأنك في هذا الصيف
كانت لك فائدة كبيرة
ركبت حمارًا
وحملت عليه - مع صغار العائلة -
عشرين ألف قالب من الطوب
بينما كبارها يبنون
زريبة جديدة للبهائم

٤-
في الشتاء
بعد أعوام كثيرة
أفلت يده من يدي
لم أستطع البكاء وقتها
كأنني حجر
وبعد أعوام كثيرة أخر
وفِي الطريق الضيق بين الحقول
مقابر على اليمين
ومقابر على الشمال
خارت قواي
تركت نفسي للدموع
صرخت في الركب الطويل
خذوني إليه
في حجره لي
حفنة من المحبة دون شرط
حفنة تكفي
أن أموت راضيا
وأن أقول لكم ادفنوني هنا
معه
تحت هذه الصفصافة
خلف هذه الرخامة البيضاء

أنا العاشق سيّئ الحظ
وسيئ النوايا

٥-
أستطيع الآن، بعد ساعتين من كتابة المقطع الرابع، أن أعمل ضد نفسي. فأقول مثلا إن العاشق كلمة ميتة أحياها "درويش" مرات كثيرة، ورغم ذلك ماتزال ركيكة ومهجورة مثل قصر شامبليون في وسط المدينة ، كلما مررنا به، يقول طفلي الصغير:
هذا القصر مهجور
فما الذي تعنيه هذه الكلمة
أقول: دون أهله
فيقول لي: أين ذهبوا؟
أقول: راحوا
وأقول لنفسي
للكلب في هذه اللغة سبعون اسما، للكلب في هذه اللغة أحوال كثيرة، وللعاشق أسماء أقل وحالتان: متصل ومهجور. وفِي الحالين هو سيّئ الحظ إذا عُطف عليه يلهث وإذا تُرك لحاله يلهث، ولا يجد لنفسه راحة في الحياة وفِي المجاز.

٦-
في الطفولة هجم كلب عليّ وعض أمي
فادخرت إحدى وعشرين حقنة في البطن لأيامي الأخيرة

٧-
يستطيع مراهق مثل الذي كنته أن يغسل الصحون في الليل لأسباب كثيرة ليس من بينها ألم الفراق.

٨-
لا شيء يسقط بالتقادم، لا شيء يضيع أبدا
فالمراهق الذي كتب رسالة قصيرة: تركت لكم البيت، ولن أعود مجددًا، فلا تبحثوا عني، وعاد بعد يومين مثل الأرنب الغضبان في قصة تنتهي بهذه العبارة الشهيرة: كل يوم خس وجزر، ..، هو نفسه الشيخ الذي اختبر بيوتا كثيرة وعاد منها ببيت واحد:
"بم التعلل؟ لا أهل ولا وطنُ.. ولا نديم ولا كأس ولا سكنُ"
لكنه لا يواصل الغناء، ولا يريد ما أراده المتنبي، ولا يريد أن يسمع جملة بليدة تربط القديم بالدهشة. لست هنا من أجل ذلك، أنا هنا لأن ريشة ضائعة في الهواء لا تعرف سوى هذه اللذة.

اقرأ ايضا: