في ذكرى ميلاد صاحب "لغتنا الجميلة".. فاروق شوشة انتصر للعامية في أولى أغانيه| فيديو

9-1-2018 | 14:22

فاروق شوشة

 

أحمد عادل

منذ أن التحق الشاعر الراحل  فاروق شوشة بدار الإذاعة بالقاهرة، وقد نجحت خامته الصوتية وأسلوبه الرائق في الحوار وإلقاء القصائد والأشعار في غزو قلوب متابعيه عبر الأثير.


استطاع شوشة ابن قرية "الشعراء" الذي ولد في مثل هذا اليوم ، التاسع من يناير عام 1936 بدمياط، أن يكتب اسمه بأحرف من نور في سجل شعراء العربية، به اكتست القصيدة ثوبًا إبداعيًا لم ترتده من قبل، ذلك أن هذا الشاعر الدرعمي، الذي تخرج في كلية دار العلوم في خمسينيات القرن العشرين، استطاع أن يثور على القصيدة الكلاسيكية القديمة التي درسها، لينقلها إلى آفاق شعرية رحبة تتسم بالحداثة عبر شعر "التفعيلة".

واحتفل محرك البحث "جوجل" بذكرى ميلاد الشاعر والإذاعي الراحل عبر خدمة google birthday التي يحتفل فيها محرك البحث العالمي بذكرى ميلاد ورحيل الشخصيات المؤثرة في مختلف المجالات. 

عشق للقراءة منذ الطفولة 

شب شوشة في أسرة عاشقة للقراءة، وشكلت مكتبة والده النواة الأولى نحو تكوين ثقافته الأدبية والموسوعية، وبين أرفف المكتبة التي ازدانت بروائع الأدب العالمي مثل "الإلياذة" و"الأوديسا"، وما إن جاوز الصبا حتى قرأ لمدراس شعرية مختلفة، كالمدرسة الكلاسيكية، والإحياء والبعث، والديوان، وأبوللو، فقرأ دواوين أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، والعقاد، وإبراهيم ناجي، وعلي محمود طه.

حصيلته الأدبية وحبه الجارف للغة العربية جعلاه يلتمس الطريق نحو "دار العلوم"، وبالفعل أثبت شوشة تفوقه بينما كان محاطًا بسدنة اللغة وأرباب الكلمة، ليتخرج من كلية "دار العلوم" عام 1956، ضمن الدفعة الأولى التي تخرجت بعد انضمام "الدار" لجامعة القاهرة.

من دار العلوم إلى الإذاعة 

ومن شارع "المبتديان" بالسيدة زينب حيث "دار العلوم" القديمة توجه شوشة إلى "شارع الشريفين" بوسط البلد، فقد تقدم لمسابقة لاختيار مذيعين جدد لإذاعة "البرنامج العام"، وكان النجاح حليفه لتقترن مسيرة الإذاعي بالشاعر الأديب، وهناك أصبح تلميذا في مدرسة الرائد الإذاعي حسني الحديدي، وفي مدرسة "الحديدي" لم يكن النجاح سهلًا، حيث كان جادًا في عمله لدرجة الصرامة الشديدة مع تلاميذه من المذيعين تصل إلى درجة القسوة عندما يخطئ أحدهم، وكانت له "وصاياه السبع" كي يحقق المذيع النجاح المطلوب تبدأ بقوة الشخصية، والقبول لدى الجمهور، غزارة المعلومات، قوة الأعصاب، الالتزام بالتعليمات، الاستعداد للحساب، فضلًا عن أن يكون الميكروفون هواية للمذيع وليس عملًا روتينيًا.

نجح فاروق شوشة وتخطى مدرسة الحديدي الإذاعية بدرجة الامتياز، بل وآمن بموهبته الإذاعية وأعجب أيما إعجاب بثقافة شوشة ولغته القوية الجزلة، وهو ما دفعه للقبول بزواجه من ابنته الإذاعية الكبيرة هالة الحديدي، صاحبة البرنامج الإذاعي الشهير"ألحان زمان".

استطاع شوشة أن يعيد تشكيل الوجدان الثقافي للمصريين، في فترة بالغة الدقة، حيث انطلق برنامجه الإذاعي الأشهر "لغتنا الجميلة" في أعقاب نكسة 1967، فالنصر في المعارك لا يتم إلا بالأسلحة العسكرية فقط، بل بقوى ناعمة أقوى بكثير من البنادق والمدافع تتمثل في الفكر والأدب والشعر.

كان الراحل فاروق شوشة حاضرًا في التليفزيون من خلال برنامجه الشهير"الأمسية ثقافية" الذي بدأه عام 1977 وحاور فيه كبار الكتاب والأدباء والشعراء، مثل توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وأمل دنقل، وعبد الرحمن الأبنودى وغيرهم الكثير.

وراح شوشة يتنقل بين أروقة الإذاعة مقدمًا للأخبار والفعاليات الكبرى، وفي مقدمتها حفلات سيدة الغناء العربي كوكب الشرق، وكانت أولى تلك الحفلات بتاريخ السابع من يناير عام 1965، حيث شدت كوكب الشرق من حديقة الأزبكية بثلاث وصلات غنائية، غنت خلالها أغنيات "للصبر حدود" و"أراك عصي الدمع"، "سيرة الحب"، كما قدم آخر حفلات الموسيقار فريد الأطرش في مصر والتي شدا خلالها برائعته "عش أنت" من كلمات الأخطل الصغير بشارة الخوري.

كبار الموسيقيين وأشعار صاحب "لغتنا الجميلة"

لم يكن شوشة مقدمًا لحفلات كبار نجوم الفن والطرب فقط، بل تغنى كبار المطربين بكلمات شوشة، وقد احتفظت ذاكرة الإذاعة بأربعة من هذه الأعمال التي تنوعت بين العاطفية والوطنية.

ومن اللافت أن أولى الأغاني التي كتبها شوشة ولحنها الموسيقار محمد الموجي كانت من نصيب الشحرورة صباح، قد كتبها باللهجة العامية وحملت اسم "والله اتجمعنا تاني يا قمر"، وقد غنتها صباح فى بداية السبعينيات بعد فترة غياب عن مصر، وتقول كلماتها: "معقول يا محبوب ما يطل القمر.. معقول ما نشوف الشمس بنهارنا.. معقول يفنى الكاس ويدوب الوتر.. معقول تدبل بالجبل أزهارنا.. بس مش معقول ساعة من الزمان.. ننساكي يا مصر من أفكارنا.. والله واتجمعنا تاني يا قمر.. والله واتجمعنا واحلو السهر".

استمر التعاون بين شوشة والموجي في رائعتين أخريين، فقد غنت وردة الجزائرية قصيدتها الوطنية الشهيرة "أحبها يهتز قلبي عندما يقال: مصر"، وتقول كلماتها: "أحبها يهتز قلبي عندما يقال: مصر.. أحبها.. أحبها وذكرها في فمي النشوان عطر.. أحبها ونيلها الوسنان في عيني سحر.. أحبها وظلها الفينان للآمال بر.. أحبها وحبها لقلبي الهيمان عُمر".

ثالث الأعمال كان من نصيب الفنانة ميادة الحناوي، وهي قصيدة عاطفية بعنوان "يا غائبًا لا يغيب"، وتقول كلماتها: "يا غائبًا لا يغيب.. أنت البعيد القريبُ.. مهما تغب عن عيوني.. فأنت أنت الحبيب.. أتعبتني في هواك..قيدتني في خطاكَ..ألقيت حولي شباكا.. أنـىّ اتجهت أراك.. تصيبني فــأذوب.. يا غائبا لا يغيب.. يا قـلبُ رفقًا فإني.. قد حار في الحب ظني.. بين الأسى والتمـني.. أشكو حبيبي وأشكو.. لكنني لا أتوب.. يا غائبًا لا يغيب".

عملاق آخر رقصت كلمات شوشة الرائقة على موسيقاه الفخمة، هو الموسيقار رياض السنباطي، إمبراطور القصائد العربية، وكان اللقاء في رائعة الفنانة نازك، صاحبة الصوت الأسمهانى الرائع، التي غنت من قبل أغنية "كل دقة في قلبي"، وكانت قصيدة "أسامعي أنت يا حبيبي" وتقول كلماتها: "أسامعي أنت يا حبيبي.. يا واحة التائه الغريبِ.. أين الذي عطّر الليالي.. يا ربّة العطر والطيوبِ.. أين الذي وشّح الأماني؟.. أحارُ في سحرهَا العجيبِ.. أين الذي فجّرَ الأغاني؟.. لحنًا لعينيك يا حبيبي".

أما الفنانة سعاد محمد، التي اعتمد عليها السنباطي كثيرًا في غناء القصائد بعد وفاة كوكب الشرق أم كلثوم، فقد غنت من أشعار فاروق شوشة ، ونغمات رياض السنباطي قصيدة "منذ أعوام" أو "عُد لنا"، وتقول كلماتها: "منذ أعوام وكان الحب يأتي بابنا.. طارقًا يسأل عن مأوى وأمنٍ وظلال.. لم يكن يُخطئ يومًا دربنا.. قادمًا أروى من كل خيال.. ينبض الفرحة في أيامنا.. صلواتٍ وحكايا وابتهال.. منذ أعوام غفونا مرة.. وتحدينا بكفيه المُحال".

تكللت المسيرة الإذاعية ل فاروق شوشة برئاسة الإذاعة المصرية عام 1994 وحتى بلوغه السن القانونية عام 1997، ثم انتخب عضوًا لمجمع اللغة العربية عام 1999، في المكان الذي خلا بوفاة الكاتب الصحفي الراحل مصطفى أمين، وفي العام نفسه انتخب أيضًا لرئاسة اتحاد كتاب مصر، وفي عام 2005 أصبح أمينًا عامًا لمجمع اللغة العربية في عام 2005، في المكان الذي شغله يومًا أستاذه الذي تعلم على يديه في "دار العلوم" الأستاذ ذكي المهندس عميد المعجميين العرب.

حصل الراحل فاروق شوشة على جائزة الدولة التشجيعية في الشعر عام 1986، ووسام العلوم و الفنون من الطبقة الأولى، وجائزة الشاعر اليوناني "كفافيس" عام 1994، وجائزة مؤسسة "يماني" عام 1995 وجائزة الدولة التقديرية عام 1997، ورحل في الرابع عشر من أكتوبر عام 2016.


قصيدة احبها

اقرأ ايضا:

[x]