خالد بريش يكتب: التحولات الاقتصادية ومقدمات التغيير في رواية "لعنة ميت رهينة"

6-1-2018 | 21:49

رواية لعنة ميت رهينة

 

ما إن يفتح القارئ رواية "ميت رهينة" للكاتبة سهير المصادفة ، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، حتى يطالعه أول عنوان فيها "الغريب"، فيتذكر ذلك الغريب الذي أصبح في الأدب العالمي علمًا على ألبير كامو. ولكنه سوف يلاحظ أن خبر الموت ليس في البداية كما في رواية كامو، بل إنه سوف يتأخر حتى النهايات. حيث يكون مصير كل من ارتكب ذنبًا يستحق العقاب عليه من وجهة نظر طفلة تخطت حواجز الزمن ذكاء ومعرفة.


وعندما يخطو القارئ عدة صفحات، يبدأ الغوص في عالم آخر من الغرابة. عالم هوليودي فيه كثير من الخوف، والإثارة، والتشويق، وحبكة الجريمة. فيحس أنه يتأرجح بين عالمي ألفريد هتشكوك، وأغاتا كريستي. حيث تُسقط الكاتبة عبر سطور روايتها وأحداثها كمًا من مشاكل المجتمع المصري، فيختلط الحب بالألم، وتتشابك فيه العلاقات التي تتأرجح ما بين هدوء وصخب.

تصيغ الكاتبة مجتمعها، وتختار شخصياته بعناية، لكي تُلبسها الأثواب التي تريدها، والأحداث التي تتوافق مع رسومات خطوط طبائعها، كمهندس يرسم قصرًا متكاملًا كل شيء فيه بحساب، ومحسوب حسابه. حتى الأحداث الصغيرة، وكل الصور التي تنقلها لنا. مجتمع "ميت رهينة"، تلك القرية الصغيرة، القابعة عند خاصرة القاهرة الغربية، والمستريحة على حافة ترعة. توقف التاريخ على جنباتها يومًا من قبل أن تتسارع خطواته، وتُطوى صفحاته، فلا يبقى منه إلا ما خبأته الأرض في باطنها، وهو قليل من كثير.

مجتمع قرية صغيرة، هو صورة مصغرة، وطبق الأصل عن المجتمع الكبير بكل ما حواه من صور جميلة، وأخرى مؤلمة. يدق أبوابه غريب فاتحًا نوافذ قلبه، فيتزوج من أجمل بنت فيه، التي تصغره سنًا. فيملك جسدها بماله، في حين يبقى قلبها في عوالمها الخاصة. ويلعب المال لعبته، ليس في زواجه فقط، بل في كل محيطه. فتحدث في تلك القرية الوادعة تحولات تنقلها من واد إلى آخر، وتقلب حالها رأسًا على عقب. لندخل من هذه البوابة إلى المجتمع المصري الكبير، وكأن ترعة المريوطية التي كانت شاهدة على التاريخ في هذه المنطقة، هي أيضًا بوابة مصر ومجتمعها.

هذا وترصد ال رواية التحولات التي قلبت المجتمع المصري رأسًا على عقب، وشكلت مرحلة مفصلية في سبعينيات القرن الماضي، إبان الانفتاح الاقتصادي، وما رافق ذلك من تغيرات على كل الأصعدة. وبداية نشوء طبقة الأغنياء الجدد التي انصب اهتمامهم على بعض القشور المادية للفت الأنظار. كالاهتمام بأنواع الأحذية التي تتنعم فيها الأقدام، وتسريحات الشعر، أو القمصان الملونة المزركشة، إلخ... دون أن تقترب الكاتبة من السياسة بمفهومها الأيديولوجي، إلا بإشارات تبعث بها، وكأن همها منحصر في رصد التغيرات، والتحولات الاجتماعية، والاقتصادية، والنفسية.

تغيرات بدأت بلعب الأطفال التي تختلف عن العرائس المصنوعة من القماش القديم. وبنسيان اللبان الدكر الذي ملته البنات، فاستبدلنه بآخر مستورد معجون بالفاكهة. لتتعرف أسنانهن على الفرشاة، والمعجون المستورد أيضًا. بينما تلاعب الشامبو بشعورهن. ودخل الناس البسطاء إلى عالم الترانزستور، عوض جهاز الراديو الكبير الذي كان في المقاهي. ثم كانت بعض العروض السينمائية المتواضعة. لتنتقل القرية بعدها إلى عالم التليفزيون، والصورة المرئية، مع دخول الكهرباء إلى البيوت. فتغيرت فجأة الأدوات المنزلية، وحتى عادات الزواج. وتؤكد لنا الكاتبة أن النقلة الاجتماعية، والاقتصادية التي تصيب بعض المجتمعات، تجرف جمالاتها بعنف لصالح عادات وجمالات أخرى، سوف يكتشف الناس بعد مدة أنها كانت لا تعنيهم، ولا تشكل جزءًا من واقعهم!

لأن كل تمدن، أو تغير اجتماعي واقتصادي، له سلبياته الكثيرة. وأن الإنسان لو نظر إلى الخلف، وإلى ما كان يعيشه من قبل، لأحب ذلك الماضي، وكره ما يعيشه اليوم. خصوصًا إذا ما تلفت حوله فلم ير إلا أكياس البلاستيك التي تغطي المساحات الخضراء في تلك القرية الوادعة، بالإضافة إلى العلب المعدنية الفارغة بكل ما تحمله من تلوث بيئي، وسموم على مختلف أنواعها.

يتصدر القسم الثاني من هذه ال رواية ــ فيما لو فرضنا أنها تتألف من قسمين ــ المشكلة الكبرى التي تواجه الآباء في تربيتهم لأبنائهم الذين يفوقونهم ذكاء ومعرفة وإدراكًا. خصوصًا عندما يكتشفون فجأة أنهم قد كبروا قبل أوانهم، وأنهم يفوقونهم ذكاء، ومعرفة، ووعيًا، وأنهم مطلعون على كثير من أسرارهم، ومكنونات نفوسهم. فيشعر الآباء للحظة أنهم عراة، وبلا أوراق توت تسترهم إذا ما تنقاشوا معهم. فيراودهم عندها إحساس عميق بالخيبة والفشل في تربيتهم والتعامل معهم كآباء. وهو موضوع قلما طرحته الروايات العربية.

وإذا كان العفريت قد خرج في الماضي من القمقم، والفانوس السحري، بدلكه وفركه، ليخبر صاحبه، أو من أخرجه بغرائب الكون والعالم، ويعلمه ما لم يكن يعلم، فإن هذا العفريت يخرج اليوم إلى الوجود بمجرد إضاءته، ليضع العالم بكل لغاته وأحداثه وتواريخه بين يدي من أضاءه. عفريت يُسمونه الكومبيوتر (الحاسوب)، قصَّر المسافات بين البشر، وهيأ لهم معرفة سهلة تكون غب طلبهم في كل وقت، ومتى أحبوا وارادوا، وبلا حدود. فتناولت هذه ال رواية أيضا حكاية هذا العفريت الدخيل، الذي وسع الهوة والمسافات بين الأهل وأولادهم، وجعل من مقولة جبران خليل جبران "أولادكم ليسوا لكم أولادكم أبناء الزمان"، حقيقة ماثلة أمام كل الأعين.

وبشكل منطقي سلس متصاعد، تتسلسل حبكة ال رواية مما يشد القارئ، ولا يجعله يقوى على مغادرة سطورها. في الوقت الذي نجد فيه أن تدخلات الكاتبة في السرد قليلة جدًا، على غير عادة بعض الكتاب الذين درجوا على إلقاء الخطب والعظات، وحشو السرد بكم كبير من النصائح التي تطال كل كبيرة وصغيرة، وكل مناحي الحياة، منصبين أنفسهم فلاسفة، ووعاظًا.

بخط أفقي هادئ تسير ال رواية من مرحلة الانفتاح الاقتصادي الذي اجتاح المجتمع المصري بعد انتصار أكتوبر، وصولًا إلى ثورة يناير عام 2011، ثم ما تبع كل ذلك من تحولات اقتصادية، واجتماعية، وسياسية، طرأت في داخل المجتمع المصري في المرحلتين. فتمرر الكاتبة آراءها ببعض الأحداث، دون أن تحللها. وكأنها أحداث تشكل مقدمات لحدث أكبر، وأهم، قادم لا محالة. واصفة الصراع القائم في المجتمع حاليًا، بأنه صراع بين جيلين، أو لمفهومين مختلفين عن الحياة والمجتمع. ففي أحد أيام يناير انفعلت ليلى في وجه ابنتها، وأخبرتها أنّ الناس في الشوارع يتظاهرون، فردت عليها ابنتها بسخرية:
- نعرف يا ليلى، نعرف أنها ثورة، ولكننا لم نجهز أنفسنا بعد لحكم مصر...!
ها نحن نتعلم ودون توقف، ونجتهد يا ليلى، نتعلم ما هي الثورة التي فوجئنا بها الآن، المصيبة يا ليلى إن الجذر معطوب تمامًا، وفساد الروح وصل من رأس السمكة إلى كامل جسدها. ها نحن نقرأ في تاريخ الثورات، ونحاول تصور ما ستؤول إليه هذه الثورة بعد شهور.

وتتناول ال رواية في أحد جوانبها أيضًا صناعة العقل الجماعي للخرافة، ولرسم الهالات حول الإنسان سلبًا، أو إيجابًا. وكيف أن الناس يكذبون الكذبة حول شخص ما، ثم يصدقونها فيما بعد، وتصبح حقيقة، بل فوق الحقائق. فابن ستيتة ذلك الشخص الذي تربى في حجر نساء القرية، نسجوا حوله القصص والحكايات التي ما لبثت أن كبرت، وتحولت إلى معجزات. إنه الإنسان إذا ما عجز عن التحليل، وإيجاد الحلول لما يعترضه من مشاكل، قام بالانكفاء على نفسه، ليجد في أي تصرف غريب، أو مستغرب من أحد المحيطين به، بابًا يفتح، وبعض إجابات عن تساؤلاته.
وإذا كنا كبشر نعيش حياتنا كما أشارت الكاتبة "كوردة وسط شوك"، فإن السؤال الذي تطرحه الكاتبة في بداية صفحات روايتها، يبقى مطروحًا على الجميع: هل نحن بحاجة إلى ذلك الغريب القادم من المجهول لكي يحدث التغيير في مجتمعاتنا، وحياتنا، وطرق تفكيرنا...؟ ثم ما يجب أن نأخذه، وما يجب أن نتركه من ذلك الغريب...؟

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]