"جنين" عمره 24 عامًا!!

28-12-2017 | 00:18

 

حين ولدت "لويز براون" كأول طفلة أنابيب في العالم، في 25 يوليو من عام 1978، واجهت أسرتها سيلًا من الانتقادات وطوفانًا من رسائل الكراهية؛ بسبب مدى مشروعية هذه الطريقة من الناحية الدينية والأخلاقية، برغم أن الحمل كان من والديها الطبيعيين، فإن ولادة "إيما رين" في نوفمبر 2017 لاقت استحسانًا لدى الكثيرين، بل اعتبروها إنجازًا طبيًا غير مسبوق، برغم أنها جاءت من غير أبويها الشرعيين، وكانت مُجمدة لمدة 24 عامًا ونصف العام!!

فولادة "لويز" أحدثت "ثورة" في علاج عقم ملايين النساء حول العالم، وساهمت في إنجاب أكثر من 6 ملايين طفل بواسطة التلقيح الاصطناعي حتى اليوم، لكنها أثارت جدلًا أخلاقيًا ودينيًا بسبب الطريقة التي ولدت بها، ولأنها قد تفتح الباب واسعًا أمام مزيد من "الخروقات" في المنظومة الطبيعية للتناسل البشري، وقد كان، مع انتشار بنوك المني والبويضات، وما تلاها من تأجير الأرحام "الأم البديلة"، وما يعنيه ذلك من اختلاط الأنساب، وإصابة الكيان البيولوجي الطبيعي للأسرة في مقتل لا براء منه.. والنتيجة ما وصلنا إليه مع ولادة "إيما".

باختصار، "إيما" نتاج مضغة تبرع بها "مجهولون" عام 1992، وتم تجميدها ببطء وحفظها بالنيتروجين السائل في المركز الوطني للتبرع بالأجنة في توكسفيل الأمريكية، وحينما قررت السيدة "تينا جيسون" وعمرها 26 عامًا تبنى طفلة هي وزوجها، الذي يعاني من مشكلة تحول دون الإنجاب، توجها إلى المركز الوطني لحفظ والتبرع بالأجنة، وحصلا على مضغة "إيما" وتم زرعها في رحم "تينا"، وجاءت ولادتها بعد تجميد دام 24 عامًا ونصف العام!

وهكذا كان نصيب "الأم البديلة" ذات الـ25 عامًا أن تحتضن في رحمها جنينًا عمره 24 عامًا ونصف العام، والتي علقت على ذلك قائلةً: "لو وُلدت الطفلة في موعدها منذ 24 سنة، من سيعرف، لربما كنا سنصبح صديقتين مقربتين"!

في حالة "لويز" اعتبر الناس ولادتها أمرًا غير أخلاقي ومخالفًا للشرع والدين، لكن بعد 39 عامًا، اعتبر الناس  ولادة "إيما" من "مضغة مُجمدة" ومن "رحم بديل" عملاً إنسانيًا بالدرجة الأولى، وأن ولادتها بهذه التقنية "أمر مذهل"!!

نموذج آخر صارخ يحمل تحديًا لكل الأديان السماوية والأخلاق، حمله إلينا نبأ مشاركة 3 سيدات في 21 بويضة جرى الحصول عليها من متبرعة واحدة "زرقاء العينين وداكنة الشعر وتحمل شهادة ماجستير بمجال التدريس"، وتم تخصيب كل بويضة بحيوانات منوية تخص زوج كل واحدة منهن، ثم نقلت إلى أرحامهن.

وإحدى هؤلاء النساء سرعان ما تحول تفكيرها باتجاه الأمهات الأخريات، اللاتي يحملن جميعًا "نصف أشقاء"، وتأمل أن يتمكن طفلاها اللذان أنجبتهما بهذه الطريقة يومًا ما من التواصل مع أشقائهما الجينيين!!

المصيبة أن الأمر لم يتوقف عند حد، واليوم أصبح التبرع بالبويضات والحيوانات المنوية.. "صناعة" تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، وأثمرت هذه التقنيات عما يقرب من 73 ألف طفل (ما يعادل 1.6 % من إجمالي المواليد الأمريكيين)، ويرتفع هذا المعدل في بعض الدول الأخرى، مثل اليابان إلى 5 % وفي الدنمارك 10%.

فاليوم، في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، أصبح باستطاعة الأزواج الراغبين في الإنجاب والساعين نحو الحصول على بويضات وحيوانات منوية من متبرعين، الاختيار من بين قائمة طويلة من مجموعات وصفات بدنية وذهنية، وتعرض العيادات الطبية هناك حاليًا "تخفيضات كبيرة وعروضًا خاصة" بضمانات بنسبة 100% فيما يخص الإنجاب، الأمر الذي يثير بدوره للمرة المليون تساؤلات أخلاقية وقانونية معقدة.

بالفعل، إنه عبث جديد يأتي على ما تبقى من أخلاقيات، ويقترب بنا كثيرًا من نهاية العالم، ويؤكد أن "شطحات العلم" لا سقف لها، ما لم يقف لها بالمرصاد علماء الدين ورجاله، فلا يمكن بحال التسليم بإنسانية عمل أو فعل يمثل تحديًا صارخًا لنواميس الكون وحكمة الخالق - جل وعلا- في حفظ التناسل الطبيعي لكل الخلائق.

فكيف لنا أن نتخيل هذه المجتمعات خلال السنوات المقبلة، وقد اختلطت أنسابهم، وأصبح مفهوم الأسرة بشكلها الطبيعي شيئًا من الماضي، والأخطر من ذلك أن شررهم قد يطال مجتمعاتنا في المستقبل، إن لم نتحصن بقيمنا وأخلاقنا.

بعد كل ذلك العبث، ماذا ننتظر؟!.. بالتأكيد ننتظر الساعة!!

مقالات اخري للكاتب

وصفة الموت!

وصفة الموت!

غزو البطون وتأميم العقول!

غزو البطون وتأميم العقول!

زمن أولاد "صوفيا"!

الحديث عن عالم الروبوتات، لا ينبغي أن نحسبه كله شرًا مستطيرًا، بل فيه من الخير الكثير، صحيح أن البشرية ستدفع كثيرًا من إنسانيتها نظير إفساح المجال للاستعانة بها في شتى مجالات الحياة، ولا جدال أن الفاتورة ستكون أكثر كلفة في حال انحرفت هذه الروبوتات عن أهدافها السلمية..

يا ليتني كنت "روبوت"!!

فى عالم الغد، ربما يصل الإنسان إلى مرحلة تمنى أنه لو كان "روبوت"!!

من مفاجآت المستقبل؟!

بعيدًا عن كل الأخبار المأساوية التي تتصدر غالبًا نشرات الأخبار في كل دول العالم، من قتل ودمار، هناك عالم تكنولوجي متسارع لا تكاد تلتقط أنفاسك من كثرة عجائبه وغرائبه ومفاجآته..

آفة هذا الزمان؟!

قديمًا قال أمير الشعراء أحمد شوقي، يوم افتتاح نقابة الصحفيين في مصر في مارس من عام 1941: لكل زمان مضى آية .. وآية هذا الزمان الصحف .. لسان البلاد ونبض العباد.