د.مصطفى الضبع يكتب: دفتر أحوال الجامعة المصرية (9).. قليلهم باحثون

27-12-2017 | 12:07

د.مصطفى الضبع

 

طالب اليوم هو أستاذ الغد، وما بينهما رحلة باحث هو نواة للقوة أو الثروة البشرية لجامعة تستمد قوامها البشري من مصدر واحد (هم خريجوها السابقون) الذين تستعيدهم الجامعة وقد توزعوا في مصدرين: معيد كلفته الجامعة فور تخرجه أو بعد زمن وهو الأغلب الأعم، في مقابل فئة استثنائية تتمثل في باحث من الخارج شق طريق البحث العلمي على حسابه، الفئة الغالبة هي موضوعنا.

قديما وفي ظل ما كان التعليم يتصف به من جدية وقوة كان المعيد على قدر من القوة العلمية ، بل كان طالب الجامعة نفسه مؤسسا علميا حتى قبل الحصول على لقب خريج ، ومن هؤلاء من أصبحوا أساتذتنا فيما بعد ، اليوم وفي ظل ما يعانيه التعليم الجامعي وما يعانيه المجتمع بكامله يعتمد نظام تكليف المعيدين على تفوق (مزعوم) للطالب الجامعي يعتمد على مجموع الدرجات فيكون ذلك جواز المرور للعمل الجامعي ، دون خلفية معرفية لا يقوم البحث العلمي إلا بها ، ودون رغبة حقيقية في البحث العلمي أو في العلم نفسه ، ودون رغبة في أن يسلك طريق العلم من الأساس (هو الطالب نفسه الذي تربى علميا على كبسولات أساتذة الثانوية العامة ، وعلى تلقين التعليم قبل الجامعي ) ، هذا الطالب ووفق التقنية نفسها ودون تطوير لقدراته – إن وجدت – هو المادة الخام التي تعتمد عليها الجامعة في تشكيل طاقتها البشرية ، وهو ما يعني بالضرورة غياب معيار أهم هو الجانب العلمي: القدرات المعرفية والمواهب العلمية ، فليس كل طالب يصلح أن يكون باحثا وبالتبعية ليس كل معيد – الآن – يصلح للعمل نفسه.

من المؤسف أن مفهوم بعض المعيدين يقف عند حدود الوظيفة بمعناها الإداري، وهو ما ينتج عنه أن المعيد يرى البحث العلمي وظيفة لها وجاهتها الاجتماعية فلا يستعد لها بتدشين نفسه علميا ومعرفيا، يضاف إلى ذلك عدد من المفاهيم من أهمها:
- مفهوم الأستاذ وطلابه في خدمة العلم، حيث المعيد يتتلمذ على يد كبار الأساتذة الحقيقيين (فهم أصدقاء أو إخوة كبار أو آباء) وبمرور الوقت يصبح التلميذ أستاذا على شاكلة أساتذته ويكون المنتج في الغالب على مستوى عال من الجودة حيث يقين الأساتذة وتلاميذهم أن الجميع في خدمة العلم.
- مفهوم أن الطلاب في خدمة الأستاذ قبل خدمة العلم، حيث معيد يتتلمذ على أساتذة يرون أنفسهم أباطرة للعلم، وتلاميذهم يعملون في خدمتهم لا في خدمة العلم، مما ينتج عنه وهو ما بدا يتكاثر بشكل يدعو إلى لفت الانتباه ليشكل ظاهرة تستدعي المواجهة.
قديما كان القسم العلمي مسئولا إداريا وعلميا عن المعيد فكانت المسئولية علمية بالأساس، وعندما أعادت بعض الكليات المسؤولية لمكتب العميد، تحول المعيد إلى موظف ترسخ في ذهنه البقاء في مكتبه وقت فراغ يعود بعده على بيته وقد أدى – معتقدا ذلك – فروض الوظيفة.
بعض الأساتذة استغلوا (أعني معنى الاستغلال تماما) تلاميذهم من المعيدين في أداء المحاضرات بدلا منهم ليس لإكسابهم خبرة بقدر ما هو تخفيف من الأستاذ على نفسه (لا أفهم مطلقا كيف يقبل أستاذ على نفسه فكرة الاستغلال أولا وفكرة تكليف آخرين بعمله الذي سيقبض عليه راتبه) بالطبع يستثنى من ذلك فئة قليلة تستهدف إكساب المعيد خبرة فتشركه في المحاضرة لا تكلفه بها كاملة.
ولا يفوتنا أن بعض الأساتذة يمارسون نفوذهم على باحثين سيكونون أساتذة يوما فيكلفونهم بأداء أعمال خاصة بهم والذين يؤدون هذه الأعمال لا يقومون بها بدافع الحب (قليل من يفعل ذلك) وإنما بدافع الخوف من جبروت الأستاذ بوصفه المتحكم في مصير الباحث (في كثير من الجامعات في العالم إذا انشغل المشرف عن تلميذه بقدر يعطل الباحث ومسيرة بحثه بالأساس تعطي كثير من جامعات العالم الباحث الحق في أن يتقدم بطلب عبر قنوات شرعية لتغيير الإشراف، هذا العمل في جامعاتنا جريمة نكراء أن يفكر الباحث مجرد التفكير في طلب تغيير المشرف مهما كان فعل المشرف ومهما كان استغلاله لمصير تلاميذه).
إذا أردنا بحق حل مشكلات جامعاتنا، فنحن في حاجة ماسة لإعادة النظر في نظام تكليف المعيدين ، فقليلهم – لما سبق من أسباب - يصلح للبحث العلمي.

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]