محمد عبد الحافظ ناصف يكتب: المفارقة في رواية "حافة الكوثر" (1 - 2)

26-12-2017 | 16:17

محمد عبد الحافظ ناصف

 

علي عطا ، شاعر وكاتب صحفي مصري، فهل للشعر والكتابة الصحفية أثر في رائحة السرد الذي أنتج روايته الأخيرة "حافة الكوثر"؟


حافة الكوثر

حين تطالع عنوان الرواية الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، سيأخذك حتمًا إلى أفكار قد تكون مختلفة كثيرًا عن المتن، فالكوثر - كما تقول كتب التفاسير المختلفة- نهر في الجنة بياضه أشد من اللبن والثلج، وطعمه أحلى من العسل، وحافتاه من الذهب واللؤلؤ، وحوله أكواب أكثر من عدد النجوم.

لكنك تفاجأ بأن هذا الكوثر - النهر- مصحة في المعادى بمصر لعلاج المرضى النفسيين الذين يعانون ويتألمون، وهم من كل طبقات وفئات الشعب، من أطباء وضباط وقضاة وأدباء ومعلمين ومهندسين وطلاب ورجال ونساء وشباب. وهنا تكمن المفارقة اللفظية للعنوان حتى يكتشف القارئ مفارقة الموضوع بعد قليل.

والسؤال المهم الذي يطرحه الكاتب: هل يمكن أن يصبح الكوثر وطنًا بديلًا لناسه الوافدين إليه من كل حدب و صوب؟ ويؤكد الروائى علي عطا أنه بات كذلك بالفعل، ولا بديل لهم إلا الشوارع التي لا ترحم ساكنيها. فبطل روايتنا حسين الصحفي دخل هذا الكوثر الذي تصل إليه نسمات النيل/النهر وتؤنس أهله عصافير تسكن فوق شجرة توت ثلاث مرات، و بمعدل 31 يومًا كي يعالج من الاكتئاب الذي ضربه بقسوة بسبب أشياء كثيرة، وقد يؤدى في النهاية إلى الانتحار، فضلًا عن المشاكل الاجتماعية والأسرية التي يسببها هذا المرض، وذلك نتيجة لضغوط الحياة التي لعبت فيه الزوجة الأولى، دعاء مستجاب، دورًا كبيرًا، وواصلت الزوجة الثانية سلمى السكري وأمها الضغط عليه من أجل أن يعلن هذا الزواج ولكنه يأبى، فظروفه الأسرية لم تكن تسمح له قط.

يقول حسين مؤكدًا الأزمة التي يمر بها بسبب زوجتيه: "دخولي الكوثر للمرة الثانية حدث بعد تزايد ضغطها من أجل أن أخبر دعاء بأمر زواجنا، وعندما أبلغتها برفضي، قالت: طلقني غيابي".

كما أكد عطا أن المكان الذي يسكن فيه البطل حسين سيئ جدًا وأحد الأسباب التي أدت لأزمة البطل، وبالرغم من ذلك ضيع على هذا المكان (تحويشة) العمر، وتحول بفعل الإهمال إلى مكان يشبه (الخرابة) المملوءة بالقمامة، رغم أنها تنتمي لاسم تاريخي مهم، وهو الخلوتي العابد الزاهد، فأصيب بالمرض بعد أن تحولت كل الفيلات التي حولهم إلى عمارات شاهقة سدت عنهم الشمس والهواء، وأصابتهم بالضيق الشديد، فقد كانت أقرب عمارة لهم مبنية على أرض خاضعة للأوقاف، ومن ضمن ممتلكات الدولة. ويقول الراوى عنها مؤكدًا الأمر ص 38: "بين جبال من مخلفات البناء وتلال من القمامة، تقع العمارة التي أسكن فيها، منتهى تعبي من أجل سكن لائق، سد أنفك وأسرع الخطى". وبنيت بالطبع العمارة على تلك الأرض نتيجة للفساد المستشري في المحليات وبعض القطاعات في أجهزة الدولة.

وتحذر الرواية من مغبة الأسباب الكثيرة التي تؤدى لانتشار المرض النفسي، الذي يصل أحيانًا لنسبة تزيد عن 10% في كل المجتمعات والتي ربما تزيد عن ذلك، والغريب أنها تؤدى إلى مخاطر نفسية واجتماعية واقتصادية تفوق بكثير الأمراض الجسمانية الأخرى. وأشار الكاتب بذكاء، (ص 16) وعدة مرات، إلى أزمة سعاد حسني، التي يتوقع أنها أصيبت بالاكتئاب الذي أدى في النهاية إلى انتحارها في فرنسا، وأنها لم تقتل أو تسقط من الشرفة كما أشيع. والمهم أنه أشار إلى موتها في ذكرى ميلاد عبد الحليم الذي صادف الذكرى 27 لحليم.

 والسؤال: هل حدث ذلك صدفة؟ فالكاتب ترك تساؤلًا كبيرًا تكرر عدة مرات خلال الرواية، وكلما يأتي ذكر الشاعر صلاح جاهين وصدى أغنية "بانو بانو"، ونجد أن الأمر نفسه يظهر جليًا حين أعاد ذكره ص 68، عندما أكد أن بعض العقاقير الطبية مضرة أكثر من نفعها، فيقول: "رأيت سعاد حسني تضحك وهي تغنى هناك مع صلاح جاهين قائلة: "الحياة بقى لونها بمبي، وأنا جنبك وأنت جنبي".

والرواية تضع يدها على أزمة خطيرة قد تواجه المجتمع المصري الذي لا يعترف كثيرًا بالمرضى النفسيين ويصنفهم بالمجانين ظلمًا وعدوانًا وينبذهم ويتركهم وحدهم يعانون مصيرهم وكأنهم هم الذين أحضروه لأنفسهم، ولم تقم الأسر والظروف الاجتماعية والاقتصادية بدور السبب الرئيس في ذلك، كما حدث في الرواية للبطل ولكل شخصياتها التي تتواجد في المصحة / الكوثر، فالشاعر يعاني وكذلك الطبيب والضباط وحتى مدير الكوثر نفسه لم يسلم من الأذى، فمن المسئول؟

وتلك المؤسسات مهددة بهدمها والاستيلاء على أماكنها لبناء أبراج، ورمي مرضاها في الشوارع، فمن ينقذ هذه المؤسسة العلاجية المهمة في المجتمع. وأحسن الروائي علي عطا أن حذر من ضياع تلك المؤسسات، والجميل أن الرواية انتهت ولم يتم هدم الكوثر، فأين سيذهب هؤلاء المرضى إذن؟ فالرواية كانت ستواجه عقدة جديدة ساعتها، كانت قد تصلح لرواية ثانية أو جزء ثان.

اعتمد الروائي علي عطا في السرد على تقنية الرسائل بينه وبين صديقه الطاهر يعقوب، وذلك من خلال الرسائل الإلكترونية كي يعطي نفسه مساحة كبيرة للدخول والخروج داخل سياق السرد في أية لحظة يريدها، ومع أى حدث جديد ربما يطرأ على الحبكة الفنية، ومارس التقنية نفسها مع عدد آخر من الشخصيات مثل صديقه الأديب سميح جرجس المهاجر إلى هولندا، الذي لم يأخذ حقه والشاعرة مي عبد الكريم وزوجته الثانية سلمى. كان ذلك بمثابة الحكي من الراوي للمخاطب، كي يحاول أن يبعد عن القارئ فكرة أن ما يقرأ سيرة ذاتية أو ينتمي لأدب الاعتراف.

كما يحاول البعض أن يسوق ذلك ولست معه، فبطل الرواية أو العمل الفني لا بد أن يختلف حتى وإن كان الكاتب يتناول سيرته الذاتية، فلحظة الكتابة - من وجهة نظري- تعطي روحًا جديدة وسمات أخرى مضافة للشخصية التي على الورق، وقد أكد الكاتب تلك المعلومة على لسان بطل الرواية حسين حين قالت له زوجته إن ما يكتبه يمسه، ولكنه أكد بالنفي تمامًا مؤكدًا مجازا وتصريحًا أن المكتوب يمس البطل الذي على الورق، وأنا معه تمامًا.

واستخدم الروائي إيقاع السيناريو والفيلم التسجيلي في عدد من المواقع داخل الرواية، وبخاصة حين كان يتوقف عن الحكي وينتقل إلى نقطة أخرى فيشعر القارئ بالقطع والتوقف، وحدث ذلك في كثير من المواقع مثل ما حدث ص 117 بعد أن انتهى من الحديث عن أحد شخصيات الرواية، يعود ثانية ليتحدث الراوى حسين عن شقتهم في المنصورة بعد أن تناول جغرافية المنزل وما حدث بشأن الشقة، وكما حدث أيضًا ص 124 حين أتى بمشهد لكلبين ملتصقين من الخلف، وأشار إلى أن موظفي الأمن يتفرجون من بعيد، ولم يحاولوا فك ذلك الاشتباك بعد شعورهم بالإحراج، والملاحظ أن السرد قبلها كان يسير في اتجاه آخر، فقد كان الراوي يفكر في الشاعرة التي تنام على أرصفة وسط البلد، وعن الدواء السيروكويل 200 الذي كتبه دكتور الكوثر ورفض طبيب عمله أن يصرفه له، وفي ص 139 يقطع تدفق السرد بمقولة لشخصية طارق مراد الذي يقول إن أصل البشر امرأة، وكان السرد يسير في اتجاه وجوده في القدس في مهمة عمل ، ثم يواصل في اتجاه آخر.

وبالرغم من أن القطع يبدو لأول وهلة أنه بعيد عن سياق السرد، فإن المتأمل بهدوء سيجد أن المشهد الذي يسوقه الراوي ليقطع به مرتبط في جوهره بما قبله، فالشاعرة التي تنام في الشوارع بلا بيت أو حماية ربما تكون مثل الحيوانات الضالة للأسف الشديد، وتتعرض أيضًا لكلاب السكك الضالة التي تنهش جسدها وعرضها، واستطاع عطا أن يستخدم هذا المشهد كمعادل موضوعي للشاعرة كما يقول الشاعر والناقد والمسرحي T.S.Eliot.(يُتبع)

اقرأ ايضا: