شريف الشافعي يكتب: شاعرة تمشي على حروف ميتة

31-12-2017 | 12:29

شريف الشافعي

 

الصمت المصبوب في الكأس، يشبه خواء هذا العالم. ومن خديعة المشي، بلا أحذية، على حروف متآكلة، يمكن لكائن الشعر استدعاء حيوية عطر الشرق القديم، بسحره وعنفوانه واكتماله، ودفء شمسه التي لها ابتسامة الموناليزا، إذ لم يفسدها بعد اليورانيوم المخصَّب، ولم تعتقلها ميليشيات تقترف جرائمها اليومية بحق الأخضر.


في ديوانها " أمشي على حروف ميتة "، الصادر حديثًا عن بيت الشعر في فلسطين بترجمة الشاعر محمد حلمي الريشة ، تطرح الشاعرة الإيرانية " ساناز داودزاده فر " مفارقة أولية من خلال العنوان، فثمة استاتيكي هو الموت، ودينامية هي فعل المشي. أما التحوُّل الملاحظ فإنه يستنهض "الحروف"، التي تنبعث بطاقة "الفينيق"، ذلك الطائر الذي له جناح تراثي من التاريخ وعبق الشرق الأقصى، وجناح حداثي لطائرة نفاثة من هذا العصر.


شعرية قصيدة النثر، في هذه التجربة، مفتوحة لحظاتها الحياتية وتفاصيلها العابرة على أكثر من عُمق، منها الرافد المعرفي، والاستنباط الذهني، وحكمة الأجداد، والفلسفة، وأيضًا ذلك المدد التراثي التاريخي الزاخم، فشاعرة إيران المعاصرة هي في الوقت ذاته ابنة حضارة فارس، ومن ثم فإنها تمهّد للديوان (قبل أولى قصائده) بإشارات التمسك بالجذور، فرحيل الأجداد لا يعني امّحاء أثرهم: تقول: "رَحل جدِّي، وبقيَ لطفهُ هُنا/ لونُ اللُّطفِ أَخضرُ/ وأَن تكونَ الأَخضرَ، فَهذا جريمةٌ لاَ تُغتَفرُ/ الشِّعرُ يبقَى أَخضرَ أَيضًا، حتَّى بعدَ تنفيذِ الجريمةِ فيهِ".


كم من جرائم طالت الألوان وأقواس قزح، في هذا العصر، وعبر الأزمنة المتلاحقة، تستخلصها وتستدعيها الشاعرة " ساناز داودزاده فر " في قصائدها المكثفة، ككبسولات مشحوذة أو برقيات حادة، كأنها الوخز في مناطق شعورية أكثر حساسية. تاريخ الألم هو، أحيانًا، وألم التاريخ في أحيان أخرى: "أَجزاءٌ كبيرةٌ منِّي، مثلَ سَمكةٍ ذهبيَّةٍ صغيرةٍ، معَ كلماتٍ مُمطرةٍ وغيرِ مأْلوفةٍ/ إِناءُ الماءِ الضَّيِّقِ كابوسٌ معَ ماءٍ عكرٍ، قدْ جعلَ حَراشفي أُحفوريَّةً/ أَلمي مَحفورٌ فِي جسَدي، بالحُروفِ المسماريَّةِ/ ستُشاهدونَ أَلمي فِي المتحفِ".


الذات التي وُلدتْ وهي تبكي، وعاشت وهي تصرخ، تعرف أنها دائمًا في طريقها إلى الرحيل، لكنها تتمنى التلاشي في أثناء احتفاظها بابتسامة محددة، هي ابتسامة الموناليزا، إذ هي وقود الماضي، وفاكهة الحاضر، والمفتاح السري إلى مستقبل غامض، يتشكك البعض فيه، لكن لا مناص من الدنوّ منه.


هذه الذات، التي تعترف بأن العالم دخاني، والخط المستقيم الذي يصل بين نقطتي البداية والنهاية أقصر من سيجارة "أَدورُ داخلَ دُخانِ سيجارتِكَ الَّتي أَشعلتَها، ومعَ آخرِ رشفةٍ مِنها يَبقَى عَقبُها، ولاَ شيءَ يَبقَى منِّي"، هي أيضًا الذات المحتفظة في مكنونها بسر الوجود، وإكسير الخلود.


بمؤثر حياتي بسيط، مباشر، يمكن دعك الفانوس السحري، ليخرج منه المارد. جوانيات الكائن الإنساني العريق مسكونة دائمًا بهبات التاريخ، والروح ذات الظلال المجيدة منذ الأزل قادرة على صنع المعجزات: "عندَما أَشمُّ رائحةَ الحبِّ، لاَ تستطيعُ مروحةُ أَيَّ مصنعٍ، أَن تكونَ منافسةً لِي/ مزِّقوني كبَتَلاتٍ، وأَرسِلُوني إِلى "باريسَ"، وادْعُوني "جُولييتَ"، سأَكونُ العطرَ الأَكثرَ بيعًا".
هذا الحب، الذي يمنحها القدرة على أن تكون "الأكثر مبيعًا" بمعايير العصر، هو الذي يحميها من الهاوية، وإن نالها سقوطٌ لحظيٌّ ما في مكان ما. ستسقط وهي ترقص، بل إن الرقصة ستتحول إلى نقش فذ على حجر، يبلى الزمان ولا يبلى هو: "قدْ أَسقطُ فِي مكانٍ مَا، لمْ تُولَدُ الحروفُ فيهِ بعدُ، ولا يوجدُ تدقيقٌ بأَيِّ تفكيرٍ/ هناكَ بثيابٍ منَ الزُّهورِ، سأَرقصُ وأَنا أَتذكَّرُكَ/ وسأَنقشٌ رَقصتي فِي حَجرٍ، وحتَّى بعدَ بليونِ سنةٍ، سيكونُ الحبُّ معنَى هذهِ الرَّقصةِ".
تنبني تجربة الشاعرة " ساناز داودزاده فر "، فيما يتعلق بعُمقها التاريخي على وجه الخصوص، على عبارة دالة "الرِّياح لاَ تستطيعُ أَن تأْخذَنا معَها، لأَنَّنا مليئونَ بالحجارةِ، وثقيلونَ". رصيد الإنسان وقيمته هنا أعظم من حصيلة أخطاء الأرض، وعلى الرغم من ذلك "إِذا زُلِزلَ أَيُّ مكانٍ فِي الأَرضِ، سيتَصدَّعُ بذلِكَ، أَيضًا، قَلبي". تلك مفارقة جديدة، دالة أيضًا، فالهشاشة تنتصر، لتبقى الأنثى هي الأنثى، والإنسان هو الإنسان.
تقارن الشاعرة كذلك، في قصائدها القصيرة التي لا تخلو من نفس ملحمي ذائب، وطول خفيّ مستمد من العُمق، بين المدن الأسمنتية الراهنة، التي قد تضربها القذائف وتأكلها عوامل التعرية، وبين مدن الحضارات العريقة، الساكنة في الضمائر والقلوب والأرواح، والأحلام أيضًا، أحلام من لم يروها عيانًا. هذه الأحلام، هي الأخرى، تسعى القذائف إلى إبادتها مع وسائد الريش، لكن الشاعرة تقاوم بطريقتها، مهدية اليورانيوم قُبلات طازجة: "لِعدَّةِ ليالٍ، وبَدلاً منْ حُلمِكَ، ينامُ يُورانيُوم مخصَّبٌ فِي سَريرِي، قبَّلتهُ/ كلُّ مدينةٍ صَارتْ عشَّ غُرابٍ أَبيض منَ الدُّخانِ/ وتخيُّلي، لِعدَّةِ سَنواتٍ، منْ كابوسٍ نُوويٍّ، صارَ أَكثرَ سُخونةً".
وبالتوزاي مع تغلغل القصيدة الهادئ في ثنايا التاريخ، واستدعاء دلالاته وإشاراته ورموزه على نحو إسقاطي غير مباشر أو غير تفصيلي، كما في المقاطع سالفة الذكر، فإن الشاعرة في مقاطع أخرى تعوّل على المعطيات التاريخية تعويلًا مباشرًا كليًّا، حيث تنهض شخصيات بعينها من الغياب، وتتردد أسماء معروفة، وتعاد صياغة أحداث غابرة بمنطق مغاير.
اللحظة الشعرية في هذه الحالة تنعقد في زمن آخر، فيما تطل الذات الشاعرة على الواقع الحياتي من نافذة مهجورة، على عكس التيمة السائدة في الديوان، إذ تطل الذات على الماضي من خلال نافذة الحاضر. من هذا المنظور المقلوب، يمكن الالتفات على سبيل المثال إلى هذا المقطع: "رَسول يُونَان، مِن أَيِّ إِلهٍ أَنتَ مبشِّرٌ؟/ هلْ فكَّرتَ بـ"يُونَان"؟ "سوفوكليس"، و"آشيل"، و"أَرسطو"؟/ لَو لمْ يَكونوا، هلْ أَحببتَ أَن تكُونَ "يُونَان"؟/ هلْ لديكَ خبرٌ منَ النَّاسِ اليُونانيِّينَ اليومَ؟/ إِذا فشلَ اليُونانُ، هلْ سيظلُّ اسْمُكَ"يُونَان"؟/ يا "رسولُ"، اليُونانُ لاَ يحتاجُ مُعجِزةً/ بالشِّعرِ، وللنَّاسِ اليُونانيِّينَ، كُنْ رَسولاً لليُونانِ".
الـ"هو"، أو "الآخر"، قد يتبدل أو يتم اختزاله، فيصير عالم آثار، على وجه التحديد. ولم لا، والذات الشاعرة لها خلايا دماغية مشفرة، وهيكل عظمي بحاجة إلى تحليل معملي للكشف عن أصله؟ الهوية مجهولة هنا لأنها ببساطة ليست أحادية، هي مجموع تلاقي شعوب، وأمكنة، وأزمنة، داخل سبعين كيلوجرامًا من الكتلة البشرية فوق الميزان الرقمي: "أَصبحتَ عالِمَ آثارٍ؛ التَّاريخُ المُتحجِّرُ لخلايا دماغي
أَخبارهُ لكَ/ نقَّبتَ عنْ وجُودي، واكتشفتَ الهيكلَ العظميَّ معَ سبعينَ كيلوجرامًا، لحمًا، وقليلاً منَ الدُّهنِ، والملابس، والأحذية".
في تجربتها الخصبة، تدرك الشاعرة " ساناز داودزاده فر " أن خلاصتها كاليعسوب، إذ بأقل القليل يمكن منح الحياة الكثير. أما الموت، ذلك الكائن المنهزم دائمًا أمام طاقة إيجابية تفجيرية كهذه التي تحملها القصيدة، فإنه يشارك الذات الشاعرة رحلتها مع الحروف، منذ كلمة "كن" في البداية، حتى الكلمة الأخيرة، التي لا يدري أحد من سيقولها: "حينَ يأْتي الموتُ/ يكونُ الكلُّ فِي إِجازةٍ إِلاَّ أَنتِ/ وسيكونُ عليكِ أَن تَمشي معهُ، ولاَ تعلمِينَ مَن منكُما، سَيقولُ الكلمةَ الأَخيرةَ؟!".
أيّ معنىً لفقدان الوقت، غير أن تذوبَ ساعةٌ لا يأتي فيها الآخَرُ/الحبيبُ؟! ليس للشاعرة في النهاية غير أن تتحدث قائلة من قلب الكابوس: "أَنتَ مجرَّد حُلمٍ/ ومؤقَّتةٌ لغيابِكِ العقاربُ/ الَّتي لاَ تَفهمُ الوقوفَ".
.. .. ..
للتواصل:
thaqafa.ahramgate@gmail.com

 


غلاف الكتاب


غلاف الكتاب

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة