إبراهيم عبد المجيد يكتب: قبل أن أنسى أني كنت هنا (فصل من رواية)

24-12-2017 | 17:26

إبراهيم عبد المجيد

 

اختص الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد "بوابة الأهرام" بنشر فصل من رواية جديدة له، تصدر قريبًا بعنوان " قبل أن أنسى أني كنت هنا"، عن "بيت الياسمين للنشر والتوزيع".

 ..
أخرجني من أفكاري ثلاثة من الشباب ينتظرونني. ابتسموا في سعادة برؤيتي، وصحبوني في سيارة أحدهم إلى فندق "وينتر بالاس" الملكي القديم. قالوا لي: "نتركك لتستريح الآن، ونلقاك في المساء في قصر الثقافة لنقيم الندوة، وفي الصباح تذهب إلي البر الغربي تزور الآثار، ثم نستفيد بوجودك لندوة أخرى غدًا في بيت الشعر، تسمع فيها الشعراء وتعلق على أشعارهم". قلت: "أحتاج بعد الندوة أن أسهر معكم الليلة في المدينة. لا تتركوني وحدي".
لم أمكث في الفندق غير دقائق . أخذت طريقي إلى معبد الأقصر. لم أخبرهم ولم أطلب منهم أن ينتظروني. لقد قبلت الدعوة لأقف ولو قليلا بين وجوه الأجداد الذين طال شوقي إليهم. قلت لنفسي: الآن أزور معبد الأقصر، وقبل أن يهبط الليل أزور معبد الكرنك، وغدا أزور البر الغربي في الصباح الباكر، كما قالوا، قبل أن تشتد الحرارة. بعد غد أعود إلى القاهرة.
تحت الحرارة الشديدة صعب أن أمشي. لقد كان جنونا أن آتي في الصيف. أخذت عربة حنطور من أمام الفندق. المسافة ليست بعيدة. لكن ركوب الحنطور طقس لزوار الأقصر أعرفه من زيارتي القديمة. لم أنتظر أن يكون هناك سُيَّاح بالمعبد. ففضلا عن حرارة الجو، السياحة في وضع صعب في مصر بعد أحداث الإرهاب التي لا تنتهي. الفندق الأثري الجميل كان شبه خال، فما بالك بالفنادق الأخرى.
قطعت تذكرة دخول المعبد المقررة للمصريين بعشرة جنيهات وأنا أبتسم، ودخلت. رأيت ثلاث صينيات صغيرات الجسم، على رؤوسهن قبعات ملونة تقي من حرارة الشمس، ومعهن فتاة مصرية واضح لي أنها دليل السياح، تحدثهم باللغة الصينية، ولا أحد آخر في المعبد. لم أكن في حاجة لمن يرشدني إلى ما أمامي. أدركت أني لم أطلب من الشباب أن يصحبني أحد منهم على دراية بالآثار، ليس لكي أكون وحدي فقط بين الأجداد، ولكن لأني سأبكي. وبالفعل قاومت دموعي وأنا أقف بين الأعمدة القديمة الصامدة في الزمن ونقوشها، وأنظر إلى التماثيل، وإلى المسلة الباقية من المسلتين اللتين بناهما رمسيس الثاني. الأخرى تزين ميدان الكونكورد، في باريس التي ذهبت إليها مرة فوجدت نفسي أسرع في الذهاب إلى الميدان لأطل عليها.
فكرت لحظات في عظمة أجدادنا. هذا المعبد الذي أقامه أمنحوتب الثالث عام 1400 قبل الميلاد ليكون لعبادة آمون رع، الذي نسب نفسه إليه ليرضَى له المصريون بحكم البلاد، هو الذي كانت أمه غير مصرية. وأضاف إليه رمسيس الثاني الفناء والمسلتين وصروحا للعبادة، وسجل انتصاراته على الحيثيين وغيرهم على جدرانه. من يصدق أن كل مسلة من الاثنتين وزنها يصل تقريبا إلى مائتين وخمسين طنا، وقُطِعَت قطعة واحدة من الجرانيت الوردي من جبال أسوان، ثم نقلت إلى هنا كما هي؟

سألت نفسي السؤال القديم: لو لم يكن هناك فنانون أقاموا هذا المعبد وغيره، هل كنا سنعرف شيئا عن حكَّام ذلك الزمان؟ من في بلادنا من الحكَّام يعرف قيمة الفنون والآداب؟ لكن لم يكن ذلك سبب جيشان صدري ورغبة دموعي أن تنطلق. لقد فكرت فجأة: ماذا يحدث لو تركت الآثار بلادنا وذهبت هي أيضا إلى السماء؟ كل ما بقي من آثار الفراعنة كان مقصودا به الخلود. المسلة التي ترتفع إلى السماء هي إشارة إلى رحلة الصعود إلى العالم الآخر. بالضبط كما هي الأهرامات التي كانت مقبرة للفرعون، تنطلق منها روحه أسرع إلى السماء حيث عرش الله. هذه التماثيل الضخمة للفراعين تعلن قوة البقاء في الفضاء الواسع. فهل يرضى عنا أجدادنا اليوم؟ أم سيتركوننا مثلما تركتنا شجرة سوهاج؟
ابتعدت عن هذا التفكير. رحت أمشي متبتلا بين الأعمدة والرسوم الباقية والتماثيل.

في طريق خروجي وجدت من يجلس في ظل غرفة الحراسة، وأمامه بعض الكتيبات القليلة عن الآثار، فضلا عن ورق البردي. لا أعرف لماذا كان موجودا حقا ولا يوجد سُيَّاح. أكيد ليس له عمل آخر. لم أكن في حاجة إلى شراء شيء من ذلك. لقد أتيت لأقف محاولا أنْ أشم رائحة المكان، وأن تتسرَّب إلى روحي عظمته ولا شيء آخر. لا أريد أنْ أعرف أكثر مما أعرف. أريد أنْ أشعر أنَّ لي وطنا عظيما لم يقدر على محوه أحد، حتى لو كان ثمن ذلك هو دموعي.
خرجت ولمحت مقهى قريبا على الناحية الأخرى من الشارع الطويل. شارع معبد الكرنك. جذبني اسم المقهى فاتجهت إليه. مقهى وادي الملوك. الجالسون على الرصيف في هذا الحر لا أحد! رغم وجود سقيفة تمنحهم الظل. الجالسون داخلها اثنان. جلست وتقدم مني الجرسون الشاب. طلبت فنجانا من القهوة. كنت أشعر بعرق كثير تَفَصَّد على جسمي. أمامي طريق الكباش يمشي يمينا، لكن الجزء الذي أمامي خال من الكباش تقريبا. سألت الجرسون الشاب وهو يضع فنجان القهوة، هل يبتعد معبد الكرنك عن هنا كثيرا؟ قال لي إنّ معبد الكرنك ليس بعيدا، ويمكن بالتاكسي أو بالحنطور أنْ أذهب في دقائق. ثم أردف:
- لكن الجو حار وستمشي مسافة من خارج المعبد في الفضاء حتى تدخله.
ابتسمت وقلت:
- سأسرع في المشي.
قال:
- يمكن أن تشتري قبعة تحميك من الشمس من هنا – وأشار إلى محلات قريبة- أو من هناك على أبواب المعبد. المحلات مفتوحة رغم أنه لا يدخلها أحد.
ذهبت إلى معبد الكرنك. اشتريت من أحد المحلات في مدخله برنيطة جميلة.
لم أجد في المعبد غير الصينيات الثلاث اللاتي رأيتهن في معبد الأقصر. درت بسرعة بين الأعمدة. تنقلت بين المداخل المختلفة. توقفت طويلا أمام طريق الكباش. لم أفكر أن أتذكر أي معلومات أعرفها من قبل. تركت نفسي كما فعلت في معبد الأقصر، أتشبَّع من مظاهر العظمة للمصريين أجدادي الذين أقاموا هذه المعابد للآلهة، ينتصرون بها على الدنيا حولهم والزمن بعدهم. ووقفت دقائق أمام التمثال الصغير للجعران المقدس أنظر إلى البحيرة المقدسة التي تكاد تجف من الإهمال. فجأة حاصرني من جديد هاجس أن كل ذلك يمكن أن يرتفع إلى السماء، تاركا الأرض الظالمة لظالميها يبابا.
في المساء جاءني الشباب الثلاثة الذين قابلوني بالمحطة، ليأخذوني إلى الندوة. كانوا ثلاثة من كتّاب المدينة الشباب الأصغر سنا مني، أنا الذي في الخامسة والثلاثين. تماما كشباب سوهاج. لم يكن أي منهم قد أصدر ديوانا أو رواية بعد، وأنا أصدرت ديوانين قبل ديواني الأخير.
في الندوة عرفت كم يحبون شِعري، ولا يتوقف الحاضرون عن سؤالي عن بعض القصائد. كنت أجيبهم وأحدثهم عن تجربتي مع الشعر والشعراء والقراءة والكتابة. ثم حدثتهم عن زيارتي إلي الأقصر منذ عشر سنوات، وكيف توقفت مذهولا أمام الأعمدة والتماثيل والمسلات.

كيف رأيت الآثار المرسومة في مقابر البر الغربي كأنها رُسمت اليوم، قبل وصولي، وليس منذ آلاف السنين. انتقل الحديث إلى الآثار التي يجدها الناس أحيانا تحت بيوتهم، وعن التجارة في الآثار. أسمع منهم وأعرف أن في الأمر كثيرا من المبالغة، لكن فيه كثيرا من الحقيقة أيضا.
كانت الندوة رائعة وحميمية إلى درجة عظيمة، انتهت في نحو الساعة العاشرة. بعدها انتقلنا إلى مقهى. اقترحت عليهم مقهى وادي الملوك. ضحكوا: كيف عرفت المقهى؟ قلت لهم: لقد زرت معبد الأقصر اليوم وجلست فيه. رأيته بالصدفة فأعجبني رغم صغره. ذهبنا وجلسنا على الرصيف، لكني لا حظت رجلا يجلس وحيدا في الجزء الصغير الأعلى داخل المقهى.
كان يبدو في الخمسينات من عمره. يجلس بعيدا وحيدا لا يكلم أحدا. كان الرجل يرتدي جلبابا أبيض خفيفا، فهذا شهر لا يزور فيه الأقصر إلا الحرُّ! كان عرق يتفصد من جسمي رغم انخفاض درجة الحرارة بالليل، أنا الذي أرتدي القميص والبنطلون، فالمقهى غير مكيف. به بعض المراوح معلقة على الجدران بالداخل، لكن لا يكفي هواؤها ولا يصل إلينا. طال الوقت وتقدم الليل أكثر وقلَّ المارة. قلت لهم: "حان وقت العشاء. هيا بنا إلى أي مطعم تختارونه".
نهضوا ووجدت نفسي أنظر إلى الرجل الصامت نظرة أخيرة. الرجل لا يزال وحده. مشيت مع الشبان الثلاثة، وحين دخلنا إلى مطعم "أم هاشم" الذي اختاروه ثم جلسنا، قلت لهم:
- لقد لاحظت بالمقهى رجلا يجلس وحيدا شاردا طول الوقت ولا يكلم أحدا.
قال أحد الشباب:
- أجل. هو حسن العبودي.
- تعرفونه؟
قالوا معا:
- من في الأقصر لا يعرفه؟
- هل هو مشهور إلى هذا الحد؟ هل هو تاجر آثار مثلا أو يعمل بالسياحة التي توقفت وتعطل عمله؟
قال أحدهم:
- لا. هو تاجر بهارات. عطّار يعني. عنده الكركديه والدوم والفلفل الأسود والشطة وغيرها. هو من عائلة كانت تشتهر بتجارة التوابل على مرِّ التاريخ، لكنه منذ عامين تقريبا انقطع عن الحديث مع الناس ويجلس دائما وحده.
قال الثاني:
- مسكين. لا أحد يصدقه فتوقف عن الكلام.
سكتُّ أنظر إليهم مستريبا في الأمر. كان النادل يضع أمامنا الكباب والكفتة والأرز، وتصعد الرائحة الطيبة إلى أنفي وروحي.
قال الثالث:
- منذ عام تقريبا يمضي الليل في حديقة منزله. بيته من دورين. فيلا حديقتها في الخلف. يظل حتى الصباح وسط الحديقة. يقول إنه يسمع النخلة التي تتوسطها تئن من جذورها وتكاد تخرج من الأرض.
نظرت إليهم مندهشا وتساءلت وأنا شارد أفكر:
- معقول؟!
قال الأول:
- هذه هي المسألة التي حيرت الناس، لكن زوجته تؤكد كلامه وتقول إنها تسمعها معه. ثم أصبحت تخاف، وتطلب منه أن يبيعا البيت، وينتقلا إلى مكان آخر.
سكتُّ ولم أعلق. صرت أمضغ الطعام على مهل، لعل أحدهم يكمل القصة، وبالفعل قال الثاني:
- ابنته كانت في القاهرة في أثناء الثورة. لقد طلب منها يوم 25 يناير أن تعود، لكنها بقيت مع زميلاتها في المدينة الجامعية. قالت له إنها لم تجد حجزا في القطار إلا بعد أسبوع. الله يعلم إذا كانت صادقة أم كذبت عليه لتبقى وتشارك في الثورة. ماتت في شارع الشيخ ريحان في منتصف ليل الجمعة 28 يناير. أصابتها طلقة رصاص، قالوا إنها جاءت من قناصة فوق وزارة الداخلية.
ظللت صامتا وصرت أمضغ الطعام على مهل. هل أحكي لهم حكاية الشجرة في سوهاج؟ ليس الآن. ثم هل سأصدق هذه الحكاية أيضا؟
وقال الثالث:
- يقول العبودي إن هذه النخلة التي تئن زرعتها ابنته.
صرتُ أنظر إليهم في دهشة وحيرة، وتوقفت عن الأكل، فقال الأول:
- الآن يقول العبودي إنه ينتظر أن تسقط الشجرة أو تطير تاركة الأرض، وتلتحق بابنته إيزيس في السماء. وهكذا يمضي وقته صامتا في انتظار هذا اليوم.
ساد صمت عميق بيننا توقفوا فيه جميعا عن الطعام ينظرون إليّ، ولا يدرون أني أفكر كيف أن اسم ابنة الرجل الصامت "إيزيس" إلهة الخلود التي جمعت أشلاء أوزوريس، ونفخت فيه من روحها فعاد إلى الحياة، وأنجبت منه حورس ينتقم له. لكن دخل "سايس" السيارات الواقفة أمام المحل هاتفا في رعب:
- شفتم ماذا حدث؟ لقد عاد حسن العبودي إلى البيت فطارت النخلة. لقد اتصلت به زوجته تصرخ. لقد رأت النخلة تهتز ولا توجد ريح، فأسرع إليها ورأى النخلة تنخلع من الأرض وتصعد إلى السماء. الناس كلها لا تصدق لكنها تجري لترى مكان الشجرة الفارغ. أحدهم أخبرني الآن أنه بالفعل لم تعد نخلة في حديقة بيت العبودي. يا رب الطف بعبادك.
ووقف الشبان الثلاثة يقولون في انفعال: "لا بد أن نذهب لنرى ذلك". وسألوني أن أذهب معهم، لكني قلت شاردا:
- سأعود إلى الفندق. لا بد من أن أنام.
كنت أشعر أني صرت خارج العالم، كما كنت أعرف أني لن أنام أبدا.

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية