محمد فريد أبو سعدة يكتب: المكان في الشعر

25-12-2017 | 13:51

محمد فريد أبو سعدة

 

المكان كائن حىّ، ربما يناصبك العداء، أو يتجاهلك، أو يحاول إيذاءك، وعلى الطرف الآخر قد يكون ودودا مفعما بالدفء وراشحا بإنسانية غلابة.

الذاكرة التى يمتلكها المكان هى التى تفرض علىّ هذه الحالة أو تلك ، فالقاهرة الفاطمية تبدو كشخص تقابله للمرة الأولى ، فتشعر أن بينك وبينه تاريخا طويلا من الود والألفة بينما تقابلنى بعض المدن كشخص متعال متأنق يتصرف وكأنه أمام الكاميرا ، للمكان روحه التى تتشكل من زمنيته من جهة ، ومن تاريخه الاجتماعى من جهة أخرى.

والمخيلة، وهى تقذف بالحادثة أو الواقعة ، دون سبب واضح، فإنها أيضا تشعل عودا من الثقاب كاشفة عن جدار ما ، أو مساحة من بلاط قديم ، نخلة ، كرسى ، مُصلّى على نهر ، إنها دائمةُ التحوير فيه ، وهى تعمل لدى ّبآليّة تشبه المونتاج فى الشريط السنيمائى، انتقائية بمنطق خاص ، الأماكن والأشياء تطفو وتغطس في ماء الذاكرة ، وفي رقصة غامضة يستطيع ، فقط هذا العقل الشعرى أن يتجانس معها ، ويتماهى مع منطقها.

الأشياء تظل عالقة بسقف النص تبدو حينا وتختفى حينا ، وهذا التعرّض الذى تمارسه الأشياء فى النص الشعرى ، وفى كل الحالات فإنها ترقص دائما رقصتها الحميمة مع التجربة.
الأماكن بشكل عام تصيبنى بهذا التوجس ، والارتباك ، والوساوس التى تمارس هيمنتها على رجل فى سبيله إلى افتضاض امرأته في ليلته الأولى.

في القصيدة ، لا تستدعى المخيلة إلى فضاء النص إلا الأماكن والأشياء التى غسلتها الذاكرة من هواجس التهديد هذه ، الأشياء ذات الحضور الشخصى ، والتى صنعت لها الذاكرة عذوبة خاصة ، وألفة خاصة ، حتى لكأن هذه الأشياء أطرافي.

لا منجاة من المكان في التشكيل الشعرى ، فالحركة التى نطلقها في الفضاء الشعري ـ مثل قطيع من الغزلان ـ لاتتم إلا في الزمان والمكان ، هناك أيضا المكان المتوهّم ، هذا الذى يقدمه الفن ، إنه يغرى بإعادة الفحص ، لقد كسرالفن وحشيته ووحشته ، هذه الأماكن تجد في المخيلة مكانا لها بجوار الأماكن الصديقة الأخرى ، فمن منا لا تشكل "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية" جزءا من الحضور المكانى في مخيلته.

المكان ينضح بتقاليد وأعراف ، المكان يقول لك هذا صحيح وهذا خطأ ، هذا حلال وهذا حرام ، هذا جميل وهذا قبيح وأنت تنصاع أو تتمرد! لكنه في كل الأحوال يرسل إليك رسالة عما يجب أن تفعله ، هذه الرسالة مبثوثة في هواء المكان، إنها روح المكان ، فأنت في الجامع غيرك فى البار ، وأنت فى المدرسة غيرك تحت قبة البرلمان ، المكان يحدد الدور الذى تلعبه ويضع الشروط التى يجب أن تراعيها ، وأنت تلعب هذا الدور.

وعلاقة الانتماء هى العلاقة التى تجعل الفرد ينصاع لرسالة المكان ، ولكن إدراكك أن روح المكان هذه هى روح مضافة، هى روح الجماعة، وأن هذه الروح ليست مقدسة على أى حال ، وتصيبها الصيرورة شأنها شأن كل شىء ، هذا الإدراك بأن لاشىء يبقى صحيحا طول الوقت ، وأن الصحة والخطأ ظاهرة اجتماعية ، هذا الإدراك يجعل الشاعر مستعدا للنزق، لكسر التوقع، للاختراق ، وبدون ذلك يشعر بغربته واغترابه فى المكان ، الذى أعدّ سلفا دون مشورته ، وأعدّ بحرص بالغ حتى لايكون فاعلا فيه بل مفعولا به وفيه!

إن فكرة الانتماء لدىّ هى فكرة تقويضية بالأساس ، لأن الانتماء فى الشعر لايكون للجماعة بل للفردانية التى تساوى الفرادة، انتماء للصيرورة، وسعى من خلال التمرد إلى انتماء جديد ، في دورات متعاقبة، وفى كل دورة يصل فيها الانتماء إلى تاريخيته، أى يصبح تكريسا لروح الجماعة يبدأ التمرد من جديد، هذا الفعل الدائم في المكان، من أجل حرْفه وتغيير هويته الثقافية والاجتماعية ، يشكل تمردا واغترابا في آن.

إننى أشعر بالتهديد من المكان الممتلئ بهذه الحالة الثقافية والاجتماعية الوثوقية ، التى تهدد الخارج عليها ، أو المختلف معها، إنه التوتر الذي يجابه الإبداع، ويؤدي إليه معًا.

اقرأ ايضا: